
د .سعد ناجي جواد
الحلف الذي كنا نريد والمطب الذي يجب ان نحاذر
الكل يعلم ان الولايات المتحدة وإسرائيل، بعد فشل هجماتهما المتكررة على إيران، يحاولان أن يجدا مخارج تحفظ لهما ماء الوجه، ويوما بعد يوم تثبت الأحداث صعوبة الخروج من المأزق الذي وضعا نفسهما فيه، خاصة الرئيس ترامب. ولكن الفشل، كما علمتنا التجارب لا يمكن ان يدفع واشنطن وتل ابيب الى التسليم به، لهذا فهما يسعيان الى خلط الأوراق بأساليب مختلفة مثل نقل الصراع الى مناطق اخرى، وفي هذه الحالة الى دول مجاورة لإيران، او دفع انظمة الى القبول بالحلول الإسرائيلية لكي تظهر الأخيرة بمظهر المنتصر و القادر دائما على التحكم بألامور. ربما يكون المثل الأهم للاسلوب الأول هو الاتفاق الأخير الذي وقع مؤخرا بين المملكة العربية السعودية وباكستان وتركيا، والمثل على الأسلوب الثاني هو الحرب في لبنان والأبادة المستمرة في غزة والهجمات على الفصائل المسلحة في اليمن والعراق. كما يجب ان لا يغيب عن البال ان المملكة العربية السعودية كانت اكثر من ضغط على واشنطن لكي لا تستأنف الضربات الشاملة على إيران بعد ان هددت الأخيرة بان إستهداف بنيتها التحتية سيجعلها تستهدف البنى التحتية في كل المنطقة، وبما ان الرئيس الأمريكي مازال يهدد باستخدام القوة المفرطة، وانه لم يفعل شيئا لحماية المملكة او اية دولة في الخليج، بل فعل العكس، لذا كان لزاما على المملكة العربية السعودية وكل دول المنطقة ان تبحث عن سبل لحماية أراضيها، ولكن السؤال هل ان هذا الإتفاق سيحقق ذلك؟
كنت، وبكل تواضع، اول الداعين إلى تشكيل حلف إقليمي، عربي إسلامي يضمن حماية المنطقة، (الشرق الأوسط والخليج بالذات)، وكانت دعوتي مبنية على اساس ان تأسيس حلف إقليمي يضم الدول الخليجية كافة (بضمنها العراق وايران) بالاضافة إلى تركيا ومصر، هو الوحيد القادر على حماية المنطقة اولا، والاهم ان هكذا تحالف كفيل بان يُنهي الادعاء الامريكي بحماية المنطقة من خلال قواعدها العسكرية المنتشرة فيها، هذه القواعد التي لم ينتج عنها سوى استباحة الدول التي وثقت بالوعود الأمريكية الكاذبة دون اي رد فعل امريكي يذكر، ثم ظهر ان كل القواعد كانت بالأساس لحماية اسرائيل وللاعتداء على ايران. الإعلان عن الحلف (او الإتفاق) الثلاثي الجديد، والذي مع الأسف اتخذ صبغة طائفية منذ البداية (تحالف سني)، لا يمكن ان يكون الحل من وجهة نظري المتواضعة، ولعدة اسباب. أولا جرى التطبيل كثيرا للمادة التي تقول ان اي اعتداء على واحدة من الدول سيعتبر اعتداءا على الدول الثلاث، وهذا جيد، واعتقد ان ذلك اهم ما ارادت المملكة العربية السعودية تثبيته في بنود الإتفاق، وهي محقة بعد تهديدات إيران بضرب البنى التحتية في كل المنطقة إذا ما هاجمتها اميركا وإسرائيل. لكن السؤال المهم يبقى هو هل حقا إذا ما قامت ايران باستهداف قاعدة او قوات أمريكية في المملكة فان تركيا والباكستان سيقومان بقصف ايران؟ هل هناك من يعتقد ان تركيا وباكستان هما على استعداد للدخول في الحرب التي اشعلتها الولايات المتحدة من اجل دولة الاحتلال الصهيوني وبضغط منها؟ او هل هناك من يعتقد ان تركيا مثلا مستعدة للتضحية ببرامجها التنموية والمركز الإقليمي المهم الذي اكتسبته وتدخل في مواجهة عسكرية مع ايران، مواجهة لا تخدم الامن القومي التركي، كما فعل الرئيس ترامب الذي تورط في مواجهة خاسرة ولا تخدم الامن القومي الأمريكي. او هل ستورط باكستان نفسها في حرب تُفرح الهند التي تتربص بها؟ ثم ان باكستان تمتلك اتفاقا دفاعيا مع السعودية وقعته في ايلول/سبتمبر 2025، والأخيرة لم تفعل اي شيء طوال المدة التي استُهدِفَت بها المملكة، فما الذي سيجعلها تفعل ذلك الان؟ ثم هل ستدخل الدولتان، باكستان وتركيا، في الحرب حول مضيق هرمز حمايةً لمصالح الولايات المتحدة وإسرائيل؟ ثم لماذا تقول صحيفة بريطانية يمينية واسعة الإنتشار ان التحالف بالأساس موجه ضد إيران؟ ولماذا قالت ايران ان ما يكتب على الورق لا يحمي احد؟ ولماذا كانت تحليلات خبراء الأمن في اسرائيل فَرِحةً بهذا الاتفاق واعتبروه يدخل في إطار الصراع السني – الشيعي وهو ما يخدم إستراتيجيتها؟
ثانيا لماذا جرى إغفال مصر في هذا الاتفاق او التحالف؟ والكل يعلم ان مصر هي قوة اقليمية لا يستهان بها، ومحسوبة سياسيا، وكذلك بالمفهوم الطائفي المقيت، على نفس نهج دول الحلف. علما بان مصر ابدت مبكرا جدا استعدادها للمشاركة في حماية دول الخليج، هذا ما صرح به الرئيس المصري اكثر من مرة، وقام بزيارات لبعض دول الخليج لطرح ذلك. ام ان الولايات المتحدة، وإسرائيل بالذات، لا يريدان لأي دولة عربية ان تدخل في هذا التحالف الذي قد يفتح الباب لدول عربية اخرى وبالنتيجة يصبح التحاف بأغلبية عربية؟
ثالثا ربما من الممكن فهم إغفال العراق، بدعوى انه قريب من ايران وان بعض الفصائل تشن هجمات على المملكة الجارة، ولو ان هذا التبرير واهي لأن العراق هو ليس فصائل مسلحة فقط، ولكن كيف يمكن إغفال عُمان التي اصبحت قاب قوسين او ادنى من التوصل الى صيغة تضمن فتح مضيق هرمز؟ وقبل ذلك كانت هي الدولة التي رعت، مع باكستان، توقيع مذكرة التفاهم بين إيران والولايات المتحدة، او الجهود المضنية التي بذلتها الخارجية العمانية، بالتعاون مع قطر، في إبعاد شبه الحرب اكثر من مرة من بداية الأزمة؟
كان يجب ان يكون هذا (التحالف) اوسع ويشمل دولا أخرى مثل إيران ومصر والعراق وعُمان وقطر والأردن في اقل تقدير. هكذا صيغة هي التي يمكن ان تحمي دول الخليج من خطر هجمات إيرانية في المستقبل.
اما الامر الذي يجب ان نحاذره فهو باختصار شديد، محاولات دفع الدول العربية الى مواجهات فيما بينها وحروب جانبية وإقتتال داخلي، مواجهات مسلحة لا تخدم امن ومصالح المنطقة وانما تخدم المصالح الإسرائيلية. الأمثلة على ذلك كثيرة وخاصة اليمن والعراق ولبنان وسوريا.
كنا نتمنى ان نشاهد تحالفا يضع غزة وإقامة دولة فلسطينية كهدف اول، وإدانة إسرائيل على مجازرها وإحتلالها لأراضي فلسطينية ولبنانية وسورية، كنا نتمنى ان نشاهد تحالفا يقول لكيان الإحتلال كفى توسعا وكفى تجاوزا وكفى قتلا وكفى إعتداءا وكفى تنمرا، ويقول للولايات المتحدة لقد فشلتِ في القيام بمهامكِ وما عليكِ سوى اعادة النظر بكل سياستك التي لم تجلب للمنطقة سوى الدمار. تحالفا يقول نحن دول المنطقة قادرين على حماية مصالحنا وامننا وطرق تجارتنا، ولسنا بحاجة الى اطراف اخرى تحاول إبتزازنا ونهب ثرواتنا. فهل سنحصل على هذا التحالف العربي الإسلامي الكبير؟
كاتب واكاديمي عراقي

878 زائر، ولايوجد أعضاء داخل الموقع