الوجاهة الاجتماعية … بين الجذور الراسخة وبريق المال والسلطة

سعد عبد المجيد ابراهيم

الوجاهة الاجتماعية … بين الجذور الراسخة وبريق المال والسلطة

يزخر المجتمع العراقي بشخصيات متميزة تحظى بمكانة اجتماعية رفيعة، يكتسبها الفرد أو الجماعة عبر تراكمات من الاحترام، والاعتراف الجماعي، وما يمتلكونه من رأس مال اقتصادي أو ثقافي أو رمزي، يمنحهم القدرة على التأثير والمشاركة الفاعلة في الشأن العام. هؤلاء هم "وجهاء القوم"، أصحاب السلطة الاجتماعية غير الرسمية، الذين لا يشغلون مناصب تنفيذية، لكن كلمتهم مسموعة، ومشورتهم مطلوبة، ووجودهم بركة. وأعدادهم في كل مدينة أو قرية أو عشيرة قليلة تُعدّ على الأصابع، لكن أثرهم كبير، يعرفهم القاصي والداني في بيئاتهم، بل وفي عموم العراق. وما زالت أسماء بارزة من وجهاء الماضي تُخلَّد في الذاكرة الجماعية، يتداولها الناس حديثاً وتاريخاً، كأمثلة تُحتذى في النبل والمواقف المشهودة.

ارتبطت الوجاهة في المجتمع العراقي التقليدي بعوامل متعددة ومتشابكة: الهيبة، وقوة الشخصية، والنسب، والعائلة، والعشيرة، والعلم، والكرم، وحسن السيرة، والتواضع، والقدرة على الإصلاح بين الناس. كان الوجيه بمثابة ملاذٍ يلجأ إليه المجتمع عند اشتعال الخلافات؛ لما يحظى به من رصيد من الثقة والاحترام المتراكمين، ولأن قوله مقبول، وصوته مسموع، ووساطته مباركة. فالوجاهة الحقيقية هي مكانة يمنحها المجتمع طوعاً، واعترافاً، ومحبة.

غير أن عصرنا الحالي شهد تحولات عميقة طاولت مفهوم الوجاهة ومظاهرها، فبرزت أشكال جديدة وغريبة من المدّعين، يستمدون وجاهتهم المزعومة من الثروات الطارئة، أو المناصب السياسية، أو الظهور الإعلامي المفرط، أو عبر وسائل التواصل الاجتماعي، مستغلين شبكات العلاقات وعدد المتابعين كدليل على المكانة. لكن هذه المقومات وحدها لا تكفي لمنح صاحبها وجاهةً أصيلة؛ فليس كل مشهور وجيهاً، ولا كل غنيٍّ أهلاً للمكانة، ولا كل صاحب منصب يحظى تلقائياً بقبول اجتماعي راسخ. بل إن ظهور هذه الفئة أساء إلى صورة الوجهاء الحقيقيين، وأصبحت قدوة لمن يروم الصعود بلا مؤهلات، ودفعتهم إلى الفساد، والاستيلاء على المال العام، وتزوير الشهادات، وتقمص أدوار لم يخوضوا يوماً في جوهرها.

ثمة أناس جديرون حقاً بأن يحتلوا مواقع الصدارة في المجتمع، ليكونوا من علية القوم وأهل الرأي، لكن هذه المكانة ليست متاحة للجميع؛ فقد يكون الإنسان غنياً لكنه يفتقر إلى الاحترام لعدم استحقاقه له، وقد يكون مشهوراً دون تأثير فكري أو أخلاقي حقيقي، وقد يكون صاحب منصب يُخشى نفوذه ما دام في السلطة، فإذا زالت، انقضت "وجاهته" كسراب، لأنها كانت ظلاً زائفاً لا أصل له. في المقابل، قد تجد أستاذاً جامعياً، أو طبيباً، أو قاضياً، أو مثقفاً، أو رجل اعمال، أو كاتباً وشاعراً، وكثيرين غيرهم ممن لا يمتلكون ثروة ولا سلطة، لكنهم يحظون باحترام واسع وعميق؛ وهذه هي الصورة الأقرب إلى الوجاهة الاجتماعية بمعناها الأصيل.

ثمة فارق جوهري بين أن يحترمك الناس، وبين أن يخافوا سطوتك؛ فصاحب المال أو السلطة قد يُلزم الآخرين بمجاملته أو مسايرته، لكن ذلك لا يعني الوجاهة الحقيقية التي تقوم على القبول والثقة، لأن النفوذ القائم على الخوف أو الحاجة يزول بانقضاء أسبابه. وخلاصة الفارق: السلطة تفرض على الناس الخشية منك، بينما الوجاهة تجعلهم يسعون إليك طواعية وارتياحاً.

في البيئات العشائرية، وحتى المدنية التي عرفناها وعايشناها منذ الصغر، تتجلى الوجاهة بمعنى أكثر وضوحاً؛ إذ ترتبط بالمعايير السالف ذكرها، بدءاً من الهيبة والنسب، وصولاً إلى القدرة على رأب الصدع وحل النزاعات. ومن هنا جاء تعبير "وجوه القوم"؛ وهم الذين يتحملون عبء المشكلات، ويسعون إلى تجنيب الناس الخصام وما يترتب عليه من خسائر بشرية ومادية. ولذلك يُرجع إليهم في أمهات المسائل، ويُنزَلون منزلة ممثلي الجماعة، وأهل الرأي، والحل، والعقد. وللوجيه وظيفة اجتماعية محورية، يكلفه بها المجتمع طواعية، تتمثل في الوساطة والإصلاح، وتتحدد قيمته بقدرته على التدخل المقبول والفاعل، مستنداً إلى رصيده الأخلاقي والرمزي المتوارث.

لكن الظروف الاستثنائية التي مر بها العراق في العقود الأخيرة، من حروب وحصار واحتلال واضطرابات، أتاحت الفرصة لبعض الطارئين لكسب المال بطرق مختلفة، أصبح بعضها مكشوفاً ومداناً اليوم. شجعهم ذلك على محاولة القفز نحو مكانة اجتماعية أعلى، واكتساب وجاهة لم تتشكل لديهم طبيعياً عبر الزمن. وكان أول ما لجأوا إليه هو "المظاهر"؛ فتظاهروا بالثراء الفاحش، واقتنوا السيارات الفارهة، واستعانوا بالحمايات الأمنية، وارتدوا الماركات العالمية والساعات الثمينة، باعتبارها مؤشرات فورية للمكانة، يسهل على الجميع ملاحظتها وتقييمها.

ولم يقف الطموح عند المظاهر المادية، بل تعدى إلى شراء الشهادات العليا، والتلقيب بلقب "دكتور"، لإضفاء صفة المعرفة والثقافة على أنفسهم زوراً، ففتحت هذه المحاولات الباب أمام موجة من الشهادات المزورة، والكوارث العلمية والإدارية التي رافقتها، وأثرت في مؤسسات الدولة وأساءت إلى سمعة المختصين الحقيقيين.

ثم انتقلوا إلى محاكاة مظاهر الوجاهة التقليدية، والتشبه بالشيوخ والوجهاء من ذوي المكانة المعروفة، فأقاموا "المضايف العامرة"، تلك المجالس التي كانت حكراً على كبار العشائر والأعيان، حتى صار في كل قبيلة عشرات الشيوخ، وفي كل مدينة عشرات الوجهاء، بعد أن كانوا يُعدّون على الأصابع. يقدمون في تلك المضايف القهوة العربية والطعام والشراب، محاولين تقليد البيئة العشائرية الأصيلة، وإثبات انتماء زائف إليها. بل إن بعضهم تشبه بالوجهاء حتى في الملبس، وطريقة الحديث، مع حفظ أبيات من الشعر، وبعض الحكم والقصص التراثية، ليستشهدوا بها في المحافل، إسباغاً على أنفسهم صورة الحكيم المثقف العارف، وإن خلت تلك الصورة من أي مضمون حقيقي.

ولم تتوقف المحاولات عند المضايف والمجالس، بل امتدت إلى تنظيم المآدب الضخمة، واستغلال المناسبات الاجتماعية لإقامة الولائم الفخمة، وتقديم الهدايا الثمينة للمسؤولين والتزلف إليهم، بوصفها جسراً لمد نفوذهم نحو مستويات أعلى من النفوذ والسلطة. كما وظفوا وسائل التواصل الاجتماعي بمهارة، لصناعة الصورة الاجتماعية التي يرغبون بها، من خلال نشر صور الولائم، واللقاءات مع الشخصيات البارزة، والمشاركات المصطنعة في القضايا العامة.

كذلك استغلوا المناسبات العامة التي يحضرها المسؤولون وذوو الشأن، مثل مجالس العزاء الخاصة بالشخصيات النافذة، باعتبارها ملتقيات استراتيجية للوجهاء الحقيقيين، فاتخذوها فرصة للتنقل بين كبار القوم، وتقديم أنفسهم كشخصيات اجتماعية متميزة، وإن كانت علاقاتهم بهم سطحية وعابرة. فأصبح حضور تلك المناسبات، والتقاط الصور مع الشخصيات البارزة ونشرها، أداةً لإظهار القرب من أصحاب المكانة، حتى وإن خلت تلك العلاقات من أي مضمون أخلاقي أو اجتماعي حقيقي.

وفئة أخرى من طالبي الوجاهة اتخذت من الانتخابات البرلمانية والمحلية مضماراً آخر لصناعة الوجاهة المصطنعة؛ إذ شكل الترشح لمجلس النواب أو مجالس المحافظات، والحملات الانتخابية المرافقة، فرصة لنشر الصور، والسير الذاتية المبالغ فيها وغير الحقيقية، والتي يضفون فيها على أنفسهم شتى الألقاب والمكارم. ولم يكن الفوز هو الهدف الوحيد دائماً، بل كان الانتشار الإعلامي، وتكريس الاسم، والظهور إلى جانب نخب المجتمع، كافياً لتحويل مجرد الترشيح إلى جسر نحو وجاهة مظهرية، وإن لم تقترن بأي إنجاز حقيقي.

لكن ما غاب عن هؤلاء جميعاً أن الوجاهة الحقيقية لا تُشترى بالمال، ولا تُصنع بالاستعراض المادي، ولا تُكتسب بالولائم أو الصور أو العلاقات العابرة. إنها حصيلة سيرة طويلة من الاحترام، والعطاء، وحسن السلوك، وخدمة المجتمع، والثقة التي يشيدها الإنسان مع محيطه عبر السنين. قد يصفق الناس للمظهر طارئاً، لكنهم يمتلكون حساً نافذاً يميزون به بين من حاز الوجاهة أصالةً، ومن حاول شراءها شكلاً واستعراضاً.

على من ينشد الوجاهة الحقيقية أن يعلم أنها تُبنى بسنوات من حسن السيرة، والصدق، والعلم، والكرم، والمواقف النبيلة الثابتة. وأجمل الوجاهات هي تلك التي لا يطلبها صاحبها، ولا يستعرضها، بل يمنحها إياه الناس طوعاً ومحبة واعترافاً. الوجاهة الحقيقية ليست في تصدر المجالس، ولا في أسطول السيارات والحراس، ولا في تجمهر أصحاب المصالح حولك؛ وإنما في بقاء أثر الاحترام والمحبة في قلوب الناس، حتى وإن زال المال، وغابت السلطة، وانقضت الشهرة. فالمنصب يمنح نفوذاً مؤقتاً، والمال يشتري علاقات عابرة، والشهرة تجذب الأنظار، لكنها جميعاً لا تصنع وجيهاً؛ لأن الوجيه يُصنع في الضمير الجمعي للأمة، لا في واجهات العرض والإعلام.

  

إذاعة وتلفزيون‏



الساعة حسب توقيت مدينة بغداد

الأبراج وتفسير الأحلام

المتواجدون حاليا

753 زائر، ولايوجد أعضاء داخل الموقع