القصاص / مستوحاة من الروايات عالمية - الجزء الاول

بقلم احمد فخري

القصاص/ مستوحاة من الروايات عالمية - الجزء الاول


ملاحظة: القصة مستوحاة وليست مستنسخة

جلس بدر واخته عسل على الكرسي الخلفي لسيارة امهم رغدة. كانا يشعران بالتعب الشديد من امد الرحلة بينما كانت الام تقود السيارة بسرعة 100 كلم/س تحاول جاهدة الوصول الى كركوك لانها هي ايضاً بدأت تشعر بالتعب الشديد الذي راح يتسلل الى اكتافها من شدة التركيز على الطريق. وبينما هي تقود السيارة سمعت ابنها الاصغر يسأل،

بدر : متى نصل كركوك يا امي؟ انا اشعر انني ساموت من شدة التعب.

رغدة : سنصل بعد قليل يا ابني بقي مجرد 5 او 10 دقائق.

بدر : قلتِ ذلك عندما خرجنا من طوزخرماتو فلماذا لم نصل لحد الآن؟ ولماذا لا تزيدين من السرعة، فالسيارة تسير كالسلحفاة يا امي.

رغدة : ماذا عساي ان افاعل يا أبني. انا اقودها باقصى طاقتي. فهذه المهام كان يتولاها المرحوم والدكم عندما كان على قيد الحياة لكنني الآن اصبحت اعمل كل شيء بنفسي وبشكل مضاعف داخل البيت وخارجه. والآن وفوق كل مسؤولياتي اصبحت اسافر بكم الى بيت خالتكم وعد بكركوك كي تستمتعوا بالعطلة هناك.

بدر : انتِ لم تأخذينا لكي نستمتع بعطلتنا. بل اردت زيارة اختكِ الخالة وعد.

هنا صرخت به اخته الكبرى عسل ونهرته بشدة حين قالت،

عسل : كفاك ثرثرة يا غبي. امي تعمل جاهدة كي تعتني بنا وانت تتكلم كلام الاغبياء فتوترها اكثر مما هي عليه. اغلق فمك واسكت.

بدر : ولماذا اسكت انا اشعر وكأنني...

فجأة بدأت السيارة تتمايل بعنف وصار الجميع يشعر وكانهم جالسون بقارب يترنح فوق الماء. وضعت رغدة قدمها الايمن على المكابح لكن السيارة ظلت تتأرجح يمين شمال وتنزلق على الاسفلت وكأنها تتزلج فوق الجليد. وبقدرة قادر توقفت اخيراً واستقرت بوسط الطريق. كانوا ينظرون الى بعضهم البعض والهدوء كان يغمرهم جميعاً من شدة الرعب وكأنهم صاروا يصلّون ويشكرون الله على نجتهم.

خرجت رغدة والتفت حول السيارة لتتفحصها فوجدت العجلة الامامية قد ثُقِبَتْ وباتت جالسة على الحديد. ظلت تنظر اليها بحيرة وتشعر بالعجز التام لانها لم يسبق ان غيرت عجلة سيارة في حياتها. كانت دائماً تترك تلك الامور العسيرة على زوجها فيغيرها عندما يتطلب الامر. والآن ترملت واصبحت تحمل المسؤولية كاملةً فتعمل ما يعمله الرجال. هنا سمعت ابنها الصغير يقول،

بدر : انا اعرف كيف يغيرون العجلات يا امي لانني رأيت ابي، اقصد المرحوم ابي عندما كان يغيرها.

عسل : هيا إذاً انزل وقم بتغييرها إذا استطعت يا عبقري.

رغدة : لا يا أبني انت لا زلت صغيراً ولم يتجاوز عمرك الـ 4 سنوات ابقى في مكانك.

عسل : بالرغم من اني امرأة كاملة وبالغة في سن الثامنة عشر لكنني لا اجرؤ على تغيير العجلة بنفسي.

رغدة : اولاً انت لم تكملي 17 سنة بعد، وثانياً دعونا نهدأ وننظر كيف سنعالج الامر. سأُخرج العجلة الاحتياطية من الصندوق اولاً ثم أقوم بتبديلها على رسلي.

بدر : كنت ارى ابي يمسك بآلة فولاذية يبرم عتلتها بحركة دائرية حتى ترتفع السيارة.

عسل : هذا يسمونه الرافع يا غبي.

رغدة : اجل، ها قد رأيته الآن في الصندوق الخلفي. دعوني اخرجه وسوف أحاول تبديل العجلة مهما كلف الامر فنحن لن نبقى جالسين هنا بوسط الطريق، فالعربات المارة منا صار يقل عددها كثيراً بحلول العتمة. هيا انزلوا من السيارة وساعدوني لكي ندفعها الى جانب الشارع كي تمر باقي السيارات بامان دون ان تصطدم بسيارتنا.

بدر : ولكن، لماذا لا تتصلين بهاتفك كي يأتي احدٌ لمساعدتنا يا امي؟

رغدة : لقد حاولت قبل قليل فلم احصل على تغطية بهذا المكان النائي.

راحت عسل واخاها بدر يدفعون من مؤخرة السيارة بينما وقفت امهم تمسك بمقود السيارة من الطرف وتدفع معهم فتمكنوا من دفعها حتى استقرت فوق التراب لتبتعد عن الاسفلت. رجعت رغدة الى مؤخرة السيارة وفتحت الصندوق الخلفي من جديد وامسكت بالعجلة الاحتياطية البارزة امامها بداخل الصندوق لتسحبها لكنها ابت الخروج لانها على ما يبدو كانت مثبتةً باحكام ببرغي كبير. اخرجت مفتاح ربط الصواميل المتقاطع الرباعي المصنوع على شكل صليب والذي يحتوي على رؤوساً اربعة فضعت احداها على البرغي وراحت تلفه حتى بدأ يدور معها ويرتفع ثم خرج تماماً من مكانه ليحرر العجلة الاحتياطية. رفعت العجلة للاعلى بكل قوتها بالرغم من ثقل وزنها ثم وضعتها على الارض. اخذت مفتاح ربط الصواميل وهمت بفك برغي العجلة المثقوبة فسمعت ابنها يصيح باعلى صوته قائلاً،

بدر : لا يا امي حذاري، توقفي عن فعل ذلك. انت ترتكبين خطأ جسيماً. يجب ان ترفعي السيارة اولاً قبل فك البراغي والا فإن السيارة ستسقط على الارض ولن نستطيع اعادتها الى مكانها.

علمت رغدة ان ابنها الصغير كان على حق لكنها وصلت الى مرحلة اليأس فانفجرت بالبكاء وصاحت عليهم باعلى صوتها،

رغدة : لا اعرف، لا اعرف، انا في ورطة والمسؤولية كبيرة عليّ. لقد سئمت الحال ولم اعد أقدر على تحملها. اغربوا عن وجهي هيا دعوني اغير العجلة وحدي. لم اعد اتحملكم.

عسل : هل أعجبك ذلك يا فاهم؟ ها قد جعلت ماما المسكينة تبكي. دعنا نذهب بعيداً لنستكشف المكان الى حين تنتهي من اصلاح العجلة.

بدر : هيا يا اختي دعينا نبتعد عنها. فبعد قليل سوف ترمي اللوم علينا وتقول باننا نحن من ثقب العجلة.

رغدة : سوف استدعيكما عندما اغيرها وينتهي كل شيء. لكن لا تبتعدا كثيراً يا اولاد ارجوكما.

امسكت عسل بيد اخاها الصغير وساروا بين سنابل الشعير يستكشفون المكان بينما عادت امهم تحاول رفع السيارة بالرافع الحديدي الذي عثرت عليه بداخل الصندوق. فجأة سمعت صوت سيارة تقف الى جانبها ولكن بالاتجاه المعاكس. رفعت رأسها والتفتت لترى خيال رجل خلف مقود سيارته الا انها لم تستطع التثبت من تقاطيع وجهه بسبب الظلام الذي بدأ يخيم عليهم. كان ينظر اليها من خلال الشباك ويقول،

الرجل : هل تحتاجين لمساعدة يا اختي؟

حاولت رغدة ان تتفحص وجهه لكن الظلام حجب تقاطيعه بالكامل الا ان صوته كان يوحي بانه شاب صغير لذلك غلبها الخوف فقالت،

رغدة : لا شكراً لك اخي. انا استطيع ان اتدبر امري.

الرجل : لكنني اراك تلفين مفتاح ربط الصواميل دون ان تنفتح معك الصامولة. يبدو ان حجم رأس الصليب لا يتلائم مع حجم البرغي.

رغدة : وهل هناك فرق بين واحد دون الآخر؟

الرجل : طبعاً، كل رأس في ذراع يفك حجم برغي مختلف.

رغدة : وبرأيك ما العمل إذاً؟

الرجل : الم اقل لكِ ان هذا عمل الرجال؟ دعيني اغيره لك كلمح البصر فتعودين لمزاولة رحلتك الى كركوك. فانا غيرت مئات العجلات في حياتي.

رغدة : لكنني لا أريد أن أسبب لك ازعاجاً يا اخي. ستتسخ يداك وملابسك اثناء التغيير.

الرجل : لا تقلقي يا اختي. هذه هي مهنتي وملابسي متسخة اصلاً لذلك دعيني اغيرها لك كي تستأنفي رحلتك خلال دقائق معدودات.

رغدة : حسناً هذا لطف منك يا اخي، تفضل.

نزل الرجل من سيارته ومشى ليتفحص العجلة المثقوبة، وجه مصباح هاتفه نحو العجلة ثم قال،

الرجل : كان لدي شعور بانك تستعملين المفتاح الخاطئ. هل جربت كل المفاتيح على الصليب؟

رغدة : اجل جربتها كلها ولم تتوالف. سابحث بالصندوق الخلفي لعل هناك مفتاح آخر غيره. فقد رأيت مفتاحاً صليبياً آخر غيره.

رجعت الى الصندوق الخلفي لتبحث عن مفتاح بديل. بدأت تتلمس الاشياء من شدة الضلام وتقلب الادوات الأخرى بداخل صندوق حديدي عثرت عليه. وبينما هي تبحث شعرت بيد الرجل تمسك بخصرها وتعبث بتنورتها. صرخت باعلى صوتها وقالت، "ماذا تعمل يا كلب؟". ارادت ان تستدير لتواجه ذلك الاقتحام المفاجئ لشرفها لكنها تلقت لكمة شديدة على وجنتها فسقط جذعها بداخل صندوق السيارة لتصبح بوضع الركوع. وقف الرجل خلفها ومزق سروالها الداخلي بسحبة واحدة لكنها بدأت تصرخ من داخل الصندوق محاولة الافلات من قبضته الا انه كان اقوى منها. وضع يده على ظهرها وثبتها بقوة شديدة لتظل بوضع الركوع فوق صندوق السيارة ثم دخل بها بدفعة قوية خاطفة. بقي ممسكاً بجذعها وهو يضغط الى ظهرها كي لا يسمح لها الافلات منه. ظلت تصرخ باعلى صوتها تحاول التملص من قبضته الشديدة الا انه استمر بالولج بداخلها. حاولت الافلات منه اكثر من مرة لكن قوته غلبت عزمها على الابقاء على شرفها. وبلحظة يأس منها راحت يدها على مفتاح فك صواميل كبير امامها في الصندوق الحديدي فامسكت به وحاولت ان تضرب الرجل من ورائ ظهرها دون ان ترى اين تضرب فاصابت جبينه وشجته ليبدأ الدم بالسيلان. صرخ الرجل من شدة الالم وتحول فجأة الى ثور هائج، نبح بصوت مرتفع وقال،

الرجل : يبدو ان احداً لم يروضك يا ساقطة. ساقوم بما يجب عليّ فعله. ساربيك الآن يا زانية.

سحبها اليه لتقف على ساقيها وادار جسدها لتواجهه وراح يصفعها على وجنتيها صفعات قوية متتالية مؤلمة للغاية. كانت كلما صفعها صفعة كانت تشعر وكأن طابوقة بناء صدمت وجهها. وبوسط تلقيها تلك الصفعات المؤلمة وتحت شعاع النور الذي يأتي من سيارته شد انتباهها وشمٌ مرسوم فوق كفه الايمن على شكل مرساة سفينة. وبعد ان انتهى من صفعها سدد لها لكمة قوية وقاسية على بطنها كادت تقتلها. ظلت تصرخ وتولول وتستغيث لكن ذلك لم يثنيه عن عزمه بل استمر بلكمها حتى خرت قواها فسقطت على الارض مستلقية على ظهرها فوق التراب. ولما رآهى بهذا المنظر أبتسم ورمى جسده فوقها ثم دخل بها من جديد كي يكمل ما بدأ به من عمل قذر. هنا شُلّ جسدها وتوقفت عن المقاومة والصراخ وخرت قواها تماماً فسقطت يداها الى جانبيها. بقيت تنظر الى السماء المظلمة وكأنها تنتظر منه حتى يكمل ما بدأ به. بعد كل مرة يولج بها كان يصدر صوتاً قبيحاً كما لو كان يقول، (حاح حاح حاح). وكان جسدها يندفع للامام ثم يرجع للخلف مع كل دفعة. وبعد ما بدى لها وكأنه وقت طويل جداً فرغ ما بدأ به وابتسم ثم قال،

الرجل : شكراً لك يا حلوتي، الآن بامكانك ان تتمتعي باوقاتك في كركوك. رحلة سعيدة يا زانية.

انتصب ووقف فوق رأسها، رفع سرواله الذي كان قد انزله الى ركبتيه وقام بادخال قميصه داخل السروال. نظر اليها وقال،

الرجل : اتمنى لك يوماً ممتعاً. مشى باتجاه سيارته ثم تذكر شيئاً واستدار اليها ليضيف،

الرجل : إذا جائك ولد اسميه نجم.

قالها وقهقه طويلاً ثم ركب سيارته وانطلق بها حتى اختفت عن الانظار. بقيت رغدة مستلقية على ظهرها فوق الرمال تنظر الى مؤخرة سيارة الذي اغتصبها قبل قليل وهي تبتعد. لم تكن تقوى على فعل أي شيء. بقيت بهذه الحالة لوقت طويل حتى سمعت اولادها يرجعون اليها ويقولون،

بدر : لماذا انت نائمة على الارض يا امي؟ هل تعبت واردت ان تنامي؟

عسل : قومي عن التراب يا امي وارتدي ملابسك فانت عارية تماماً. بامكانك ان تنامي بداخل السيارة إن اردت. ارجوك انهظي ستتسخين من التراب، عفاك يا امي، عفاك يا امي، اراك غيرت العجلة واصبح بامكاننا مواصلة الرحلة.

نظرت رغدة حولها لترى اولادها يقفون فوق رأسها. رفعت رأسها من على الارض وصارت تتفقد كل شيء حولها. {كيف حصل معي ذلك كلمح البصر؟ لماذا لم استمر بمقاومته بكل طاقتي؟ هل انا التي شجعته لكي يعتدي عليّ؟}. هنا شعرت بيد اولادها تمسك بكتفها. حاولوا مساعدتها على النهوض فجلست وبقت تنظر حولها وكأن ما يحدث لها، لم يكن يحدث لها هي بل وقع لشخص آخر غيرها. وبينما كانت بحالة نفسية وعاطفية هشة انفجرت بالبكاء بحرقة وبصوت مرتفع. ظل الاولاد يحاولون الربتَ على أكتافها ليواسوها وبقوا يقولون،

بدر : ماذا بكِ يا امي؟ لماذا تبكين يا حبيبتي؟ ما الذي يجري؟

عسل : نعتذر يا امي؟ نحن لم نكن نريد اللعب في الحقول. نحن فقط مللنا من كثرة الجلوس والانتظار بداخل السيارة. ارجوك يا امي سامحينا.

نظرت اليهم بوجه باكي متجهم ثم مسحت دموعها وقالت،

رغدة : لا عليكم يا اولاد انا بخير.

رفعت رغدة رأسها وفتحت مصباح هاتفها ونظرت الى العجلة فوجدتها قد استبدلت بالعجلة الاحتياطية فاصابها ذلك المنظر بصدمة اخرى وتسائلت، {متى غير ذلك الوغد العجلة المثقوبة؟ هل كنت فاقدة للوعي عندما قام بتغييرها؟ هل كنت احلم بما فعل بي ففقدت وعيي؟ هل غير العجلة قبل ان يغتصبني ام بعد الاغتصاب؟}. وقفت واقتربت من العجلة كي تتأكد منها. وجهت ضوء هاتفها عليها فوجدتها حقاً قد رُكّبَتْ بشكل صحيح قالت،

رغدة : هيا ارجعوا الى السيارة يا اولاد.

دخل اولادها السيارة وجلسوا على المقعد الخلفي فادارت المحرك واستدارت بالسيارة في الاتجاه المعاكس. انتبه الاولاد لما فعلت فقالت لها ابنتها،

عسل : كركوك من الاتجاه الثاني يا امي. لماذا توجهت الى بغداد؟

بدر : اجل اختي الغبية على حق. لماذا استدرت يا امي؟

لكن رغدة لم تنبس ببنت شفة. بقيت تقود سيارتها وهي ترتعد لتعود بها الى بغداد. وفور وصولها الدار دخلت فتبعها الاولاد. صعدت للطابق العلوي ودخلت مباشرة الحمام لتأخذ دوشاً ساخناً تزيل به العار الذي لوث به شرفها ذلك الوحش المفترس، {ليتني استطيع ان اجده فاقلع عيناه من محاجرها. يجب ان افعل شيئاً فانا لن اتركه يفعل بي ما فعل دون عقاب. لكنني ضعيفة وليس عندي قوة جسدية، لقد مات من كان يحميني ويدافع عني. انا سانتقم منه سوف ترين يا رغدة}. خرجت من الحمام والماء ما زال يقطر من جسدها. دخلت غرفتها وراحت ترتدي ملابسها فتبتل الملابس. فجأة تذكرت اولادها، {يا ترى ماذا يفعلون الآن؟ يجب ان اتفقد احوالهم}. دخلت غرفتهم فوجدتهم مستلقين على اسرتهم وغارثين بنومهم دون ان يخلعوا ملابسهم. رجعت فاغلقت الباب عليهم ونزلت الى غرفة الاستقبال لتجلس هناك بملابس مبتلة تنتظر حلول الصباح. امسكت بورقة وقلم وظلت جالسة على الاريكة تفكر كيف ستنتقم ومتى ستقتص منه قالت، {ولكن اين سأجده؟ ومن الذي سيعينني على التعرف عليه؟ فانا لم اتثبت حتى من تقاطيع وجهه لان الظلام كان حالكاً. كلا ساتعرف عليه حتى لو لبس الف قناع. فصوته البشع وهو يقول، "إذا جائك ولد اسميه نجم" لازال يرن باذني}. امسكت بالقلم وكتبت (نجم). {لماذا لا تزال الساعة تشير الى الثالثة صباحاً؟ هل توقف الزمن ام تعطلت الساعة؟}.

كانت تلك الليلة اقسى ليلة مرت عليها في حياتها فقد شعرت ان شيئاً ثميناً قد سلب منها ولن تسترده مهما طال الزمان. رفعت رأسها لتنظر الى صورة زوجها المعلقة على الحائط قالت، {اين رحلت وتركتني لقمة سائغة للكلاب الضالة يا معن؟ لقد انتُهِكَ عرضي وتحطمت حياتي بعد رحيلك. هل تذكر عندما كنا نتسامر بالليل فتقول، (لن ابقى يوماً واحداً بعدكِ يا حبيبتي) فارد عليك واقول نفس الكلام. ارفع رأسك الآن يا معن وانظر لحبيبتك رغدة. لقد تحطمت حياتها. لم اكن ارغب العيش يوماً واحداً بعد رحيلك لكنني نظرت الى اولادي ولم ارضى لهم حياة المشردين فآثرت البقاء لاعتني بهم واراهم يكبرون فاحميهم من كل شر. وإذا بي انا التي وقعت بالهاوية دون ان ادري. يجب ان انتقم، علي ان انتقم لاخذ حقي حتى لو كان ذلك آخر يوم في حياتي}.

وباليوم التالي استيقظ الاولاد ودخلوا غرفة الاستقبال ليجدوا امهم لا تزال جالسة على الاريكة فقالت ابنتها،

عسل : الم تنامي البارحة نهائياً؟ هل بقيت طوال الليل جالسة يا امي؟

رغدة : اجل، لم اتمكن من النوم لانني اصبت بالارق.

بدر : هل تريدينا ان نتخلف عن المدرسة اليوم كي نبقى الى جانبك؟

رغدة : لا يا احبابي. اذهبا الى مدارسكم. بامكاني اخذ اجازة اخرى لكم بوقت لاحق كي نزور خالتكم بركوك. اما انا فلدي اعمال كثيرة ومهمة كبيرة ساقوم بانجازها ولكن هل تناولتم الافطار؟

بدر : اجل تناولنا الافطار. اختي عسل وضعت لي الـ (كورنفلكس) بالحليب لكنها صبت عليه القليل من السكر لانها بخيلة.

عسل : اعتني بنفسك يا امي.

قبلها الاولاد من وجنتيها وخرجوا من البيت بينما رجعت الى غرفة نومها غيرت ملابسها وخرجت لتركب سيارتها وتتجه بها الى احدى ورشات تصليح العجلات، سلمته العجلة المثقوبة فقام باصلاحها خلال ربع ساعة ثم وضعها لها بالصندوق الخلفي واغلق عليها. بعدها توجهت الى بيت احد الجيران القدامى لعائلتها وضغطت على جرس الباب فخرج لها رجل عرفها جيداً فور رؤيتها قال،

اوس : رغدة؟ اهذا انتِ؟ هل يعقل ذلك؟ كيف عرفت مكان بيتنا بعد كل تلك السنين؟

رغدة : اهلاً عزيزي اوس. كيف حالك وكيف حال الوالدة العزيزة؟

اوس : الم يصلك الخبر؟ الوالدة توفت قبل سنتين.

رغدة : البقاء لله عزيزي اوس. اقسم بالله انني لم اسمع برحيلها والا لكنت جئت لاعزيكم فانا اعرف كم كانت المرحومة عزيزة علينا جميعاً.

اوس : لقد ارتاحت من شدة معاناتها من المرض. فقد اصيبت بسرطان البنكرياس مما جعلها تتألم كثيراً قبل موتها.

رغدة : انا حقاً آسفة يا اوس. اسكنها الله فسيح جناته. وانت كيف حالك وامورك؟

اوس : انا بخير الآن.

وبهذه اللحظة جائت طفلة صغيرة بسن ابنها بدر وسألت،

الفتاة : من هذه السيدة يا ابي؟

اوس : هذه جارتنا القديمة السيدة رغدة.

لميس : اسمك جميل يا خالة رغدة يشبه اسم الممثلة المصرية في التلفزيون.

رغدة : اجل حبيبتي هذا صحيح.

هنا قدّمها ابوها قائلاً،

اوس : لميس هي ابنتي الوحيدة. عمرها خمس سنوات لكن لسانها أطول من قامتها.

لميس : لساني ليس طويلاً لكنكم لا تحبون من يرد على تلميحاتكم المستفزة.

رغدة : عفاكِ يا حبيبتي. حفظك الله لابوك وامك.

نظرت الى اباها بغضب وقالت،

لميس : كيف تقول يا ابي انها جارتكم القديمة وهي لا تعرف ان امي قد رحلت عنا منذ زمن طويل؟

رغدة : انا آسفة جداً حبيبتي. لم اكن اعرف ذلك فقد سكنت بمنطقة بعيدة وانقطعت عني اخبار والدك. تقبلي اعتذاري.

نظرت الى اوس وقالت،

رغدة : تعازيي الحارة يا اوس. لم اكن اعرف ان زوجتك قد توفت.

اوس : لميعة لم تتوفى. انها لا تزال حية ترزق. لكنها هجرتني وهجرت ابنتها بعمر السنتين وبقيت بحظن عشيقها كامل الاوصاف.

هنا قالت لميس.

لميس : ساقبل اعتذارك يا خالة رغدة إذا قبّلتيني. فاخبر زملائي بالروضة ان رغدة قبلتني فيصابون بالغيرة.

اوس : ارأيت يا رغدة؟ هذا ما نعاني منه طوال اليوم. لسانها البتار كالسيف.

انحنت رغدة وقبلت لميس ومنحتها قطعة حلوى من حقيبتها. ثم نظرت بعين اوس وقالت،

رغدة : اريد ان احدثك بامر مهم جداً لو سمحت.

اوس : إذاً، تفضلي بالدخول ودعينا نتحدث في الصالون.

لميس : اما انا فساعد لك القهوة يا خالة رغدة.

رغدة : كيف تستطيعين اعداد القهوة وانت بهذا السن الصغير. يبدو انك فتاة ذكية جداً.

لميس : الموضوع لا يستحق ذكاءاً يا خالتي. فلدينا جهاز كهربائي لاعداد القهوة.

هنا دخلت رغدة البيت تتبع اوس ليقتادها الى غرفة الاستقبال وجلس الى جانبها على الاريكة المجاورة وقال،

اوس : حدثيني يا رغدة ما المشكلة؟ هل وقع شيء لزوجك؟

رغدة : يبدو اننا حقاً بعيدين عن بعضنا البعض فزوجي قد توفى وترك لي اثنان. بنتاً وولد لاربيهما وحدي.

اوس : انا آسف لسماع ذلك.

رغدة : لا عليك عزيزي. فقد توفى زوجي معن قبل ثلاث سنوات.

اوس : هل تعملين الآن؟

رغدة : اجل، لدي عيادة بالمسبح واجري عمليات تجميل بين الحين والآخر.

اوس : كان ذلك حلمك منذ الصغر ان تكوني طبيبة جرّاحة. والآن اخبريني ما هي مشكلتك؟

رغدة : البارحة كنت ذاهبة برحلة قصيرة مع اولادي بسيارتي الى كركوك لزيارة اختي وعد لكنني عدلت عن الزيارة بمنتصف الطريق ورجعت الى بغداد دون ان ازورها.

اوس : لماذا عُدْتِ. هل اتصلت بك اختك وعد وقالت انها سوف لن تستقبلكِ؟

رغدة : كلا لم تتصل بي ولكن هذا هو سبب مجيئي اليك اليوم. فقد وقع لي حادث بالطريق.

اوس : يا ساتر يا ربي. هل الاولاد بخير؟

رغدة : الحادث ليس بالسيارة. الحادث هو... الحادث هو... انه اعتداء جسدي يا اوس.

اوس : اعتداء؟ ايعقل ذلك؟ الم يكن بحوزتك سلاح تدافعين به عن نفسك؟

رغدة : كلا. ولكن دعني اقص عليك كيف وقع الاعتداء وبما انك تعمل احياناً مع الشرطة فسوف تنصحني بكل شيء فانا ضعيفة وحدي يا اوس.

اوس : لا تقلقي يا رغدة. فقط إهدأي وها هي لميس قد رجعت بالقهوة. اشربي قهوتك واسترخي ثم قصي علي ما حدث بالتفصيل.

لميس : اجل يا خالة رغدة قصي علينا المشكلة ونحن سنساعدك. فابي دكتور نفسي شاطر وسوف يحلل شخصيتك بسرعة.

اوس : لا يا لميس. اذهبي انتِ الى غرفتك بالطابق العلوي والعبي بلعبتك الجديدة التي اسميتيها (فضيلة).

لميس : حسناً. ارجو ان تزورينا ثانية يا خالة رغدة فانا احببتك كثيراً.

رغدة : وانا كذلك حبيبتي. سازوركم ثانية وثالثة ورابعة بالتأكيد حبيبتي لمّوسة.

نظرت لميس الى رغدة بغضب وقالت،

لميس : لا احد يسميني لمّوسة، لانه يشبه تسمية جاموسة وانا لا احبه. المقربين مني فقط يسموني لمسة. انه اكثر رومانسية.

رغدة : عذراً منك يا آنسة لمسة الرقيقة.

لميس : سؤال أخير يا خالة رغدة، الم تقولي ان لديك ولد بسني؟

رغدة : اجل لدي بدر لكنه ولد شقي جداً.

لميس : عرفيه علي يا خالة وانا ساعرف كيف اروضه.

ضحكت رغدة على تلك الكلمة ثم اضافت،

رغدة : إذا استطعت ترويضه فانت افضل من امه. وحتى اخته الكبرى لا تقوى على السيطرة عليه.

لميس : نحن الجيل الجديد لدينا اساليبنا الخاصة. انت فقط عرفيني عليه وسوف اجعل منه ولداً مطيعاً.

رغدة : حسناً حبيبتي ساجلب اولادي اليكم يوماً وستأتين انت لزيارتنا كثيراً.

لميس : هذا يروق لي لانني لا املك اخوان ولا خوات. دعيني اخرج الآن لان ابي صار ينظر الي بطريقة اصبحت تنذر بالخطر.

خرجت لميس واغلقت الباب خلفها فالتفت اوس الى ضيفته وقال،

اوس : هيا رغدة انا استمع اليك. تشجعي وقصي علي ملابسات الحادث.

ترددت رغدة خجلاً لكنها علمت ان ليس هناك بد من اخباره بما وقع لها فاخبرته بتفاصيل الاعتداء الذي قام به ذلك الوحش الآدمي وكيف اغتصبها ورحل وكأن شيئاً لم يكن. وعندما فرغت من سرد كل التفاصيل سألها،

اوس : هل شاهد اطفالك وجه المعتدي؟

رغدة : كلا، كانت الدنيا عتمة فلم ارى وجهه والاولاد بدر وعسل كانا يلعبان بعيداً في الحقول ولم يروا او يسمعوا شيئاً مما جرى.

اوس : ماذا عن اسمه؟

رغدة : كلا. لم يخبرني باسمه قط.

اوس : هل كان يرتدي قناعاً؟

رغدة : كلا، بالرغم من عتمة الليل لكنني تأكدت من انه لم يضع قناعاً على وجهه.

اوس : هل تمكنت من معرفة رقم سيارته.

رغدة : نظرت الى لوحة السيارة عندما غادر المكان وانا ملقاة على الارض لكنني لم احفظ رقمها.

اوس : ولكن كيف ستتعرفين عليه إذاً؟

رغدة : من صوته ورائحته. فلديه رائحة نتنة مميزة تشبه رائحة الخنازير. انها خليط بين العرق والكحول. كانت تقتحم انفي اثناء مواقعتي. فتلك الرائحة لن انساها مدى ما حييت، كانت تدفعني للتقيؤ.

اوس : بما انك لا تتذكرين رقم السيارة ولا وجه الرجل ولا حتى اسمه فكيف سنصل اليه إذاً؟

رغدة : هل تقصد انك لا تريد مساعدتي؟

اوس : لا ابداً ليس هذا ما قصدت، لكنني اقول بان الامر سيكون في غاية الصعوبة.

رغدة : إذاً سارحل الآن. شكراً لك على استضافتي. ابلغ سلامي لابنتك.

وقفت رغدة كي تغادر لكن اوس وقف امامها وامسك بيدها وقال،

اوس : انتظري يا رغدة. ارجوك اجلسي، انا لم اقل انني سوف لن اساعدك. انا فقط اخبرتك بان العثور عليه سيكون صعباً. لكنني لم ايأس بعد. ارجوك اجلسي ودعيني اطرح عليك المزيد من الأسئلة.

جلست رغدة وترشفت من فنجانها ثم قالت،

رغدة : ماذا تريد ان تعرف؟

اوس : عندما كنتِ مستلقية على الارض تنظرين الى رقم السيارة وهي تغادر المكان، بأي اتجاه ذهبت؟ اقصد هل ذهبت الى كركوك ام الى بغداد؟

رغدة : انها اتجهت الى بغداد.

اوس : الا تستطيعين تذكر ولو حرف واحد او رقم واحد من لوحة السيارة؟

رغدة : ابداً. الآن تبدو لي وكأنها لوحة ضبابية بيضاء خالية من الارقام.

اوس : لكنك بحلقت بها. اليس كذلك؟

رغدة : اجل، اذكر ان اللوحة كان ينيرها مصباح براق فوقها.

اوس : إذاً ربما ستتمكن الدكتورة مها من معرفة رقم السيارة.

رغدة : وكيف ستعرف رقم السيارة؟ هل هي شرطية تعمل بالمرور؟

اوس : كلا. مها هي زميلتي، انها طبيبة نفسية وقادرة على تنويمك مغناطيسياً والبحث باعماق ذاكرتك لعلها تسترجع رقم السيارة من هناك.

رغدة : واين تكمن تلك الطبيبة؟

اوس : إذا وافقت فسوف اتصل بها الآن فوراً واشرح لها القصة كاملة.

رغدة : لكنك انت طبيب نفسي فلماذا لا تقوم بتلك المهمة؟

اوس : عادة المقربين لكِ لا يستطيعون تنويمك مثل الغرباء. بالاضافة الى انني تخصصت بعلم النفس الجنائي وليس العلاجي.

رغدة : إذاً انا موافقة. هيا اتصل بها ولا تبالي بالاجور.

اخرج اوس هاتفه من جيبه واتصل بزميلته الدكتور مها وبقي يشرح لها ملابسات الاعتداء بدقة متناهية. ولما فرغ من مهاتفتها اغلق الخط وقال،

اوس : لقد حددت لك موعداً ليوم الغد مع الساعة العاشرة صباحاً. خذي عنوانها ورقم هاتفها كي تذهبِ لعيادتها. انها تقع في الباب الشرقي بالقرب من ساحة التحرير.

رغدة : شكراً لك عزيزي اوس. لقد ساعدتني كثيراً. لا اعرف ماذا كان سيحل بي لولا وقوفك الى جانبي.

اوس : كيف تقولين ذلك يا رغدة؟ انسيتِ ما كان بيننا عندما كنا بسن المراهقة؟ اتذكرين كيف بعثتُ لك امي كي تخطبك لكن والدتك رفضتني وقالت وقتها انني ما زلت طالباً وليس لي عمل او وظيفة؟

رغدة : اجل هذا اصبح شيئاً من الماضي يا اوس. اما انا فدارت بي عجلة الزمن وتزوجت من معن وخلفت له ولد وبنت وترملت بعدها. اما انت فانجبت طفلة كالزهرة الجميلة ثم هجرتك زوجتك. وكل واحد منا رحل الى سبيل مختلف.

اوس : انا لم انساك ابداً يا رغدة. كنت دائماً افكر فيك وارمي اللوم على امك في عدم قبولي. والا، لكنا الآن زوج وزوجة ولكان اولادك هم اولادي.

رغدة : لا يستطيع احد ان يغير عجلة الزمن يا اوس. كل منا مشى بطريقه وصرنا نسلك مسلكاً مختلفاً.

اوس : رغدة انا لا ازال احبك ولا تزال مشاعري قوية تجاهك.

رغدة : هل قلت مشاعر؟ انتَ الذي تقول ذلك بعد ان قصيت عليك ما وقع لي من اعتداء؟ ايعقل ذلك؟

اوس : اجل رغدة انا لا ازال احبك واريدك بكل جوارحي. وما حدث لك لا يهمني البتة.

رغدة : إذا كنت ستتحدث بهذا الموضوع فدعني انهي كل شيء الآن واجد شخص آخر يقف الى جانبي.

اوس : انتظري رغدة ارجوكِ. اعدك بانني لن اثير هذا الموضوع ثانيةً. دعينا نتعاون سوية لنمسك بذلك الوحش لنزجه بالسجن.

رغدة : حسناً ولكن ارجوك لا تثير ذلك الموضوع مجدداً لا امام اولادي ولا امام ابنتك لميس.

اوس : سيبقى هذا سر جميل بيننا. ولن اخبر احداً به ابداً. اعدك بذلك.

رغدة : إذاً دعني استأذن منك الآن يا اوس.

وقف الاثنان معاً فاصبح وجهيهما متقابلان فابتسم وقال،

اوس : انتبهي الى نفسك يا رغدة.

رغدة : ابلغ سلامي للمسة الجميلة.

هنا سمعا صوت لميس من خارج غرفة الاستقبال تقول،

لميس : هل تودين المغادرة دون ان تقبليني يا خالة رغدة؟

رغدة : قلت ربما تكونين مشغولة بدروسك حبيبتي.

لميس : الم تسمعي ابي يدفعني ليتخلص مني عندما قال، " اذهبي والعبي مع فضيلة؟"

رغدة : وهل لعبت مع فضيلة؟

لميس : كلا، لانني وجدتها نائمة. لذلك عدت لاستمع الى حديثكم الشيق من وراء الباب.

اوس : آخ منك يا شيطانة.

انحنت رغدة وقبلت لميس وقالت لها،

رغدة : انت لمسة مربى وعسل يا حلوة.

خرجت رغدة من البيت وخرج اوس وابنته ليودعانها. ركبت سيارتها وبقيا يلوحان لها وترمي لها لميس بالقبل الهوائية حتى تلاشت عن الانظار.

نظرت لميس لابوها وقالت،

لميس : يبدو عليك انك روميو فاشل، لماذا لم تقم بتقبيلها فالقبلة كانت ستفتح عليك باب الحب.

اوس : اغلقي فمك ولا تتدخلي بامور الكبار.

باليوم التالي ذهبت رغدة الى عنوان الطبيبة النفسية في الباب الشرقي وانتظرت خارج عيادة الدكتورة مها حتى نادتها بعد فوات موعدها بربع ساعة فدخلت لتجدها سيدة بغاية الجمال والاناقة. دعتها للجلوس على كرسي خشبي امام منضدتها وقالت،

مها : تفضلي اجلسي يا دكتورة رغدة.

جلست رغدة على الكرسي ونظرت اليها ثم قالت،

رغدة : اعتقد ان اوس اخبرك عن الاعتداء الذي تعرضت له قبل يومين.

مها : اجل، لكنني اريد سماع كل شيء منك فانا كلي آذان صاغية.

رغدة : حسناً، انا طبيبة وجراحة تجميل. لدي عيادة في الصالحية. قبل يومين فقط قررت ان أخذ اولادي بدر وعسل واذهب بهما بسيارتي الى منزل خالتهم في كركوك لقضاء يومين هناك...

راحت رغدة تسرد على الدكتورة مها تفاصيل حادثة الاعتداء الجسدي الذي تعرضت له بادق تفاصيله وعندما فرغت من السرد نظرت اليها وقالت،

رغدة : وهذا كل ما حصل.

د.مها : إذاً من الواضح انك بحاجة لتتذكرين شكل المعتدي واوصافه ورقم سيارته كي يتمكن الدكتور اوس من تتبعه حتى ينال عقابه.

رغدة : اجل.

د.مها : تفضلي على الاريكة هناك واستلقي عليها لو سمحتِ.

تركت رغدة الكرسي واستلقت على الاريكة رافعة قدميها فوق الاريكة وأسدلت رأسها للوراء. فسمعت الدكتورة تقول،

د.مها : اريدك ان تسترخي. لا تفكري بشيء الآن. فقط استرخي تماماً. ساطفئ الانوار التي في السقف وسوف ننعم بنور طبيعي يأتينا من الشباك. اريدك ان تطردي جميع الافكار من رأسك. لا اريدك ان تتكلمي ابداً. فقط استمعي لصوتي. ارخي جميع عضلاتك وادخلي بهدوء نفسي وروحي تام. اريدك ان تراقبي هذا البندول الآن يا رغدة.

بدأت رغدة تدخل بنوم مريح هادئ لبضع ثوانٍ حتى غابت عن الوعي تماماً. وبعد قليل بدى لها وكانها نامت لعشر ساعات طويلة، فتحت عيناها فرأت د.مها تنظر اليها وتسأل،

د.مها : كيف تشعرين الآن يا دكتورة؟

رغدة : اشعر وكأنني نمت 10 ساعات.

د.مها : انت نمت نصف ساعة فقط لكنك تحدثت بتفاصيل الاعتداء ووصفتيه بشكل دقيق جداً.

رغدة : هل تمكنت من استخلاص اي ادلة تفيدنا؟

د.مها : اجل. علمت منك ان لوحة السيارة تبدأ بحرف الباء والرقم الذي يليها هو 92. لم تتمكني من رؤية وجهه تماماً لكنك تستطيعين التعرف عليه من خلال صوته ورائحة جسده بطريقة لا تقبل الشك ابداً.

رغدة : هل أُخبر اوس بذلك؟

د.مها : لا داعي لذلك، ساقوم انا بالتحدث الى الدكتور اوس واخبره بكل ما يحتاجه من معلومات.

رغدة : هل استطيع المغادرة الآن إذاً؟

د.مها : اجل عزيزتي.

رغدة : كم تأمريني يا دكتورة مها؟

د.مها : لا شيء. سوف اتقاضى اجري عندما ينال المعتدي عقابه.

شكرتها رغدة وخرجت من العيادة وهي تشعر بالنعاس القاتل لانها لم تنم بالليلة السابقة وتريد ان تأخذ كفايتها من النوم. رجعت الى بيتها وتوجهت الى غرفة نومها على الفور لتنام نوماً عميقاً. وبعد بضع ساعات سمعت صوت ابنتها عسل وهي تقول،

عسل : هل انت نائمة يا امي؟

رغد : اجل حبيبتي. لم اتمكن من النوم ليلة البارحة لانني كنت متوترة بسبب سياقة السيارة الطويل فقمت بتعويضه اليوم. كم الساعة الآن؟

عسل : انها الخامسة مساءاً.

رغد : وماذا عن اخوك؟ اين هو؟

عسل : انه يلعب بغرفته.

رغد : هل تناولتم طعامكم؟

عسل : اجل اكلنا وجبة الغداء بالمدرسة. وماذا عنك؟ هل ستظلين بالفراش طوال اليوم؟

رغد : لا حبيبتي ساخذ حماماً سريعاً وساتي الى غرفة الاستقبال.

نزلت عسل الى الطابق السفلي فانضمت اليها امها بعد ان اخذت حماماً بارداً. وقبل ان تجلس على الاريكة وردتها مكالمة من الدكتور اوس فوضعت هاتفها على اذنها وقالت،

رغدة : اهلاً اوس كيف حالك؟

اوس : انا بخير. لقد اتصلت بي الدكتورة مها واخبرتني عن الجلسة.

رغدة : هل افادتنا بشيء؟

اوس : طبعاً هناك ادلة قوية وصلتنا منها وسوف نتابعها ولكن يجب ان اراك غداً. هل تستطيعين اخذ اجازة من عملك؟

رغدة : ليس هناك داعي لاخذ اجازة. فانا اغلقت عيادتي حتى نهاية هذا الشهر لذلك ساتي الى عيادتك غداً. لكنني لا املك العنوان.

اوس : هل تعرفين مول القاهرة بالقرب من الجامعة المستنصرية؟

رغدة : اجل اعرفه.

اوس : مكتبي رقم 34 في الطابق الاول بداخل المول.

رغدة : حسناً ساكون عندك مع الساعة العاشرة.

اوس : وانا ساكون بانتظارك.

باليوم التالي استعدت رغدة وارتدت فستاناً ابيض ثم خرجت لتقابل اوس. بحثت عن مول القاهرة حتى عثرت عليه فقادت السيارة اليه واوقفتها بموقف المول الخاص ثم صعدت للطابق الاول لتعثر على عيادة الدكتور اوس فدخلت. وهناك رأت سكرتيرة شابة جميلة جالسة خلف منضدة سألتها،

رغدة : هل الدكتور اوس موجود؟

السكرتيرة : اجل، لديه مريض بعيادته. بامكانك الانتظار يا دكتورة رغدة.

رغدة : شكراً لكِ ولكن كيف عرفتِ اسمي؟

السكرتيرة : انتِ ثاني سيدة مقيدة اليوم بالجدول. باقي المراجعين كلهم رجال.

جلست رغدة تنتظر دورها حتى سمعت باب المكتب ينفتح وتخرج منه سيدة طويلة وجميلة. تفحصتها رغدة من الاعلى الى الاسفل ثم نظرت بوجه السكرتيرة فسمعتها تقول،

السكرتيرة : تفضلي يا دكتورة رغدة، جاء دورك.

تركت الكرسي ودخلت فوجدتها غرفة كبير تحتوي على الكثير من الكؤوس والميداليات الذهبية والفضية فابهرها ذلك قالت،

رغدة : صباح الخير اوس. مكتبك جميل.

اوس : شكراً لكِ.

رغدة : ما هذه الميداليات؟ هل انت بطل بالسباحة؟

اوس : كلا بل بالرماية. لقد فزت بجوائز كثيرة في الماضي.

رغدة : امر مثير للاعجاب. والآن قل لي، ماذا قالت الدكتورة مها؟

اوس : اجل اعطتني تقريراً مفصلاً للجلسة التي اجرتها معك. والآن لدينا معلومات كثيرة عن المعتدي ولكن...

رغدة : ولكن ماذا؟

اوس : ولكنها ليست كافية كي نتعرف على شخصيتة فنقوم بتقديم شكوى لدى نائب الادعاء العام.

رغدة : ولكن لماذا لا نقدم شكوى لدى الشرطة؟

اوس : عزيزتي الشرطة والادعاء العام واحد. انهما يعملان للجهة نفسها. لا تنسي ان لديّ احد نواب الادعاء العام سيقف الى جانبنا لانه صديقي المقرب. انه السيد عزيز العاني.

رغدة : هذا امر جيد. ولكن ما هي خطوتنا التالية؟

اوس : ساقوم بزيارته وابدأ بالتواصل معه كي نبني قضيتنا ضد المجرم. الادلة التي بيدنا ليست كافية. وحتى لو افترضنا اننا عرفنا شخصية المجرم، فاننا لا نستطيع توجيه اي تهمه اليه لان في نهاية الامر سيكون روايتك مقابل روايته، الا إذا كان هناك شهود او ادلة. وانت اخبرتيني ان اولادك لم يروا او يسمعوا شيئاً لانهم كانوا يلعبون بعيداً في الحقل.

رغدة : هذا صحيح.

اوس : لذلك يجب علينا ان نبحث عن ادلة بدأنا نتحصل عليها واولها رقم السيارة التي حصلت عليه الدكتورة مها من جلسة التنويم المغناطيسي.

رغدة : حسناً وماذا بعد؟

اوس : الخطوة التالية ستكون تحركاً مني الى احد ضباط شرطة المرور من خلال السيد النائب عزيز العاني.

رغدة : يبدو انك ضميت جميع السلطة التنفيذية والقضائية بجيبك.

قالتها بشكل مزاح فضحك اوس وقال،

اوس : لدي باع طويل بميداني لذلك تكونت لدي علاقات وثيقة مع الكثير ممن له صلة بعملي. والآن انا اطلب منك ان تتركي الامر بيدي كي اقوم باتصالاتي لمحاولة العثور على ذلك الوحش الآدمي.

رغدة : وانا اثق بك 100% لكنني اريد ان اكون بالصورة.

اوس : هذا شيء لا يختلف عليه اثنان.

رغدة : إذاً ساترك قضيتي بايدي امينة واتركك تعود لعملك.

اوس : وماذا عن اجوري؟

انصدمت رغدة بسماعها تلك الكلمة لكنها تمالك نفسها وقالت،

رغدة : اي شيء تأمر به ساكون جاهزة لتسديده. كم هو المبلغ؟

اوس : انا لا اريد منك المال. اريدك ان تقبلي دعوتي على العشاء الليلة. هناك مطعم تركي بهذا المول يعمل اطعمة رهيبة، ما رأيك؟

رغدة : ارجوك اجّل هذا الموضوع بالوقت الراهن فأنا مازلت اتخبط بتداعيات الاعتداء على حالتي النفسية ويجب ان تمنحني بعض الوقت كي استرد استقراري النفسي حتى استطيع الاستمتاع بعشاء جميل معك.

اوس : انا لا اريد ان اسبب ضغوطاً عليكِ اكثر مما انتِ عليه. لذلك ساترك لك اختيار الزمان وقتما تعافيت من الحادث.

نظرت رغدة بوجه اوس وبدى لها وكأنه يرجو رضاها فسألته،

رغدة : بما انني سلمت امري اليك. فما هي الخطوة التالية؟

اوس : الخطوة التالية هي تقديم البلاغ. دعينا نذهب الآن الى مركز الشرطة القريب من منزلك كي نقدم البلاغ ضد مجهول.

رغدة : هيا بنا عزيزي.

اوس : اتركي سيارتك بالموقف وتعالي معي لاننا سنرجع الى هنا فيما بعد.

رغدة : كلا، ساتبعك بسيارتي لانني اريد شراء بعض اللوازم المدرسية التي طلبتها مني ابنتي عسل.

اوس : بمناسبة ابنتك. اسمها جميل لكن بصراحة لم اسمع بمثل هذا الاسم من قبل. كيف اسميتيها عسل؟

رغدة : سبب تسميتها عسل هو انني حملت مباشرة بعد عودتنا من شهر العسل ببيروت لذلك قررنا ان نسميها بهذا الاسم.

اوس : حفظها الله لك عزيزتي.

خرجت السيارتان من الموقف واتجهتا الى مركز الشرطة حيث التقى اوس بضابط مسؤول هناك وشرح له ملابسات القضية ثم كتب المحضر ووقعت عليه رغدة ثم خرجا من المركز ليذهب كل واحد منهما في اتجاه مختلف.

بعد مرور اسبوع اتصل اوس برغدة وقال لها،

اوس : صباح الخير رغدة، كيف حالك؟

رغدة : الحمد لله، انا احاول لملمة نفسي حفاظاً على اولادي.

اوس : إذاً لدي خبران سوف يفرحانك كثيراً. الاول هو انني تحدثت مع السيد نائب الادعاء العام الاستاذ عزيز العاني عن الحادثة فابدى اهتماماً كبيراً بالقضية بالرغم من انه وضح لي بان تثبيت الاتهام بمثل هذه القضايا صعب جداً لأن كل من الطرفين سينظر للحادث من وجهة نظره. لذلك يصعب تثبيت التهمة على شخص معين إلا إذا كان هناك شهود وادلة دامغة مثل فحص الاغتصاب الطبي وعينات الحمض النووي. وبما انكِ قمت بالاستحمام بعد الحادث مباشرة فذلك موضوع قد انتهت صلاحيته.

رغدة : وما هو الخبر الثاني؟

اوس : اتصلت باحد ضباط شرطة المرور وطلبت منه التحقيق برقم لوحة السيارة الذي استخلصته منك الدكتورة مها.

رغدة : لكن الدكتورة لم تتمكن من اعطائك رقم اللوحة كاملاً.

اوس : اعلم ذلك. انت قلتِ للدكتورة مها اثناء جلسة التنويم بان لوحة السيارة تبدأ بحرف الباء والرقم يبدأ بـ 92. وبناءاً على ذلك فانه سيستعين بخبراء الحاسوب وسوف يحاولون حصر كل لوحات السيارات بهذه الحرف والرقم الاول وسوف يخبرني بالنتيجة وقت الحصول عليها.

رغدة : اتمنى ان يصلوا لذلك الوغد السافل كي اشرب من دمه.

اوس : سوف لن يكون هناك مجال لسفك الدماء يا رغدة. انتِ لجأت إلي كي نتابع المجرم بالقانون وعندما نمسك به سوف نعاقبه بالقانون. لو كنا نريد قتله لقمنا بالبحث عن عصابات مأجورة فيقوموا باللازم. ويا مكثر العصابات ببلدنا هذه الايام.

رغدة : سامحني يا اوس، فانا اشعر بغضب كبير نحوه.

اوس : هذا امر طبيعي. ولكن طالما انا بجانبك عزيزتي فسوف نقتص منه تأكدي من ذلك والكن بالبداية يجب ان نصل اليه اولاً ونتعرف على شخصيته. فانت تعلمين ان نسمة بغداد هي حوالي 8 مليون وليس من السهل العثور عليه. ولكن يجب ان نكون متفائلين.

رغدة : لديك الحق.

>>بعد دمرور بضع اسابيع <<

جاء اتصال هاتفي لرغدة من الدكتور اوس قال فيها ان هناك تطور جديد في القضية وطلب منها ان تلتقيه فاتفقا على ان يتقابلا بمقهى جميل بشارع الربيعي في منطقة زيونة. دخل اوس ونظر حول المقهى فرأى رغدة جالسة على احدى الطاولات تنتظره فذهب اليها وسأل،

اوس : هل تأخرت عليكِ؟

رغدة : لا عليك اوسي. اقصد استاذ اوس.

اوس : يا سلام. ارجعتيني الى عقود للوراء عندما كنتِ تناديني (اوسي). يبدو انكِ لا تزالين تكنين لي بعض الحب كما في السابق.

رغدة : حب؟ هل قلت حب؟ اي حب هذا يا رجل. انا بضاعة تالفة يا اوس. ارملة باولاد واصبحت الآن مغتصبة يعني انتهت صلاحيتي تماماً. وتأتي الآن وتقول حب؟

اوس : ما اكنه لك بداخلي لا يمحوه الزمن او الاولاد او اي اعتداء سافر. انا لا ازال احبك حتى آخر يوم بحياتي.

رغدة : اوس، هل جئت بي الى هنا لتغازلني ام انك اردت ان تخبرني عن تطورات جديدة في القضية؟

اوس : الاثنان معاً. فلنبدأ اولاً...

قاطعت حديثهم نادلة شابة جميلة لا يزيد عمرها عن 20 سنة قالت،

النادلة : طلباتكم تفضلوا.

رغدة : انا اريد ناسكافيه بالحليب لو سمحتِ.

اوس : وانا اريد قهوة كابوتشينو.

ذهبت النادلة فسأل اوس،

اوس : اين كنا بالحديث؟

رغدة : كنت ستخبرني عن تطورات جديدة في القضية وقلت اولاً.

اوس : اجل اولاً، عثرت شرطة المرور على 62 رقم لوحة سيارة تحمل نفس الارقام التي اخبرتيني عنها اي تبدأ بحرف الباء والرقم يبدأ بـ 92. والقائمة كالتالي،

1 من تلك الارقام كانت سيارة مسروقة وعادت لصاحبها.

32 سيارة كانت من السيارات التجارية.

15 سيارة تابعة لشركات صيرفة.

13 سيارة لمواطنين اسقطوا سياراتهم لقدمها لكن المرور لم يقوموا باسقاطها من سجلاتهم في الحاسوب.

رغدة : انت قلت ان عدد الارقام هي 62 رقماً. ومجموع القائمة التي سردتها للتو هي 61. لا زال هناك رقم واحد.

اوس : اجل تخيلي، انه للسيد النائب.

رغدة : نائب رئيس الوزراء؟

صار اوس يضحك بصوت مرتفع ثم اضاف،

اوس : لا عزيزتي انه نائب الادعاء العام الاستاذ عزيز العاني. لذلك الغيته من القائمة.

رغدة : ولماذا تلغيه من القائمة. هل هو معصوم من الجريمة؟

اوس : لا ليس هناك شخص معصوم من الجريمة ابداً لكن السيد النائب كان مدعواً بنقابة المحامين لحضور المؤتمر السنوي يوم وقوع الحادث.

رغدة : حسناً وماذا عن الباقين؟

اوس : ساقوم بالتعاون مع احد المحققين بالشرطة كي نتتبع كل واحد من اصحاب تلك السيارات حتى نصل الى الجاني.

رغدة : اتمنى ذلك.

اوس : ثقي رغدة انني لن يهدأ لي بال حتى اضع المجرم خلف القضبان.

رغدة : يا رب.

اوس : والآن اخبريني. هل بدأت حالتك النفسية تتحسن؟

رغدة : سوف لن تهدأ حالتي ولن يهدأ لي بال حتى اقتص من المجرم. اوس اريد مقابلة صديقك السيد النائب.

اوس : من، نائب رئيس الوزراء؟

رغدة : هاهاها، كم دمك خفيف. انا اقصد نائب الادعاء العام السيد عزيز العاني.

اوس : ولماذا اصرارك هذا؟ قلت لك ان عزيز العاني كان معزوماً بنقابة المحامين لحضور مؤتمر يوم وقوع الحادث وهناك اكثر من 180 محامياً يشهدون على ذلك.

رغدة : ومع ذلك اريد ان اقابله.

اوس : حسناً. انا لا اريد ان ارفض لك طلب. ساتصل به وانسق معه كي تقابليه. انا متأكد من انك تريدين سماع صوته وتقتربين منه كي تشمي رائحته لتتأكدي.

رغدة : لقد بدأت تفهمني.

بعد مرور ثلاثة ايام اتصل اوس بعيادة رغدة لكن مساعدتها الممرضة المسنة جورية اخبرته ان الدكتورة ذهبت للمستشفى لتجري عملية تجميل لسيدة انفجرت عليها انبوبة الغاز وتشوه وجهها. اخبرته كذلك ان افضل وقت هو الاتصال ببيتها بالمساء. وفي المساء اتصل اوس بهاتف رغدة المحمول فردت عليه وقالت،

رغدة : اهلاً اوس، كيف حالك؟

اوس : انا بخير. لقد اخذت لك موعد مع عزيز العاني.

رغدة : من هو عزيز العاني؟

اوس : انه نائب الادعاء العام الذي حدثتك عنه.

رغدة : اجل، اجل، متى؟

اوس : غداً صباحاً بمكتبه. خذي عندك العنوان.

سجلت العنوان منه وسألت،

رغدة : هل ستكون انت معنا؟

اوس : اجل بالتأكيد ساكون معكم. سالقاك خارج مكتبه وسندخل اليه سوية.

رغدة : حسناً عزيزي. اراك غداً.

اوس : الم تشتاقي إليّ؟

لكنه سمع الخط قد انغلق فتأفف وقال، {كم هي صعبة المراس}.

باليوم التالي ارتدت رغدة بدلة نسائية رسمية زرقاء والتقت باوس خارج مكتب النائب فدخلا المبنى سوية ليطرق اوس الباب ويسمع الاذن بالدخول. وقف النائب عزيز العاني ورحب بهما وصافح أيديهما. نظرت رغدة اليه وتفحصته جيداً واول شيء صدمها هو قصر قامته. تذكرت بداخلها ان المجرم كان اطول منها عندما صفعها وصار يلكمها بقبضته فتغير لون وجهها واسترخت قليلاً لتسمع النائب يقول،

النائب عزيز : اهلاً وسهلاً تفضلا بالجلوس. زارتنا البركة.

دخلت رغدة وجلست على اريكة وثيرة ليجلس اوس الى جانبها ثم جلس النائب امامهما على اريكة ثانية قال،

النائب عزيز : اخبرني الدكتور اوس عن حادث الاعتداء الاليم الذي وقع لك سيدتي على الطريق الخارجي وهذا امر مؤسف حقاً. انا سعيد لانك حررت شكوى بمركز الشرطة كي تصبح الامور قانونية.

رغدة : اجل ذلك الوغد حطم حياتي كلها لذلك اريد من سيادتك ان تساعدني كي اقتص منه.

النائب عزيز : يجب ان نعثر عليه اولاً. فحسب معلوماتي ان مكان الحادث كان خالياً من الشهود وان اولادك لم يشاهدوا اي شيء لانهم كانوا يلهون بعيداً عنك.

رغدة : هذا صحيح.

اوس : سيادة النائب، اردنا ان نطلب منك طلب...

قاطعه رنين هاتف النائب فاستأذن من اوس ورفع السماعة وتحدث بالهاتف قائلاً، "اجل يا محمد لماذا لم تعثر لي على سائق جديد؟"... "متى، اليوم؟"... حسناً دعه يأتيني هذا المساء الى بيتي فانا بامس الحاجة لسائق"... بعد قليل سمعوه يقول، "اريد ان تخبره كي يأتي الآن ويسلم مفاتيح السيارة والا ادخلته السجن"... "طيب، طيب، شكراً لك يا محمد". ارجع السماعة واغلق الخط.

اوس : ارجو ان يكون الامر خيراً سيادة النائب!

النائب عزيز : لقد قمت بطرد سائقي الشخصي لانه تأخر علي يوم مشاركتي بالمؤتمر في نقابة المحامين مما اضطرني للذهاب والعودة الى بيتي بسيارة اجرة. لم يأتي الى عندي الا باليوم التالي وقال انه اضطر للبقاء بكركوك بسبب مرض اخوه فنقله للمستشفى.

هنا بدأ دماغ رغدة يعمل مئة الف معلومة بالثانية الواحدة وبدأت تحلل ما قاله النائب إذ فكرت، {ربما كان سائقه هو الذي قام بالاعتداء عليّ. فقد كان عائداً من كركوك بنفس اليوم وربما تخلف بالمساء عن الذهاب لاحضار سيده النائب بسبب عملية الاغتصاب. يجب ان اتأكد من ذلك}. سألته،

رغدة : لماذا قطعت رزق المسكين يا سيد عزيز؟ ربما كان حقاً يزور اخاه بالمستشفى.

النائب عزيز : لا، انا اعرف ذلك الوغد جيداً. فهو انسان فاسق سافل ينغمس بالقمار والنساء وشرب الكحول وينسى نفسه اغلب الاحيان.

رغدة : انت ادرى بعملك سيد عزيز، لكننا يجب ان نغادر الآن.

النائب عزيز : اتغادرون بهذه السرعة؟ فانا لم اقم بضيافتكم بعد. لماذا كل هذه العجلة يا دكتورة؟

رغدة : لدي اشغال كثيرة بالعيادة. اسعدت حقاً بلقائك سيد عزيز.

خرجت رغد واوس من مكتب النائب وتوجها الى خارج المبنى فسألها اوس،

اوس : لماذا استعجلتِ بالخروج؟ الم تودي سؤال عزيز بعض الاسئلة لها علاقة بالجريمة؟

رغدة : تذكرت امراً مهماً في العيادة.

اوس : حسناً لكنني اردت ان اعرفك على النائب عزيز بشكل جيد لكي نكسبه الى صفنا في البحث عن الجاني.

رغدة : ربما بفرصة ثانية. فانا مستعجلة جداً.

اوس : هل اذهب معك الى عيادتك؟

رغدة : كلا، ساذهب للبيت اولاً لانني نسيت امراً مهماً ثم ساعود لعيادتي فيما بعد.

اوس : إذاً انتِ تأكدت من ان النائب العام ليس هو من اغتصبك اليس كذلك؟

اوس : اجل اجل تأكدت. والآن علي ان ارحل عزيزتي اعتني بنفسك، وداعاً.

ركبت رغدة سيارتها وعادت الى بيتها لتقود سيارتها بسرعة جنونية في شوارع بغداد المزدحمة. دخلت بيتها وخلعت البدلة الرسمية التي كانت ترتديها ثم ارتدت قميصاً صيفياً رصاصي اللون وبنطالاً ازرقاً ثم رجعت الى سيارتها لتقتادها الى مكتب النائب العام مرة ثانية. اوقفت سيارتها بعيداً عن مدخل البناية لتبدأ بمراقبة الباب الخارجي من خلال المرآة الجانبية.

ظلت جالسة بداخل سيارتها خارج مكتب نائب المدعي العام لساعات طوال تراقب المكان من بعيد حتى رأت شاباً متوسط الطول يدخل البناية لم تتمكن من التثبت من تقاطيع وجهه بسبب بعد المسافة لكنه كان مستعجلاً في الدخول الى المكتب. بقيت تنتظر وتراقب حتى خرج النائب عزيز مع هذا الشاب بعد نصف ساعة وهو يصرخ بوجهه يؤنبه ويوجه له كلمات نابية يندى لها الجبين. دس الشاب يده في جيب بنطاله واخرج شيئاً كان واضحاً على انه مفتاح سيارة وقام برميها بوجه النائب ثم سقط المفتاح على الارض. استدار الشاب وترك المكان ليسير باتجاه سيارة رغدة. حاولت رغدة ادارة رأسها بعيداً كي لا يتعرف عليها ذلك الشاب. وعندما اصبح بمحاذاتها تماماً التفتت نحوه وتفحصته جيداً فرأت الندبة التي سببتها له على جبينه فتطابق في ذهنها ذلك المنظر البشع يوم ضربته بمفتاح العجلات بيدها اليمنى ثم سقطت على الارض واغتصبها ببشاعة كبيرة. نظرت الى كفه الايمن فشاهدت الوشم فصار لديها يقين لا يقبل الشك بانه هو المغتصب.

الآن تأكدت تماماً ان الذي يسير امامها على الرصيف هو نفس الشخص الذي اغتصبها وسلب منها شرفها ليحطم حياتها الى الابد. لن تسمح لمثل هذه الفرصة ان تذهب جزافاً لذلك انتظرته يبتعد عنها قليلاً ثم فتحت باب سيارتها ونزلت منها وصارت تتبعه سيراً على الاقدام بتأني كبير. ظل الشاب يمشي على الرصيف حتى رأته يركب دراجة نارية كان قد ركنها بشارع فرعي معزول. ركضت رغدة راجعة الى سيارتها وادارت محركها على عجالة لتتبع الشاب وهو يقود دراجته النارية. حرصت على ان تترك مسافة كافية بينها وبينه كي لا تثير شكوكه. كانت الدراجة تسير بشوارع بغداد المزدحمة حتى انتهى بها الامر في الدخول الى منطقة الامين. ظلت رغدة تتبع الدراجة النارية الى ان وقفت ونزل منها ذلك الشاب فاوقفت سيارتها بعيداً لتترك له المجال كي يدخل بيته. وعندما دخل البيت واوصد الباب ورائه، اقتربت من باب البيت وقرأت اللوحة المثبتة على الحائط والتي خُطّ عليها اسمه [عبدالله نعيم رضى]. هنا تبسمت وقالت،{إذاً اسمك عبدالله يا غائط. طبعاً كان يجب ان اعرف ذلك الاسم عندما قلت لي (إذا جائك ولد اسميه نجم). اهلاً وسهلاً بك سيد عبدالله. يبدو ان امك لن تدعي لك بالخير لان عندي لك مفاجئة الموسم تنتظرك. الآن انا أمسكت برأس الخيط يا شاطر}. رجعت تركض الى سيارتها واستدارت بها لتعود الى منزلها. وفي اليوم التالي أخرجت هاتفها المحمول واتصلت باوس لتطلب منه ترتيب لقاءً جديداً مع النائب العام السيد عزيز العاني باقرب فرصة ممكنة.

وبعد اسبوع تهيأت رغدة وذهبت الى مكتب النائب العام وحدها هذه المرة دون ان يحضر معها اوس. دخلت الاستعلامات فاخبروها ان السيد النائب بانتظارها. طرقت باب مكتبه فاذن لها فدخلت. فورما رآها داخلةً مكتبه، وقف واقبل اليها آخذاً بيدها ومرحباً بها بحرارة قال،

النائب عزيز : اسعدني مجيئك يا دكتورة. هل استجد معكم شيئاً بخصوص الجريمة؟

رغدة : جئتك اليوم لاستشيرك ببعض الامور القانونية لو سمحت يا سيد عزيز.

النائب عزيز : وانا رهن اشارتكِ سيدتي، تفضلي.

رغدة : اردت ان اسألك عن عقوبة الاغتصاب بالقانون العراقي.

النائب عزيز : إذا ثبتت التهمة بما لا يقبل الشك. فبموجب قانون العقوبات العراقي الحالي (القانون رقم ١١١ لسنة ١٩٦٩، بصيغته المعدلة)، يُعدّ الاغتصاب جريمة جنائية بالغة الخطورة. وتنص المادة ٣٩٣ تحديدًا على ما يلي: يُعتبر الشخص الذي يُجامع امرأةً دون رضاها مرتكبًا لجريمة الاغتصاب.

رغدة : وما هي عقوبة جريمة الاغتصاب؟

النائب عزيز : العقوبة المقررة هي السجن المؤبد أو الحبس المؤقت (الذي قد يمتد، وفقًا للقانون العراقي، لسنوات عديدة، بحسب الحكم الصادر). هذا فقط إن ثبتت ادانة الجاني.

رغدة : ماذا لو لم تثبت ادانته؟ هل سيذهب حراً طليقاً ام انكم ستواصلون ملاحقته؟

النائب عزيز : مع شديد الاسف، نعم سيذهب حراً طليقاً ولن يسمح لنا القانون بالاستمرار في ملاحقته. لان القانون ينص على ذلك بشكل صريح.

رغدة : اعتقد انني حصلت على الاجابة التي كنت ابحث عنها.

النائب عزيز : ارجوكِ ثم ارجوكِ، لا تترددي عن زيارتي وقتما تشائين يا دكتورة لانني عرضت عليك مساعدتي. بامكانك الاتصال بي مباشرة دون اللجوء للدكتور اوس.

رغدة : سافعل ذلك وانا متأكدة من تعاونك معي سيدي النائب.

النائب عزيز : على الرحب والسعة. والآن هل يمكنني ان اقدم لك الشاي او القهوة؟

رغدة : الشاي لو سمحت سيدي.

أمر الساعي كي يحضر لها الشاي فشربته واستأذنت منه ثم خرجت على عجالة. علمت رغدة ان احتمالية حصول ذلك الوغد على حكم واضح وصريح يوصله للادانة سيكون امراً مستحيلاً لذلك بأتت تفكر بالاقتصاص منه بطريقتها الخاصة.

ترى كيف ستقتص منه بنفسها؟ فلو كانت قادرة على مقارعته جسدياً لتمكنت منه وقت وقوع الاعتداء.

لكنه تغلب عليها بقوة عضلاته وقام باغتصابها. فما هو السبيل للقصاص؟

سنستمتع بمتابعة ما سيجري في الجزء الثاني.

  

إذاعة وتلفزيون‏



الساعة حسب توقيت مدينة بغداد

الأبراج وتفسير الأحلام

المتواجدون حاليا

2111 زائر، ولايوجد أعضاء داخل الموقع