
بقلم: نوري جاسم
حين أضاءت مكة ... وُلدت الرحمة .
حين أضاءت مكة بميلاد سيدنا محمد ﷺ، لم يكن ذلك ميلاد رجلٍ في صفحات التاريخ فحسب، وإنما كان ميلاد رسالةٍ امتد نورها إلى العالمين، وميلاد رحمةٍ أرادها الله تعالى أن تكون هدايةً للإنسان في عقيدته وأخلاقه وحياته. ولذلك قال سبحانه: ﴿وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلَّا رَحْمَةً لِلْعَالَمِينَ﴾ [سورة الأنبياء، الآية 107]، فكان محمد ﷺ رحمةً مهداة، ونورًا أخرج الله به الناس من ظلمات الجهل والضلال إلى نور الإيمان والمعرفة والأخلاق. وحين نتذكر مولده الشريف، فإننا لا نستحضر تاريخًا مضى، بل نستحضر معنىً ما زالت البشرية في أشد الحاجة إليه؛ نستحضر الرحمة في زمن القسوة، والصدق في زمن اضطراب القيم، والعفو في زمن الخصومة، والتسامح في زمن الانقسام. وقد سمّى القرآن الكريم بعثة النبي ﷺ منّةً إلهية عظيمة، فقال تعالى: ﴿لَقَدْ مَنَّ اللَّهُ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ إِذْ بَعَثَ فِيهِمْ رَسُولًا مِنْ أَنْفُسِهِمْ﴾ [سورة آل عمران، الآية 164]؛ فبعثته ﷺ نعمة تستحق أن تُذكر، ورسالته رحمة تستحق أن تُستحضر، وسيرته مدرسة تستحق أن تُعلَّم للأجيال. وإذا كان الله تعالى يقول: ﴿قُلْ بِفَضْلِ اللَّهِ وَبِرَحْمَتِهِ فَبِذَٰلِكَ فَلْيَفْرَحُوا﴾ [سورة يونس، الآية 58]، فإن الفرح برسول الله ﷺ واستحضار مولده وسيرته يمكن أن يكون تعبيرًا عن الفرح بهذه الرحمة الإلهية، متى بقي في دائرة الأدب والشرع، بعيدًا عن الغلو والمخالفات. والمولد النبوي في معناه الأسمى ليس زينةً ومظاهر فحسب، وإنما هو سؤالٌ يوجهه الإنسان إلى نفسه: ماذا بقي من محمد ﷺ في أخلاقنا؟ هل تعلمنا منه الرحمة كما ينبغي؟ هل اقتدينا بصدقه وأمانته وعفوه وتواضعه؟ فالمحبة الحقيقية ليست أن نذكر اسمه بألسنتنا فقط، وإنما أن يظهر أثره في سلوكنا، وأن تتحول سيرته إلى أخلاقٍ نعيشها. ومن أجمل ما يضيء هذا المعنى قوله تعالى: ﴿وَإِنَّكَ لَعَلَىٰ خُلُقٍ عَظِيمٍ﴾ [سورة القلم، الآية 4]، وكأن القرآن يضع أمام الأمة جوهر الرسالة المحمدية في كلمة عظيمة: الخُلُق. ومن هنا فإن الاحتفاء بالمولد ينبغي أن يكون احتفاءً بالقيم التي جاء بها المصطفى ﷺ؛ بالرحمة التي وسعت الإنسان، وبالعدل الذي لا يعرف محاباة، وبالكرامة التي صانها الإسلام، وبالمحبة التي تجمع ولا تفرق. وحين تجتمع القلوب على الصلاة والسلام على رسول الله ﷺ، وعلى قراءة سيرته، وإطعام الطعام، وإدخال السرور، وتعليم أبنائنا شمائله وأخلاقه، فإن المناسبة تتحول من ذكرى إلى رسالة، ومن احتفال إلى تربية، ومن لحظة عابرة إلى أثرٍ باقٍ في النفوس. وقد قال الله تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ وَمَلَائِكَتَهُ يُصَلُّونَ عَلَى النَّبِيِّ ۚ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا صَلُّوا عَلَيْهِ وَسَلِّمُوا تَسْلِيمًا﴾ [سورة الأحزاب، الآية 56]، فالصلاة والسلام عليه ﷺ عبادة قرآنية جليلة، ومحبة النبي ليست فكرةً مجردة، بل رابطة روحية وأخلاقية تتجدد كلما ذُكر اسمه وسيرته وهديه. ومن هنا يمكن النظر إلى المولد باعتباره فرصةً لتجديد هذه الصلة، لا مناسبةً للمظاهر وحدها. إن أمة محمد ﷺ أحوج ما تكون اليوم إلى استعادة المعنى المحمدي في حياتها؛ أن تجعل الرحمة منهجًا، والصدق خلقًا، والأمانة مسؤولية، والعفو قوة، والتواضع رفعة، والمحبة طريقًا إلى الاجتماع لا سببًا للفرقة. وفي هذا المعنى يصبح المولد النبوي أكثر من مناسبة دينية؛ يصبح ذاكرةً حضارية وروحية، تستعيد فيها الأمة صورة نبيها لتعيد بناء حاضرها على ضوء أخلاقه. فمحمد ﷺ لم يكن ميلاده نهاية قصة، وإنما كان بداية نورٍ لم ينطفئ، وما زال يمتد من قلب إلى قلب، ومن جيل إلى جيل. وحين نحتفل بمولده، فإن أجمل ما نقدمه لهذه الذكرى أن نجعل من محبتنا له عملًا، ومن صلاتنا عليه سلوكًا، ومن معرفتنا بسيرته أخلاقًا، ومن فرحنا بمولده عهدًا جديدًا مع الرحمة والهداية. فحين أضاءت مكة، وُلدت الرحمة؛ وحين أشرقت الرسالة، بدأ طريق الهداية؛ وحين أحبت القلوب محمدًا ﷺ، بدأت رحلة الإنسان نحو أخلاقه ونوره. وصلى الله على سيدنا محمد الوصف والوحي والرسالة والحكمة وعلى آله وصحبه وسلم تسليما ..

670 زائر، ولايوجد أعضاء داخل الموقع