
شيروان الجاف*

البرزاني يُستقبل من قبل محافظ البصرة وكبار المسؤلين
عودة الملا مصطفى البارزاني من المنفى السوفيتي عام ١٩٥٨
في السادس من تشرين الأول (أكتوبر) عام 1958، عاد الملا مصطفى البارزاني من منفاه في الاتحاد السوفيتي. وكان الزعيم الكردي قد غادر موسكو في الحادي والعشرين من آب (أغسطس) من العام ذاته متوجهاً إلى بوخارست برفقة رفيقَي دربه ميرحاج أحمد وأسعد خوشوي، حيث استقبله الرئيس الروماني بترحاب وحفاوة. ومن العاصمة الرومانية، أرسل البارزاني برقية تهنئة إلى الزعيم عبد الكريم قاسم عبر السفارة المصرية بمناسبة نجاح ثورة 14 تموز. غادر بعدها إلى براغ، واستقبله الرئيس التشيكوسلوفاكي -آنذاك- أنطونين نوفوتني، الذي ارتبط بعلاقة صداقة متينة مع البارزاني استمرت حتى آخر أيام حياته.
وفي التاسع والعشرين من الشهر نفسه، وجّه البارزاني رسالة إلى قاسم يطلب فيها الموافقة على عودته مع بقية البارزانيين المنفيين إلى العراق. وجاء ردّ قاسم مرحباً بهم، ومشيراً إلى إمكانية التنسيق بشأن إجراءات العودة مع السفارة المصرية لدى تشيكوسلوفاكيا.
إن عودة البارزاني من الاتحاد السوفيتي بصورة البطل القومي منحت دفقاً هائلاً لإنعاش الحركة التحررية الكردية في العراق وخارجه، وتجلّى ذلك في الاستقبال الشعبي الكردي والعراقي الحافل الذي حظي به بعد عودته. وينقل الصحفي السوفيتي "ديمتشينكو"، الذي كان متواجداً في بغداد خلال تلك الفترة، وصفه للاستقبال قائلاً:
«في صباح ذلك اليوم، أيقظني الضجيج المدوي في الشوارع؛ طوابير من سيارات الأجرة المزينة بالأعلام العراقية واللافتات البيضاء التي كُتبت عليها الشعارات باللغتين الكردية والعربية كانت تخترق بصعوبة حشود الجماهير، وهي تحمل وفوداً من كردستان العراق جاءوا لاستقبال بطلهم القومي».
ويضيف ديمتشينكو أن المستقبلين بدأوا رحلتهم ليلاً ليصلوا في الوقت المحدد لهبوط الطائرة وهم يهتفون: "عاشت الصداقة العربية الكردية". فيما كان آلاف المواطنين على الأرصفة والجسور وفي شرفات المباني يرددون الهتافات والشعارات التي رفعت على مبانٍ كثيرة احتفاءً بقدوم الملا مصطفى البارزاني.
ويروي حسين علوان الحسني (المُلقب بـ "أبو علاء")، المسؤول عن تأمين حماية واستقبال البارزاني في بغداد وعضو لجنة محلية الكفاح للحزب الديمقراطي الكردستاني، قصة وصول البارزاني واحتضان العوائل له عند عودته من المنفى، حيث يقول:
«تقاطر أبناء المحافظة آنذاك بالآلاف، كرداً وعرباً، نحو المطار ليستقبلوا أبا الكرد والعرب الملا مصطفى البارزاني، وليشهدوا عودته الميمونة التي تشرّفت بها البلاد في ذلك اليوم العظيم. ولذا لم يكن غريباً أن تتجاوز الجماهير الغفيرة السياج الخاص بالمطار غير آبهين بالإصابات أو الجروح؛ لأن غايتهم كانت فقط رؤية وجه هذا القائد العظيم الذي أعزّ شعبه وحافظ على كرامته وناضل سنوات طويلة مضحياً من أجل أن يعيش هذا الشعب بعزة وكرامة.
وكان على رأس المستقبلين عبد الله سعيد آمر الموقع، ومدير شرطة المحافظة، ومنذر الشاوي، وغيرهم. وبعد وصوله إلى المطار العسكري، استأذنتُ منه لاستقبال مجموعة من الكرد للسلام عليه وتهنئته بسلامة العودة، وكان كل من يسلم عليه يحاول تقبيل يده الكريمة، فأبلغني أن أطلب من المهنئين عدم تقبيل يده، وقال -رحمه الله- بتواضعه المشهود: "إنني جندي بسيط لخدمة الشعب العراقي، ولا أعلو على أي مواطن بسيط من أبنائي".
ثم وصل كبار الشخصيات العربية والوجهاء للسلام عليه والاستئناس بمقابلته. وفي المساء، أقمتُ حكماً وحفلة على شرفة النادي القيت فيها القصائد الشعرية بحقه، ثم ألقى -رحمه الله- كلمة بالمناسبة عبّر فيها عما بداخله من حب بسبب ما لاقاه من حفاوة ومشاعر غامرة لا تقل عما يلاقيه في كردستان، وقال: "إن هذا الشعب يستحق كل التضحية، ويجب أن يأخذ حقه الطبيعي في الحياة ويتمتع بخيراته"».
واستمر "أبو علاء" في حديثه قائلاً:
«في صباح اليوم التالي، توجهنا بصحبة البارزاني الخالد إلى شط العرب لاستقبال الباخرة السوفيتية التي كانت تقل 500 عائلة من البارزانيين الذين كانوا مع الأب الخالد في المنفى، والتي ورست على الرصيف رقم 4 في ميناء المعقل. كانت البواخر الراسية وكل المراكب الصغيرة في شط العرب تطلق صفاراتها وأبواقها استقبالاً للبارزاني والعوائل العائدة، حيث هبت هذه المراكب مرافقة للباخرة في كرنفال قلّ نظيره وكأنه زفاف عريس.
كانت هذه الاحتفالات كلها عفوية دون برنامج أو تحضير، من أناس بسطاء أحبوا هذا القائد العظيم الخلوق والمتواضع أشمل التواضع، صاحب الحنان المستفيض والشجاعة المتناهية التي لا مثيل لها، والذي أحب الكرد والعرب على حد سواء. وقد سجّل استقبال العوائل الكردية والعربية للبارزاني والعوائل العائدة معه موقفاً مشرفاً أکّد عمق العلاقات الأخوية التي تربط بين الشعبين، وإن وجود الملا مصطفى البارزاني في البصرة لا يمكن لأحد أن ينساه وذكراه ما زالت ماثلة حتى الآن».
وأخذ الناس يتداولون الحديث عن تواجد البارزاني بينهم لفترة طويلة، وبعدها تم نقل العوائل العائدة معه إلى بغداد عبر القطارات، ومنها إلى إقليم كردستان. وحينها وزع أهالي البصرة الحلوى في المحطة بهذه المناسبة العزيزة؛ إذ اعتبر أهالي البصرة الأصلاء تواجد البارزاني الخالد بينهم يوماً تاريخياً، فقد كان يحتل مكاناً خاصاً في قلوبهم لأنهم عرفوه طيباً وحنوناً وثورياً شجاعاً، ولأنه أحب العراق وأحب كل ذرة من ترابه، ولم يكن ينظر إلا إلى المصالح العامة دون أي مكسب شخصي.
لقد قضى حياته في الجبال مناضلاً يتحدى الصعاب في سبيل شعبه، فكم نحن بحاجة في هذا الوقت إلى مثل هذه الشخصية الفذة لينهض بالعراق ويجعله من الدول المتقدمة عالمياً استناداً إلى ثرواته الهائلة، التي -ومع الأسف الشديد- بدلاً من أن تكون سبباً في رفاه الشعب، أصبحت أداة في تدمير البلاد ومعاناة أبنائه بسبب غياب القيادة الوطنية الحقيقية. فمرحى بذلك اليوم الخالد الذي شعّ نورا بعودة أبي الكرد والعرب.
لكن هذا الدفء والود الذي شهده الشارع العراقي في ذلك اليوم التاريخي لم يدُم طويلاً؛ إذ سرعان ما تعثرت العلاقات بين القيادة الكردية والحكومة المركزية في بغداد، لتتحول مظاهر الاستقبال والحفاوة إلى صراعات وسياسات قمع وتهميش عانى منها الكرد لسنوات طوال، بدلاً من بناء وطن يتسع للجميع، ولتذهب تلك المشاهد العفوية ضحية للتقلبات السياسية التي أدخلت البلاد في دوامات متتالية من الأزمات.
*كاتب والباحث في تاريخ الحركة التحررية الكردية

810 زائر، ولايوجد أعضاء داخل الموقع