
نزار السامرائي
أحلاف جديدة تُعقد وأخرى قديمة تغرق في أعماق البحر الأحمر -2
ألاحظ بأسى وأسف أن هناك تحسساً عالياً لدى كثير من الأشقاء العرب ومن مختلف الجنسيات، تجاه أي كاتب عراقي أو محلل سياسي يظهر على إحدى الفضائيات ويُبدي رأيا ما، محايدا أو منحازا في أية قضية تخص قُطراً عربياً آخر، فسرعان ما يسقط صاروخ على مقربة منه، ليقول له لو انشغلت بمشاكل بلدك بل بمصائبه لكان خيرا لك وللقراء وللمشاهدين، وأحيانا يذهب المعترض أبعد من ذلك، فيذكر العراقي بأن بلده تم احتلاله ولم يتمكن من إيجاد حل له، وكأن احتلال البلدان سبب وجيه لقطع ألسنة الرجال المحتلة بلدانهم، أو كأن السياسي أو الصحفي العراقي هو الوحيد الذي لا يحق له الحصول على تأشيرة دخول إلى قاعة مناقشة المشكلات العربية والإقليمية والدولية، ونسى أولئك أن في العراق عقولا كبيرة وأن هناك أفكارا مبدعة فالتفكير السليم لا جنسية له، يمكن أن تعطي رأيا سديدا ونافعا في قضايا استراتيجية تخص بلدانا أخرى، وهنا لا بد من أن استدرك فأقول إن معظم الفضائيات العربية والدولية تحصر لقاءاتها مع أي ضيف عراقي في قضايا عراقية أو حين تبرز أزمة عراقية بحاجة إلى تلطيف إخراجها بصورة مقنعة، ولولا ما تستشعره من حرج لما جاءت بضيف عراقي، ولأكتفت بأي ضيف عربي ليقوم بالمهمة، في حين أن الضيوف الآخرين لا سيما من مصر أو فلسطين أو الأردن، على سبيل المثال لا الحصر، يُستفتون في كل قضايا الكرة الأرضية بل وتتخطى ذلك إلى الفضاء الخارجي أيضا، لا لأن العراقي غير مؤهل لمثل هذه الموضوعات أو النقاش فيها، بل لأن حدود سايكس بيكو فرضت على العراقيين من كل التخصصات الانزواء داخل حدود العراق المعروفة، وممنوع عليهم التورط متلبسين بجريمة عبورها إلى بلد آخر من دون وثيقة سفر صالحة أو تأشيرة دخول للبلد المعني بمادة النقاش.
هنا لا أريد حصر الموضوع بإرادة أجهزة الإعلام العربية أو الدولية بل يتعدى هذا السلوك إلى جهات حكومية، وهنا أجدني مضطرا لأضرب مثلا في قناتي الجزيرة والعربية، فهل تبوأ أحد من العراقيين موقعا اداريا من الدرجة الأولى أو الثانية في أي منهما؟ على الرغم من وجود اختصاصات عليا في القناتين، ولكن وظيفة مدير عام في القناتين المذكورتين ظلت حكراً على الفلسطينيين، أو الأردنيين أو المصريين وأحيانا لدول المغرب العربي، فهل يرتبط هذا بما قاله عبد الملك بن مروان "العراقيون مغالون في الطاعة وفي العصيان"؟ أم يرتبط بما قاله الحجاج بن يوسف الثقفي في وصف العراقيين بأوصاف لا أريد تكرارها؟ أم يرتبط الموضوع بانعكاسات أية خطوة من هذا القبيل بردود فعل الحكومة العراقية نتيجة التباينات السياسية الحادة بين العراقيين أنفسهم في الداخل أو بين عراقيي الخارج وعراقيي الداخل ولنا في ذلك شواهد كثيرة، إذ همّشَ الصحفيّون والكتّاب العراقيون أنفسهم، أو أن تعدد المرجعيات التي ينتمون إليها هي التي كانت تحصر دائر الرؤية في نطاق واحد، وعلينا أن نعترف هنا أن العراقي بطبيعته منتم سياسيا وعقائديا وطائفته، وربما آخر ما يفكر فيه الانتماء للعراق، ولهذا رأت الفضائيات أن استضافته مجلبة لوجع الرأس من دون انتفاع بالمادة التي يقدمها، والتي لا تستطيع الفضائية سلب حقه في أن يتبنى موقفا سياسيا واضحا، ولكنها تريد أن يُطرح بأسلوب هادئ بعيد عن التجاذبات الحادة، فالأصل عندها أنها لا تريد جرح مشاعر أي طرف مقابل بسكين عمياء، بل تريد شنقه بحبل من حرير، كما أن علينا أن نعرف أن ظروف العراق بعد الاحتلال وتسلط إيران على مقاديره بالكامل، دفع إلى الواجهة السياسية، كل من هب ودب من محترفي السياسة أو هواتِها أو المضاربين الجدد في بورصتها، وبالتالي فقد قذفت على شواطئها الكثير من أتباعهم الأقل خبرة ومعرفة، ليتحدثوا بكل ما عنّ لهم من آراء ووجهات نظر قليل منها سمين وكثير منها غث، ليحدد من له الحق أن يجلس على منصة الخطابة، ومن لا يحق له حتى مجرد الحضور كمستمع، من هذا المنطلق انزوى كثير من الكتّاب والسياسيين المرموقين عن الظهور على الفضائيات وأجهزة الإعلام الأخرى حفاظا على مكانتهم.
حافظت دول المشرق العربي على أعلى وتيرة من صوتها وتعبئتها عند رفعها شعار "لا للقواعد العسكرية الأجنبية، لا لسياسة الأحلاف"، لأنها كانت سابقة في نيل استقلالها، وعانت من ويلات القواعد الأجنبية التي تركتها الدول الغربية التي سبق لها أن احتلت بلاد المشرق العربي في بداية التوسع الأوربي في شتى البقاع، ومرد هذا الرفض أن دور القواعد الأجنبية يشكل امتدادا للاحتلال العسكري المباشر وينزع جانبا مهما من السيادة الوطنية، من أجل ألا تفلت الدول المستقلة حديثا من قبضتها، وتذهب في خيارات وطنية مستقلة أو ترتبط بقوى استعمارية بديلة، فالصراع بين تلك الدول لم يكن ليقل عن أجواء العداء بين الدول المحتلة أرضها، والدول الساعية لتوسيع نفوذها في أنحاء الكرة الأرضية، أما موضوع رفض الأحلاف العسكرية فيعود إلى حد بعيد إلى أن الأقوياء أقاموا هذه التحالفات ليس دفاعا عن الأمن القومي للبلدان الصغيرة أو الضعيفة، ولا حتى الاستعانة بقواتها التي حرصت على إبقائها ضعيفة، وإنما لتحقيق هدفين، الأول سياسي لتحديد بوصلة التوجهات الاستراتيجية لبلدان العالم المستقلة حديثا، والثاني استخدام أراضي تلك الدول للدفاع المتقدم عن المصالح العليا للدول الكبيرة وأمنها القومي.
ولعل أكثر الدول التي قاومت سياسة الأحلاف العسكرية من البداية كانت مصر وسوريا مدعومة بقواعد جماهيرية واسعة جدا، وذلك بالإعلان عن ذلك سياسيا وإعلاميا وتحملت بسبب ذلك الكثير من المتاعب والمشاكل وأدت إلى انقسامات في الصف العربي، أما الدولة التي لم تتحمس بالانضمام للأحلاف فهي المملكة العربية السعودية، أو هكذا كان موقفها المعلن، ذلك أنها كانت تحتفظ بعلاقات سياسية واقتصادية على أعلى المستويات مع الولايات المتحدة والدول الغربية، وبالمقابل تعيش حالة قطيعة تامة مع الكتلة الشرقية التي يقودها الاتحاد السوفيتي يومذاك.
واقع الحال أن كثيرا من الدول العربية التي نالت استقلالها في أوقات متعاقبة في القرن العشرين، كانت تضم فوق أراضيها قواعد عسكرية أجنبية تتبع دولا كبرى، ففي العراق وعلى الرغم من استقلاله المبكر في مطلع عشرينيات القرن العشرين، إلا أن بريطانيا ظلت تحتفظ بقاعدتين جويتين في الحبانية على بعد 50 كيلومترا عن بغداد وفي الشعيبة على مقربة من مدينة البصرة جنوبي العراق، ومع وجود هاتين القاعدتين فوق أرضه، لم يطمئن العراق إلى مستقبل أمنه الوطني ووحدة أراضيه، استنادا إلى قناعات أرسيت خلال ثلاثين سنة من عمر العهد الملكي من يوم نيله الاستقلال إلى يوم 14 تموز 1958.
وكان العراق الملكي في طليعة الدول العربية التي انخرطت في محور الأحلاف الخارجية مع دول أجنبية وروجت لها سياسيا وإعلاميا، ضمن تفسيرات خاصة توصلت لها زعامته في ذلك الوقت، ليس الآن وقت مناقشتها تأييدا أو دحضا لها، وكان العراق هو الذي استضاف الاجتماعات التمهيدية لتأسيس الحلف الذي حمل اسم العاصمة العراقية "بغداد"، وعلى الرغم من قوة الرابطة الهاشمية بين الحكم الملكي في العراق وشقيقه الحكم الملكي في الأردن، إلا أن الأردن نأى بنفسه عن الانضمام لحلف بغداد، مما قد يُنظر إليه على أنه ثلمة سياسية مهمة جعلت من تبريرات إقامة الحلف مصحوبة بتعقيدات كثيرة.
دول الخليج العربي وجزيرة العرب ظلت تحتفظ بقواعد جوية غربية بريطانية وأمريكية بشكل خاص، حتى وقت متأخر وقسم منها ما زال قائما حتى اليوم، وسبق وأن استخدمت في العدوان على العراق والذي انتهى باحتلاله عام 2003، فليس كل من رفض الانضمام إلى حلف عسكري، كان رافضا لاستقبال قواعد عسكرية، ومصدر تحديد أي الأمرين أكثر أهمية، العلاقات الثنائية وتصور كل من الطرفين إلى أهمية تلك القواعد.
المملكة العربية السعودية التي لم تجاهر بسياسة العداء للأحلاف العسكرية، كانت في واقع الحال منتمية إلى التحالف الغربي عمليا، فقد كانت أراضيها تستضيف قاعدة جوية في مدينة الظهران في المنطقة الشرقية، كما أنها لم تكن لها علاقات دبلوماسية مع الاتحاد السوفيتي السابق على الرغم من أنها كانت سبّاقة بالاعتراف الدبلوماسي بالثورة التي أسقطت الحكم القيصري في البلاد وجاءت بالنظام الشيوعي البديل، لكن ذلك لم يكن خيارا متواصلا، فقد حصلت قطيعة طويلة بين الجانبين لم تنته إلا باستئناف العلاقات بين الطرفين قبيل انهيار الاتحاد السوفيتي بفترة وجيزة.
كان هناك حاجز ديني يمنع التواصل السعودي مع المنظومة الشيوعية، لأسباب مختلفة ولكنها في هذا المجال اتخذت قرارها تحت لافتة "أن الشيوعية تعتمد نظاما إلحاديا يجاهر بالدعوة لتلك الفكرة ويفرضها بقوة القانون"، لكنها كانت تحتفظ بعلاقات مع دول آسيوية وأفريقية تدين بديانات وثنية.

946 زائر، ولايوجد أعضاء داخل الموقع