الحرب بين باب المندب والانتخابات بيد من زمام المبادرة

بقلم : اللواء الملاح الركن المتقاعد فيصل حمادي غضبان
17 أيلول 2026

الحرب بين باب المندب والانتخابات بيد من زمام المبادرة

١. المقدمة : ترامب صرح اكثر من مرة ان مايجري بين إمريكا وإيران مجرد مناوشات وضربات محدودة الاهداف ولن ترتقي الى مستوى الحرب الشامله..إذا تعاملنا مع ماقاله ترامب بمعناها السياسي والعسكري، فهناك فرق مهم بين ( الحرب والمناوشات أو الضربات المتبادلة ) لكن الوقائع الميدانية الحالية تجعل توصيف ما يجري باعتباره مجرد مناوشات غير كافي.

٢.الفرق بين المصطلحين :
ا.المناوشة : هي اشتباك محدود، غالباً في المكان والزمان والهدف، ولا تتحول بالضرورة إلى استخدام مستمر ومنظم للقوة لتحقيق أهداف استراتيجية.

ب.الحرب : بالمفهوم العسكري الحديث لا يشترط أن تكون معركة متواصلة أو جبهة برية مفتوحة؛ يكفي أن يكون هناك استخدام منظم للقوة المسلحة بين دول، ذات غايات وأهداف سياسية وعسكرية محددة، وعمليات ممتدة على الاهداف المتوخاة ذات تأثير على القدرات التعبوية والاستراتيجية للطرفين.

٣. الحرب الحديثة : ليس مواجهة عسكرية بالسلاح فقط، بل إدارة شاملة للصراع باستخدام جميع عناصر القوة لتحقيق غاية سياسية بأقل كلفة وأعلى تأثير واهم انواعها ( جوية وصاروخية.بحرية وحرب ناقلات.إلكترونية واستخبارية.
اقتصادية وحصاراً) يمكن ان تكون متقطعة زمنياً، لكنها مستمرة استراتيجياً.
٤. تصريح ترامب بصدد الحرب القائمة : بالرغم من انه متناقض ولا ضير من مناقشته من زاوية المفهوم العسكري وليس السياسي وكما يلي :
ا. الضربات المتقطعة لا تنفي صفة الحرب لأنها لا تُعرَّف بعدد الضربات في اليوم، وإنما بطبيعة الأهداف، وحجم القوة المستخدمة، وامتداد العمليات، والنتائج الاستراتيجية.
ب. المعلن لمسار العمليات منذ شباط 2026 تتجاوز بكثير مفهوم المناوشة المحدودة .
ج. مفهوم العمليات لم يعد مجرد ضربة مقابل ضربة فقد شملت حصاراً بحرياً، استهداف ناقلات، قصف قواعد ومنشآت عسكرية، وتعطيل حركة الملاحة والطاقة.

٥.الولايات المتحدة وإسرائيل نفذتا ضربات واسعة داخل إيران، وردت إيران بضربات على إسرائيل وقواعد أمريكية ومنشآت في دول الخليج، ثم امتد الصراع إلى الملاحة وناقلات النفط ومضيق هرمز. ويصنف مجلس الامن لجنة العلاقات الخارجية الصراع بصراحةً اعتباره حرباً بين دول.

٦.حقيقة ما يحصل : كما وصف من قبل ذوي الاختصاص بأنها حرباً ممتدة قد تكون منخفضة إو متوسطة الإيقاع، تتخللها فترات تهدئة، وليست حرباً تقليدية متصلة الجبهات.بالرغم من ذلك ان تاثيرها اكثر من ما هو متوقع. وهذا يفسر التناقض الظاهري في كلام ترامب: فهو يستطيع القول سياسياً إن الضربات متقطعة وإنها ليس حرباً بالمفهوم التقليدي، لكن التوصيف العسكري الأشمل يعتبرها نزاعاً مسلحاً بين دول تطور إلى مستوى الحرب الإقليمية. وحتى ترامب نفسه تحدث في 16 أيلول عن الحرب مع إيران وقال إنه يأمل أن تكون في نهايتها، بينما كان قد وصفها في 4 أيلول بأنها ليست حرباً وأن الضربات متقطعة وترقع أيضاً أنها ستنتهي بعد الانتخابات النصفيه وفي كل ما قيل بوصف الحرب يتضح ان التناقض قد طغى على الواقع. مع ماتقدم علينا ان ألا نستنتج مباشرةً أن تصريحات ترامب تعني ضعفاً أو انكساراً بل يمكن قراءتها باعتبارها مؤشرات على ضغط عسكري وسياسي متزايد ومحاولة لإدارة كلفة الحرب داخلياً.مع الاخذ بنظر الاعتبار المؤشرات ادناه :

أ.الضغط داخل الكونغرس: في 15–16 أيلول بدأ عدد من الجمهوريين بالتصويت مع قرارات تحد من استمرار العمليات العسكرية في إيران دون موافقة الكونغرس، وهو تحول مهم لأنه يأتي من داخل الحزب نفسه.
ب. ربط نهاية الحرب بالانتخابات النصفية: ترامب قال في 9 أيلول إن الحرب ستنتهي مباشرة بعد انتخابات تشرين الثاني، في وقت كانت الحرب قد دخلت شهرها السابع واستمرت الضربات وارتفعت أسعار النفط.
ج. التصريح يمكن تفسيره سياسياً بأنه يربط استمرار الحرب بظرف انتخابي داخلي، وليس دليلاً بحد ذاته على عجز عسكري.

د.مبلغ الـ5,000 دولار، فترامب طرحه باعتباره «توزيعاً» لكل مواطن بالغ إذا حافظ الجمهوريون على السيطرة على الكونغرس؛ والتقديرات المنشورة تضع الكلفة المحتملة عند أكثر من تريليون دولار، كما أن تنفيذه يحتاج إلى تشريع من الكونغرس. لذلك لا ينبغي التعامل معه باعتباره مبلغاً مضموناً أو مدفوعاً بالفعل.

٧. باب المندب غيّر المعادلة: التقدم الحوثي وسيطرته على مناطق ساحلية وجزر في باب المندب أعطى إيران وحلفاءها ورقة ضغط استراتيجية إضافية على خطوط الملاحة، في الوقت الذي تتركز فيه القوات والموارد الأمريكية في أزمة إيران ومضيق هرمز.

٨. الاستنتاج الاستراتيجي : ما يصدر عن ترامب لا يكفي لوصفه بالانكسار، لكنه يعكس انتقال مركز الثقل من الميدان العسكري وحده إلى إدارة الكلفة السياسية للحرب. فحين تتزامن صعوبة حسم الحرب مع تصاعد الاعتراض داخل الكونغرس، وارتفاع كلفة الطاقة، واقتراب الانتخابات، وظهور ضغط جديد على باب المندب، تصبح الحرب عبئاً سياسياً واستراتيجياً لا يمكن فصل مسارها العسكري عن المسار الانتخابي. الوصف المختصر ( من طهران إلى باب المندب هل بدأت كلفة الحرب تضغط على ترامب أكثر من نتائجها ).

٩. الصورة المتوقعة لنهاية الحرب بعد باب المندب : إذا أخذنا المستجد الأخطر، وهو إحكام الحوثيين قبضتهم على الساحل الغربي ومواقع وجزر مؤثرة في باب المندب، فإن صورة نهاية الحرب لا تبدو ( انتصار عسكري كامل ) لطرف واحد، بل أقرب إلى نهاية تفاوضية تُفرض شروطها من خلال الممرات الاستراتيجية. التقارير الأخيرة تؤكد أن السيطرة على باب المندب رفعت القيمة الاستراتيجية للحوثيين ومنحتهم ورقة ضغط إقليمية ودولية كبيرة. والمتوقع قد يكون كما مبين ادناه :
أ. مرحلة التصعيد القصوى : سيحاول كل طرف تحسين موقعه قبل التفاوض ( الحوثيون بتثبيت السيطرة على الساحل وباب المندب ) والجانب المقابل ( منع تحول هذه السيطرة إلى إغلاق فعلي للممر الملاحي )…وهذا يجعل باب المندب مركز الثقل في المرحلة القادمة.

ب.الانتقال من الحرب إلى المساومة : وجود تقارير عن اتصالات أمريكية مع الحوثيين في عُمان مؤشر مهم على أن القنوات السياسية لا تزال مفتوحة بالتوازي مع العمليات العسكرية. وهنا قد تتحول المعادلة ( من ينتصر في الميدان ) إلى ( ماذا يريد كل طرف مقابل وقف التصعيد ).

ج. باب المندب يصبح ورقة تفاوض لا مجرد موقع عسكري
إذا حافظ الحوثيون على مواقعهم، فإنهم يستطيعون استخدام أمن الملاحة وحرية المرور كورقة ضغط للحصول على تنازلات سياسية واقتصادية وأمنية. بعض التحليلات ترى أن السيطرة على الممر قد تُستخدم لمحاولة فرض دور «ضامن للمرور» أو شروط على الملاحة.

د.السعودية أمام معادلة مختلفة : السيطرة الحوثية الجديدة على الساحل والممر البحري تعني أن أمن السعودية لم يعد مرتبطاً بالحدود البرية فقط، بل يمتد إلى البحر الأحمر وباب المندب والطاقة والموانئ وخطوط التجارة. وتصف رويترز التطور بأنه من أكبر الانتكاسات التي تعرضت لها السعودية في اليمن خلال سنوات.

ه. النهاية الأكثر احتمالاً من حيث الشكل السياسي قد تنتهي الحرب بتسوية متعددة الأطراف، تتضمن بصورة أو بأخرى:
أولاً.تثبيت واقع ميداني جديد في اليمن.
ثانياً.ترتيبات خاصة بأمن باب المندب والملاحة الدولية.
ثالثاً.تفاهمات سعودية–حوثية مباشرة أو غير مباشرة.
رابعاً.ضمانات دولية لحرية الملاحة.
خامساً.ترتيبات سياسية داخل اليمن تؤجل أو تعالج مسألة السلطة النهائية.
سادساً.بقاء الحوثيين قوة رئيسية في المعادلة اليمنية والإقليمية، دون أن يعني ذلك بالضرورة اعترافاً دولياً كاملاً بسيطرتهم.

١٠. المتغير الحاسم : إذا تحول التحكم في باب المندب إلى إغلاق فعلي ومستمر للملاحة، فقد تتغير الصورة بالكامل. عندها قد تنتقل الأزمة من حرب إقليمية محدودة إلى قضية أمن دولي، لأن باب المندب أحد أهم الاختناقات البحرية في التجارة العالمية. وقد يدفع ذلك قوى إقليمية ودولية إلى محاولة استعادة حرية الملاحة بالقوة أو فرض ترتيبات أمنية مباشرة.

١١. الخلاصة :
أ.المناوشة تقاس بحدود الاشتباك، أما الحرب فتقاس بأهدافها وآثارها واستمرارها. وما يجري بين الولايات المتحدة وإيران تجاوز حدود المناوشة؛ لأنه انتقل من تبادل الضربات إلى صراع على القدرات العسكرية، والردع، والملاحة، والطاقة، ومضيق هرمز، وبالتالي أصبح حرباً حديثة متعددة المجالات، حتى وإن كانت إيقاعاتها متقطعة وليس جبهة تقليدية مفتوحة.

ب. المشهد الحالي يوحي بأن نهاية الحرب قد لا تُحسم في صنعاء ولا في جبهة برية، وإنما حول الممرات البحرية ( هرمز وباب المندب ) لان الفكرة الاستراتيجية تقول ( عندما تصبح الممرات البحرية أوراقاً في الحرب، فإن نهاية الحرب لا يحددها عدد الأهداف التي دُمّرت، بل مقدار النفوذ الذي يستطيع كل طرف تحويله إلى مكاسب على طاولة التفاوض )..والأهم أن السيطرة الحوثية على باب المندب لا تعني وحدها نهاية الحرب، بل ترفع سقف الثمن المطلوب لإنهائها وتعيد توزيع أوراق التفاوض حسب الموقف في الميدان .

١٢. باب المندب يرسم ملامح الشرق الأوسط الجديد… والأسوأ قادم : سيطرة الحوثيين على مواقع مؤثرة في باب المندب تغيّر قراءة المشهد الإقليمي؛ لأنها تنقل الصراع من مجرد مواجهة حول إيران واليمن إلى صراع على مفاصل الحركة الاستراتيجية: هرمز وباب المندب والبحر الأحمر. وتفيد التقارير الحديثة بأن الحوثيين وصلوا إلى جزيرة استراتيجية في باب المندب، بينما تجري في الوقت نفسه اتصالات أمريكية–حوثية غير مباشرة في عُمان. وتعني تلك التطورات في خارطة الشرق الاوسط الجديد التأثير في ما مبين ادناه :
أ. إعادة توزيع مراكز الثقل : الخارطة الجديدة لن تُرسم فقط على أساس الحدود البرية، بل وفق السيطرة أو القدرة على التأثير في ( هرمز ، الخليج العربي ، البحر الأحمر ، باب المندب ، قناة السويس ). وهذا يعني أن النظر الى الحرب في اليمن صراع داخلي أصبح جزءاً من معادلة الأمن الدولي والطاقة والتجارة.

ب.تراجع احتكار القوة الأمريكية : ليس بالضرورة أن يكون ذلك انسحاباً أمريكياً كاملاً. الاتجاه الذي يظهر في بعض التحليلات هو إعادة تموضع: تقليل الوجود العسكري المباشر والمكلف، مع الاحتفاظ بالقواعد والوصول البحري والاستخبارات والقدرة على التدخل عند الضرورة. وقد طرحت دراسات حديثة بالفعل سيناريو إعادة تصميم الوجود الأمريكي في الخليج بدلاً من الخروج الكامل.

١٣. السؤال المتداول : هل ستنتقل أمريكا من قيادة الحرب إلى إدارة التوازن الإقليمي من الخلف وهذا يشكل فرق استراتيجي كبير. قد تظهر الصين وروسيا وأوروبا بصورة مختلفة. والأهم أن الصين دخلت بالفعل على خط الاتصالات؛ فقد أفادت تقارير حديثة بأنها طلبت من طهران المساعدة في ضبط الحوثيين بعد طلب سعودي. بل ان المنطقة يمكن أن تنتقل من نفوذ أمريكي منفرد إلى تعدد مراكز النفوذ الدولي.

١٤. أخطر ما في المشهد : إذا أصبح باب المندب ورقة دائمة بيد الحوثيين، وبقى مضيق هرمز نواة للتوتر، فإن الممرات البحرية نفسها تصبح أدوات سياسية وعسكرية.وهنا قد نشهد خارطة جديدة لا تقوم على احتلال الدول، وإنما السيطرة على مفاتيح الحركة المتمثلة بما يلي :
أ. مضيق هرمز: الطاقة الخليجية.
ب.باب المندب: التجارة والطاقة بين المحيط الهندي والبحر الأحمر.
ج.السويس: الربط بين آسيا وأوروبا.
د. شرق المتوسط: الطاقة والموانئ.
ه. القواعد الجوية والبحرية: القدرة على التدخل السريع.

١٥.الفرضية الاخطر : ان أمريكا أشعلت الحرب ثم ستنسحب : أجاب عن ذلك أحد الاستراتيجين: الفرضية تحتاج إلى فصل الوقائع عن التفسير السياسي. توجد مؤشرات على أن واشنطن تسعى في الوقت نفسه إلى خفض الانخراط المباشر في بعض الجبهات؛ فهناك اتصالات أمريكية مع الحوثيين، كما أن الانسحاب العسكري الأمريكي من العراق مقرر بنهاية سبتمبر 2026. لكن لا توجد من هذه الوقائع وحدها أدلة كافية للجزم بأن الولايات المتحدة أشعلت حرباً إقليمية عمداً ثم قررت الانسحاب منها.
الأقرب للتحليل الاستراتيجي هو أن واشنطن قد تسعى إلى تغيير شكل وجودها: من انتشار عسكري واسع إلى نفوذ يعتمد على التحالفات، الاستخبارات، القوة البحرية والجوية، والعقوبات والردع.

١٦. أين العراق من تلك التحولات : إذا تحولت الحرب إلى صراع على الممرات، فإن العراق يقع بين عقدتين استراتيجيتين هما ( الخليج من الشرق، والشام والبحر الأحمر من الغرب )..ولهذا فإن الخارطة المقبلة قد لا ترتكز على من يملك أكثر مساحة الى من يملك القدرة على التحكم في حركة الطاقة والتجارة والقوة عبر المنطقة..وهذا يجعل التحالفات، والاستخبارات، والدفاع الجوي، والقوة الجوية، وأمن الممرات عناصر متكاملة، وليس كل عنصر منها قضية منفردة.
من مبدء ان القدرة الجوية هي القوة الاكثر تأثير في حماية موارد الدولة الوطنية وهل العراق جاهز الى هكذا أحتمال ..اتمنى ذلك ولكنني أشك فيه .

  

إذاعة وتلفزيون‏



الساعة حسب توقيت مدينة بغداد

الأبراج وتفسير الأحلام

المتواجدون حاليا

480 زائر، ولايوجد أعضاء داخل الموقع