
د.عزالدّين عناية
الدّين كقوّة ناعمة في معترك العلاقات الدولية
ما عاد الحديث عن ضرورة خوض إصلاحات بخصوص القانون الدولي شأنا جنوبيا صادرا من دول جنوب العالم. باتت الأصوات تتعالى من داخل الغرب ذاته، بضرورة إدخال تحويرات فعلية للحفاظ على السلم العالمية وإرساء علاقات دولية متّزنة. الأستاذ جوستافو جوتسي، أستاذ تاريخ الفكر السياسي في جامعة بولونيا الإيطالية، صدر له مؤلف بالعربية، تُرجِم لدى "مشروع كلمة" في أبوظبي بعنوان: "القوانين والحضارات.. القانون الدولي تاريخه وفلسفته". في أعقاب حديث عن صنّاع القانون الدولي وعمّا آلت إليه الأمور، يطرح جوتسي سؤالين مهمّين: هل من الممكن إيجاد قانون دولي قادر فعليا على تعزيز العدالة دون أن يكون أداة لمشروعات إمبريالية؟ وهل يمكن إرساء قانون دولي عالمي يقوم على أساس مبادئ تُستَقى من تعدّدية الحضارات والنظم القانونية؟
في ظلّ مناخ عام تعلو فيه المطالبة بالمراجَعات كيف يحضر الدّين كقوة ناعمة في العلاقات الدولية؟ ما من شكّ أن الالتجاء إلى العامل الديني، يأتي حينا من باب البراغماتية الصرفة، وآخر من باب الإقرار بفاعليته في الاجتماع. فضلًا عن يقين أنّ ما جرى من إقصاء متعمَّد، طيلة عقود، جاء جرّاء خلفيات إيديولوجية بين المكوَّن الكاثوليكي الأوروبي والطرح العَلماني الفرنسي، ممّا أشاع جوّا مشحونا ساد في المركز الفرنكفوني وفي لواحقه الإفريقية والعربية، لن ندخل في تفاصيله.
بات العالم اليوم أمام وضع جديد يحضر فيه الدين في المجال العمومي الوطني وفي المجال الدولي. وتُطِلُّ فيه الأديان بموجب إيمان بحيازتها مخزونا من الثروة الرمزية والثقافية والخُلقية والأنشطة، يمكن تسخيرها في سبيل الصالح العام.
فمن يَقْدِر اليوم أن يستهينَ بحاضرة الفاتيكان وأثرها في جيوبوليتيك السياسة الدوليّة؟ لقد ولّى العهد الذي يُحقَّر فيه من أثَر الدين، المتلخِّص في تلك القولة الشهيرة لجوزيف ستالين: كم وحدةً عسكريةً يملك البابا؟ والحال كما يقول الشاعر العربي:
ستبدي لك الأيام ما كنت جاهلا / ويأتيك بالأخبار من لم تزوِّد.
الإيطالي أنطونيو سْبادارو في كتاب بعنوان "حاضرة الفاتيكان والسياسة الدولية" ، يوضّح أنّ حاضرة الفاتيكان تضطلع بدور فاعل في السياسة الدولية، من خلال منظور مميَّز لمفهوم الدبلوماسية عبر تفعيل خاص للعمل الدبلوماسي. وقد تبلور هذا الحضور في أعقاب الحرب العالمية الثانية، على إثر مشاركة الفاتيكان كناشط مستقلّ في لعبة السياسة الدولية، وكسلطة أخلاقية تأبى الانخراط في سياسة المحاور. بدا ملمح هذا الدور مطلّا بوضوح على المسرح الدولي منذ حقبة البابا بولس السادس (ت. 1978) وهو ما ترسّخ بقوة مع البابا الأرجنتيني فرنسيس ماريو برغوليو (ت. 2025)، مما شكّلَ هوية للدبلوماسية الفاتيكانية كونها دبلوماسية راعية للسياسة لا منخرطة فيها.
ويُبرِز سبادارو أن خيار الكنيسة الكاثوليكية لا يأتي من فراغ لأنّ 183 تمثيلا دبلوماسيا يربط حاضرة الفاتيكان بدول العالم، وأن مليارا و378 مليونا من سكان المعمورة يتطلّعون نحو روما، يرعاهم جيش مهول من رجال الدين الكاثوليك المكرَّسين والراهبات. فالكنيسة الكاثوليكية وحدة مركّبة، تضمّ في داخلها أكثر من 120 حركة كَنَسية معترف بها، علاوة على جماعات دينية عديدة تزيد على الألف جماعة. وذلك بحسب الأعداد الواردة في التقرير الإحصائي (Annuarium statisticum ecclesiae) (2022).
تبدو حاضرة الفاتيكان من خارج مجرّد هيئة ذات امتدادات عالمية تسعى للتحاور مع ساسة العالم لكسب امتيازات، واستصدار تشريعات، تمكّنها من التحكم بضمائر المؤمنين، وهي من منظور داخلي واقع رسالي تبشيري يتأسّس على الإيمان يهدف إلى أنجلة الأرواح بدعوى الخلاص يوم الدينونة. لكن في خضمّ هذا التداخل في التوصيف، تبقى الكنيسة الكاثوليكية مؤسّسة نشيطة والأقوى على نطاق عالمي من حيث إمكانياتها ونفوذها.
متابعةً لتلك القوة الناعمة للدّين على مستوى كاثوليكي. نقول منذ رحيل بندكتوس السادس عشر (راتسينغر) (ت. 2022) واعتلاء البابا الأرجنتيني فرنسيس سدّة البابوية في روما شهدت الكنيسة تحويرا جذريا في سياستها الخارجية، لا سيّما مع الصين والعالم الإسلامي، ويلوح أنّ البابا الحالي لاون الرابع عشر يحافظ على النهج نفسه ويتفادى ما يعكّر صفو تلك السياسة. كانت زيارته الأخيرة إلى الجزائر هادئة خافية، وتجنّب نكأ الجراح حتى القريبة منها الحادثة في تيبحرين (1996) إبّان العشرية الأليمة في الجزائر.
لقد طوّر البابا الراحل فرنسيس لغة ليتورجية منفتحة مع العالم الإسلامي، تجاوزت مقرّرات مجمع الفاتيكان الثاني. كان اللّقاء بشيخ الأزهر، الدكتور أحمد الطيب، في أبوظبي (2019) وتوقيع "وثيقة الأخوة الإنسانية" فرصة مهمّة لتقارب العالمين الإسلامي والمسيحي. ولم تقف سياسة الكنيسة الناعمة عند ذلك الحدّ، بل سار البابا فرنسيس قدما بلقاء المرجع آية الله السيستاني وزيارة مدينة أور، مهد النبي إبراهيم (ع)، في مسعى لاحتضان الإرث القِيَمي المشترك بين الأديان الثلاثة.
بالمثل سلكت الكنيسة دبلوماسية ناعمة مع الصين، منذ الثاني والعشرين من سبتمبر 2018، تاريخ إبرام الاتفاق بين جمهورية الصين الشعبية وحاضرة الفاتيكان، بعيدا عن تعنّت تنصيب إكليروس الكنيسة في الصين من روما الذي ميّز العقود الماضية بخصوص.
من جانب آخر، تناهز أعداد الإنجيليين في العالم (أي مختلف تنوعات ورثاء البروتستانت) 700 مليون نسمة، وفق ما يورده الخبير الفرنسي في الشأن الإنجيلي سباستيان فات . ولكن من هم الإنجيليون الجدد؟ هو توجّهٌ ديني متحرّر من الهرميّة، وإن شئنا تجمّعات دينية مشرّعة. تظلّ خَلفيتها العامة بروتستانتية. وتصطبغ توجّهاتها عموما بخاصيات مسيحانية، أي الإيمان بحلول المخلّص يومًا؛ وبمنزع أخلاقي يهودي-مسيحي؛ وبالتطلّع إلى عهد ألفي يهنأ فيه الناس. بعبارة موجزة نشأت الإنجيليات الجديدة كردّ فعل على البروتستانتية التقليدية الخاملة التي استنزفها التدافع المحموم مع الكاثوليكية طيلة قرون.
تُعتَبر الساحة الأمريكية، في الراهن، المحجّ لهذا التكتل الديني الذي يصنَّف إجمالا تحت مسمّى "اليمين المسيحي" -Christian Right-، أو ما يُعرف أحيانا بـ "المحافظين الجدد". وتُنعت النّواة الصلبة في ذلك بالـ "تِـيُوكُون"، أي من يستلهمون المقولات الدّينية، أكان لتحليل الأوضاع الاجتماعية، أو لتبرير ترسيخ قِيَم الآباء في المجال العمومي .
يزعم الإنجيليون أنّ ثمة تراجعا في القِيم الخُلقية بين الأمريكان، ويفسّرون الأمر بقوّة ضغط العلمانية. والملاحظ في توجّه الإنجيليين، أنّ الخصائص المسيحية ليست الغالبة عليه، بل يحمل في طياته عنصرا كتابيا قويا يمثّله اليهود الأمريكان، لذلك ثمة إلحاح بينهم على وحدة التراث اليهودي المسيحي.
داخل هذا الزخم يحضر الإنجيليون بوصفهم مسارا لاهوتيا متنوّع المشارب، يتكوّن من عدّة كنائس، على غرار "جيش الخلاص"، و"المعمدانيين"، و"الكاريزميين"، و"كنيسة المعترفين"، "والإنجيليين الجدد"، و"الأصوليين"، و"التحرّريين"، و"اللّوثريين"، و"الميتوديين"، و"المشيخيين"، و"الإصلاحيين" وآخرين. حاول المؤرخ دافيد بيبنتون ضبط خصائص جامعة لهذا الشتات المسمى بالإنجيليات على أساس أربعة عناصر مشتركة بينها: الاهتداء (أي تحوير نمط العيش تحت تأثير التجربة الدينية)، النشاط (المستند أساسا إلى الالتزام الفعلي)، التمركز الكتابي (بوصف الكتاب المقدس كلمة الرب الموحاة) والصليبوية ( المتمثلة في محورية الرؤية الثالوثية) . لكن هذا التعريف وإن أبرزَ ما يميّز الإنجيليات من خصائص: "الولادة الروحية مجددا" (born again) و"الاستقامة الفعلية" (orthopraxie)، فهو يغفل عن ملامح دنيوية تلبّي متطلّبات الفرد وحاجاته، داخل مسار متكامل ينطلق من "مرحلة التبشير"، مرورا بـ "مرحلة التحوير" للمجتمع، وإلى غاية "مرحلة التصدير" نحو العالم. والذي يعنينا هنا أساسا وهو المرحلة الثالثة كيف تبدو القوة الناعمة للدين فيها بمدلولها الإنجيلي وكيف تنعكس في العلاقات الدولية؟
في واقع الأمر تعيش الشرائح الاجتماعية الوسطى تناغما مع طروحات الكنائس الإنجيلية، وتجد في ما توفره للأتباع من أنشطة اجتماعية وتربوية وثقافية ورياضية شبه مجانية، ما يلبّي حاجاتها وما يجعلها تميل إلى خياراتها وتبيعُها صوتها الانتخابي مقابل ما تلقاه من مغانم. هناك خيطٌ براغماتي يشدّ الطرفين.
ليست الكنائس العملاقة -megachurch- التي بحوزة الإنجيليين هياكل للاستعراض فحسب، بل تعبّر أيضا عن قوة أنشطة، تغطّي مجالات متنوّعة. تحاول من خلالها التنظيمات الدينية مواكبة احتياجات الأتباع. يقول سباستيان فات الخبير في الشأن الإنجيلي: يُعَدّ التيّار الإنجيلي، إلى جانب الإحياء الإسلامي، أقوى الخيارات الدّينية حركية وانتشارا في العالم. فالتيّار الإنجيلي يبقى أكثر التوجّهات الدّينية قدرة على توظيف تقنيات الاتصال واللّوبيات والمؤسّسات والخبرات في الانتشار .
ولعلّ رمزية الكنائس العملاقة، العامرة بالأنشطة الدنيوية المتنوعة، بما يفوق أنشطتها الدينية، هو رأس جبل الجليد العائم في عملية التنشئة الدينية الجديدة. وهي ظاهرة ما عادت محصورة بأمريكا أو بشطر القارة الجنوبي، بل تتمدّد نحو الخارج لتبلغ آسيا وإفريقيا.
صحيح في أمريكا أرسى الدستور فصلًا صريحًا بين الكنيسة والدولة، لكن الأمر ليس بتلك الصرامة المعهودة في أوروبا. فلطالما تجلّت تلك العلاقة الوثيقة في شعارات على غرار: "الربّ يبارك أمريكا" و"في الله نثق" و"المسيح هو الحلّ" (Jesus is the answer). إذ يحضر تقليدٌ اجتماعيٌ ديني مميَّز يسود في أمريكا، يجد سندًا له في ما يُعرف بمفهوم "الدين المدني".
السياسة في الغرب باتت تستعين بالدين، ولربّما تعتمد عليه بوصفه "قوة مؤثّرة" في الاجتماع وقادرة على مدّ السياسي بالدعم المرجو، لا سيّما عند التطلّع إلى تمرير خيارات شائكة تتطلب تضافر القوى. الطريف في ذلك التحول الديني- السياسي الذي تشهده أمريكا، كما يقول فوريو كولومبو في بحث بعنوان: "إله أمريكا.. الدين والسياسة في أمريكا": ليست الكنائس التي اجتاحت السياسة، بل العكس السياسة هي التي اجتاحت الكنائس .
كان الأستاذ مختار بن بركة، من أوائل من اهتموا بعلاقة الإنجيليين بالسياسة، قد قدّر في كتابه "اليمين المسيحي الأمريكي: الإنجيليون في البيت الأبيض"، أعداد الإنجيليين الذين استوطنوا إسرائيل، بشكل شبه دائم، زهاء خمسة وعشرين ألفا . حيث ينظر الإنجيليون للفلسطينيين، بوصفهم ممن ينبغي أن يُنصَّروا قسرًا أو يُجلوا قهرًا، كون النّبوءة الكتابية المزعومة تتجلّى في اليهود وفي إسرائيل، لا في المسلمين أو المسيحيين العرب، الذين يعدّون ضالين منحرفين .
ما من شك أنّ ثمة مواقف غائمة أو شبه منقوصة تروج في الجانب العربي بخصوص الإنجيليّين، غالبا ما تُخلّف خلطًا، وهي مواقف مستوحاة من علاقات الإنجيليين الجدد في أمريكا خصوصا باليهودية المتصهيِنة، لكن الجلي أنّ الإنجيليين لا تجمعهم كنيسة واحدة ولا يقودهم بابا جامع، وإن تحدُثُ توتّرات في فضاء فلا يعني انسحابها على سائر الفضاءات. ففي أندونيسيا، وفي بلدان ما وراء الصحراء، وفي آسيا الوسطى، يحضر في هذا المجال الرحب شكلان من العروض الدينية، الإسلامية والإنجيلية، يلتقي المتنافسان كلّ يوم ويتعايشان بشكل سلميّ في مجمل الحالات. لا يتقاسم الطرفان الاعتقادات ذاتها، لكن كلاهما يُعرِّف نفسه أنه مؤمن. وفي أوروبا، في أحضان القارة المعلْمَنَة يتمَوْقَع الإسلام والمسيحية الإنجيلية كفاعلين ناشطين، ضمن أوضاع الأقلية لذلك غالبا ما يتحالفان في المطالبات الحقوقية. ما نريد قوله أنّ الصدام الجيوسياسي المزعوم بين الإسلام والحركات الإنجيلية هو نسبيّ .

675 زائر، ولايوجد أعضاء داخل الموقع