بدري نوئيل يوسف
حين ترقص الراقصة… ويكتشف العَالِم دواءً ولا يصفّق له أحد!
عندما يكتشف العالم دواءً… ويكتشف الإعلام فستانًا!
يبدو أن لدينا في هذا الزمن مقياسًا جديدًا للإنجاز، لا علاقة له بحجم الفائدة التي يقدمها الإنسان للبشرية، بل بعدد المتابعين، وعدد الصور، وكمية التصفيق والضجيج الذي يستطيع أن يصنعه حول نفسه. حيث إن الإعلام الحديث اكتشف أخيرًا المعادلة السحرية التي ستنقذ البشرية من الجهل والتخلف:
كلما قلّت فائدة الخبر، زادت مساحته!
عالم وباحث قضى ثلاثين سنة في المختبر، بين التجارب والكتب والمواد الكيميائية، حتى اكتشف دواءً قد ينقذ ملايين البشر. خبر صغير. سطران. صورة متواضعة. ثم ننتقل بسرعة إلى الحدث الأهم:
الفنانة الشهيرة تظهر بإطلالة جديدة وتثير إعجاب جمهورها!
الحمد لله! لقد اطمأن العالم الآن.
أما ملايين المرضى الذين ينتظرون علاجًا جديدًا، فيمكنهم الانتظار قليلًا… فهناك فستان جديد يجب أن نعرف لونه أولًا!
الباحث يعمل… والمصور يعمل أكثر! الباحث يستيقظ صباحًا ويذهب إلى المختبر. الفنان يستيقظ صباحًا ويذهب إلى المصور. الباحث يحمل أنبوب اختبار. الفنان يحمل هاتفًا. الباحث يبحث عن علاج. الفنان يبحث عن لوك جديد. الباحث إذا نجح في تجربته يقول: نحتاج إلى مزيد من الاختبارات والتأكد من النتائج.
أما الفنان إذا غيّر تسريحة شعره فيقول الإعلام: إطلالة غير مسبوقة! يا جماعة، إنها تسريحة شعر! لماذا غير مسبوقة؟ لقد سبقتها ملايين التسريحات منذ أن اكتشف الإنسان المرآة!
اختراع ينقذ الملايين… لكن من يهتم؟ تخيّل أن مهندسًا اخترع جهازًا طبيًا رخيصًا يستطيع مساعدة آلاف المرضى. قضى سنوات في البحث، وفشل عشرات المرات، وأعاد التصميم مرة بعد أخرى، حتى نجح.
ماذا يفعل الإعلام؟ ربما يقول: تمكن فريق من الباحثين من تطوير جهاز جديد.
وانتهى الخبر. لكن إذا ارتدت ممثلة فستانًا بقيمة خيالية في مهرجان، تبدأ التحليلات: من صممه؟
كم سعره؟ ما لون القماش؟ من أين اشترته؟ من صمم الحذاء؟ ما قصة الحقيبة؟ كيف كان المكياج؟
وكأن البشرية كانت تنتظر منذ آلاف السنين لمعرفة لون حقيبة الفنانة!
يا إعلامنا العزيز… لدينا مشكلة! نحن لا نعترض على الفن. ولا نريد إغلاق المسارح، ولا منع الأغاني، ولا مصادرة الكاميرات. الفن جميل، والفنان يستحق التقدير عندما يقدم عملًا جيدًا.
لكن السؤال: لماذا يتحول الفنان إلى بطل قومي لمجرد أنه مشهور، بينما يبقى العالم مجهولًا رغم
أنه صنع شيئًا ينفع الناس؟
لماذا يعرف الطفل اسم عشرات المغنين والممثلين، ولا يعرف اسم عالم واحد؟ لماذا يستطيع الشاب أن يخبرك عن حياة فنان بالتفصيل، لكنه لا يعرف من اخترع الجهاز الذي يحمل هاتفه بيده طوال اليوم؟ هنا الخلل. لقد أصبحنا نكافئ الشهرة أكثر مما نكافئ الإنجاز.
الشهرة أصبحت وظيفة! في الماضي، كان الإنسان يعمل حتى يصبح مشهورًا. أما اليوم، فقد أصبح بعض الناس يعملون لكي يصبحوا مشهورين، ثم تصبح الشهرة نفسها هي الإنجاز! صورة على الإنترنت. مليون مشاهدة.
مقابلة تلفزيونية. حفلة. ثم عناوين الصحف: النجم يتصدر الترند!
يا للعظمة! لقد تصدر الترند!
بينما هناك عالم ربما تصدّر مختبره بعد اكتشاف شيء يمكن أن يغير حياة البشر، ولم يسمع به أحد.
والأغرب أن العالم قد يفرح إذا نشرت الصحيفة اسمه مرة واحدة، بينما المشهور قد يزعل إذا لم تنشر الصحيفة صورته خمس مرات في الأسبوع!
ماذا لو عكسنا المعادلة؟ تخيّلوا نشرة أخبار جديدة: العالم الفلاني اكتشف علاجًا جديدًا. ثم: مهندس عراقي صمم جهازًا طبيًا منخفض الكلفة. ثم: باحثة عربية شاركت في تطوير تقنية إلكترونية جديدة. ثم: طبيب نجح في إجراء عملية معقدة وأنقذ حياة مريض. ثم، في نهاية النشرة: أما الفنان الفلاني، فقد ظهر اليوم مرتديًا بدلة زرقاء. أعتقد أن بعض المشاهدين سيغلقون التلفزيون فورًا!
سيقول أحدهم:
ما هذه الأخبار المملة؟ أين الفستان؟ أين الرقص؟ أين التصريحات النارية؟
وهنا نكتشف المصيبة. لقد أصبحنا نريد من الإعلام أن يسلينا أكثر مما نريده أن يعلّمنا.من يصنع المستقبل؟ الفنان قد يمنحنا أغنية جميلة. والممثل قد يجعلنا نضحك أو يبكينا. والراقصة قد تقدم عرضًا فنيًا جميلًا. كل ذلك له قيمته.
لكن هناك إنسانًا آخر يجلس في غرفة صغيرة، لا يعرفه أحد، ويعمل على جهاز قد ينقذ حياة طفل.
وهناك باحث يسهر حتى الفجر. وطبيب يواصل العمل عندما يكون الآخرون نائمين. ومهندس يرسم مخططًا قد يصبح بعد سنوات جسرًا أو مستشفى أو مصنعًا. ومبرمج يكتب آلاف الأسطر من الشيفرة لكي تعمل تقنية نستخدمها كل يوم. هؤلاء لا يحتاجون سجادة حمراء.
لكنهم يحتاجون شيئًا أبسط: أن يراهم الإعلام. وربما نحتاج إلى ترند جديد
لماذا لا يصبح لدينا يومًا ترند اسمه: اعرف عالمك؟
أو: من صنع هذا؟ بدل أن نسأل كل يوم:
ماذا ارتدت الفنانة؟ نسأل: من اخترع الجهاز الذي أنقذ هذا المريض؟
بدل: من هو أشهر فنان اليوم؟ نسأل: من هو الباحث الذي قضى عشر سنوات حتى وصل إلى هذا الاكتشاف؟ بدل أن نعرف عدد متابعي المشهور، نعرف عدد الناس الذين استفادوا من اختراع العالم.
عندها فقط يصبح للنجاح معنى آخر.
والخاتمة…
ربما المشكلة ليست أن الفنان يأخذ مساحة كبيرة من الإعلام. المشكلة أن العالِم لا يأخذ المساحة التي يستحقها. فالفنان عندما ينجح، تصفق له الجماهير. أما العالم عندما ينجح، فقد لا يعرف أحد أنه نجح أصلًا. الفنان قد يغيّر مزاجنا لأمسية. أما العالم فقد يغيّر حياة أجيال.
ولهذا أقترح على وسائل الإعلام، من باب المحبة والنصيحة لا أكثر: عندما يكتشف عالم دواءً ينقذ ملايين البشر، لا تجعلوا الخبر في أسفل الصفحة. وعندما يخترع مهندس جهازًا يغير حياة المرضى، لا تبحثوا أولًا عن صورة له وهو يبتسم!
وعندما ينجح باحث شاب، لا تسألوه عن عدد متابعيه.
اسألوه:
ماذا قدمت للإنسان؟
فقد آن الأوان أن نعيد ترتيب التصفيق. لأننا إذا استمررنا في التصفيق لمن يلمع على الشاشة، ونسينا من يضيء المختبر، فقد يأتي يوم يصبح فيه أشهر إنسان في البلد هو من يعرف كيف يلتقط صورة سيلفي جيدة…
بينما يبقى الرجل الذي أنقذ ملايين الأرواح مجهولًا حتى في الشارع الذي يسكن فيه.
وعندها لن تكون المشكلة في الفنان…
بل فينا نحن، لأننا اخترنا أن نصفق للضجيج، ونسينا أن نصفق للإنجاز.
مع تحياتي واحترامي للإعلام.

1297 زائر، ولايوجد أعضاء داخل الموقع