الرأي الآخر: منذر عبد الحر.. شاعر يكتب خارج الضجيج

عماد آل جلال

الرأي الآخر:منذر عبد الحر.. شاعر يكتب خارج الضجيج

التقيته قبل أيام في اتحاد الادباء والكتاب، وبلا مقدمات مرت أمامي تجربته الطويلة الغنية بالأبداع، وبحماسة الصحفي وانثيالات افكاره، أقول اختار منذر عبد الحر طريقاً مختلفاً، أن يترك للنص مهمة الكلام. لا يراهن على الضجيج، ولا يفتعل حول تجربته هالةً أكبر من القصيدة، بل يراكم مشروعه بهدوء شاعر يعرف أن الأدب لا يُقاس بسرعة الحضور، وإنما بقدرة النص على البقاء.
ينتمي عبد الحر إلى جيل عراقي عاش تحولات قاسية، ولذلك لا تبدو تجربته منفصلة عن زمنها. غير أنه لا يتعامل مع الواقع كمادة جاهزة للخطابة، بل يعيد تفكيكه شعرياً، ويبحث في تفاصيله عن الإنسان، عن خوفه، خساراته، صداقاته، وأحلامه الصغيرة التي غالباً ما تنجو من الخراب بصعوبة.
في قصيدته، لا يحضر العراق كشعار، بل كخبرة معيشة. المكان ذاكرة، والذاكرة ليست متحفاً للماضي، وإنما قوة فاعلة تعيد تشكيل الحاضر. لهذا تتقدم التفاصيل على الشعارات، ويصبح ما يبدو هامشياً أكثر قدرة على قول الحقيقة من العبارات الكبيرة.
لغة منذر عبد الحر تميل إلى الاقتصاد من دون أن تفقد شاعريتها. إنها لا تبحث عن التعقيد بوصفه دليلاً على العمق، ولا عن الغموض بوصفه قيمة مستقلة. الأهم في نصه هو ذلك التوتر الخفي بين ما يُقال وما يبقى خلف الكلمات.
وقد تنقل بين الشعر والرواية والصحافة، في تجربة تكشف عن كاتب لا يرى في الأجناس الأدبية حدوداً مغلقة. فلكل شكل أدواته، لكن السؤال واحد: كيف يمكن القبض على الحياة قبل أن تفلت؟
في مجموعاته الشعرية، ومنها "قلادة الأخطاء" و "تمرين في النسيان" و "قرابين"، تظهر ملامح شاعر منشغل بالإنسان أكثر من انشغاله بصناعة صورة مثالية عنه. الإنسان هنا كائن هش، يحمل تاريخه معه، ويواصل السير رغم ما فقده.
منذر عبد الحر لا يكتب القصيدة إعلاناً عن موقف، بل باعتبارها مساحةً لاختبار الأسئلة. وهذا ربما ما يمنح تجربته خصوصيتها، إذ لا تقدم إجابات جاهزة، بل تترك للقارئ فرصة الدخول إلى النص من باب تجربته الخاصة.
يمكن النظر إلى تجربة منذر عبد الحر بوصفها تجربة كاتب راهن على الاستمرار لا الاستعراض، وعلى النص لا المناسبة. وبين الشعر والسرد والصحافة، ظل قريباً من فكرته الأساسية، أن الكلمة الجيدة لا تحتاج إلى ضجيج كي تُسمع، لكنها تحتاج إلى زمن كي تُكتشف.

  

إذاعة وتلفزيون‏



الساعة حسب توقيت مدينة بغداد

الأبراج وتفسير الأحلام

المتواجدون حاليا

475 زائر، ولايوجد أعضاء داخل الموقع