مقعد إيران في الأمم المتحدة ... حين تنتقل المعركة من الشارع إلى منصة العالم

سعاد عزيز

مقعد إيران في الأمم المتحدة... حين تنتقل المعركة من الشارع إلى منصة العالم

لم تكن ساحة داغ همرشولد في نيويورك، الثلاثاء، مجرد مساحة أخرى لتجمع احتجاجي على هامش اجتماعات الأمم المتحدة. فبينما كانت الوفود الرسمية تتجه إلى قاعات الجمعية العامة في افتتاح دورتها الحادية والثمانين، كان آلاف الإيرانيين وأنصار المعارضة يوجهون رسالتهم إلى العنوان ذاته، ولكن من خارج الأسوار: من يحق له أن يتحدث باسم إيران عندما يكون صوت الإيرانيين أنفسهم موضع نزاع؟
التظاهرة، التي وثقتها رويترز في نيويورك، جاءت بالتزامن مع انطلاق المناقشة العامة للجمعية العامة التي تستمر حتى 28 سبتمبر، وحملت في واجهتها ملفات الإعدامات والقمع والسجناء السياسيين. لكن دلالتها السياسية تجاوزت هذه الملفات، لأن مريم رجوي جعلت من "مقعد إيران" عنوانا لمعركة أوسع حول التمثيل السياسي ومستقبل البلاد.
في رسالتها إلى المحتشدين، قالت رجوي إن "مقعد إيران ملك للشعب الإيراني"، مطالبة المجتمع الدولي بعدم التعامل مع وجود ممثلي السلطة في الأمم المتحدة باعتباره نهاية المطاف في مسألة تمثيل الإيرانيين. وهذا الطرح، بصرف النظر عن مدى الاتفاق أو الاختلاف معه، يكشف بوضوح أن المعارضة المنظمة تريد نقل المعركة من سؤال انتهاكات النظام إلى سؤال أكثر جوهرية: هل تستطيع سلطة تواجه اتهامات حقوقية متواصلة أن تحتكر وحدها الحديث باسم مجتمع متعدد الأصوات؟
ولا يأتي هذا السؤال في فراغ. فمكتب مفوض الأمم المتحدة السامي لحقوق الإنسان وثق خلال 2026 حالات قال خبراؤه إن أصحابها كانوا معرضين لخطر الإعدام، مع إثارة مخاوف بشأن التعذيب والاحتجاز التعسفي وضمانات المحاكمة العادلة. وفي يوليو/تموز، شملت إحدى هذه الاتصالات اسم أرغوان فلاحي ضمن ستة أشخاص قيل إنهم معرضون لخطر الإعدام.
هنا تحديدا تكمن قوة ملف حقوق الإنسان بالنسبة إلى المعارضة الإيرانية: فهو لا يحتاج إلى أن يبدأ من برنامج سياسي أو من معادلات السلطة، بل من قضية يفترض أن تكون الأمم المتحدة أكثر المؤسسات حساسية تجاهها: حياة الإنسان وحقه في المحاكمة العادلة والاحتجاج والتعبير.
لكن رجوي لم تكتف بهذا الجانب. فقد رفضت أن يكون البديل عن النظام القائم تدخلا عسكريا خارجيا، وربطت التغيير بما وصفته بالمقاومة المنظمة داخل إيران. كما أعلنت رفضها العودة إلى النظام الملكي، لتضع مشروعها في مواجهة مزدوجة مع ما تعتبره شكلين من أشكال الحكم الاستبدادي: ولاية الفقيه والملكية.
وهذه النقطة ليست تفصيلا خطابيا. فالمعارضة التي ظهرت في نيويورك حاولت تقديم نفسها باعتبارها لا تطلب من الخارج أن يصنع التغيير نيابة عن الإيرانيين، بل تطلب منه الاعتراف بحق الإيرانيين في صناعة ذلك التغيير بأنفسهم. وقد كرر هذا المعنى متحدثون أميركيون شاركوا في التجمع، بينهم ويسلي كلارك وكارلا ساندز وكيث كلوغ، بحسب الجهة المنظمة.
وفي المقابل، ينبغي التمييز بين وجود معارضة منظمة في الخارج وبين الادعاء بأنها تمثل جميع الإيرانيين. فالمشهد الإيراني أكثر تعقيدا من أن تختزله جهة سياسية واحدة، سواء كانت داخل البلاد أو خارجها. لكن أهمية ما جرى في نيويورك لا تتوقف على حسم سؤال التمثيل؛ بل تكمن في أن المعارضة استطاعت، مرة أخرى، أن تضع نفسها أمام المؤسسات الدولية باعتبارها طرفا يطالب بمكان في النقاش حول مستقبل إيران.
ولعل المفارقة الأكثر دلالة أن هذا السجال جرى في المكان الذي يفترض أن يكون عنوانا للشرعية الدولية. داخل مبنى الأمم المتحدة كانت الحكومات تتحدث باسم دولها، وخارجه كان معارضون إيرانيون يقولون إن الشعب نفسه يجب ألا يتحول إلى مجرد متلق للقرارات التي تتخذ باسمه.
ومع وجود مسعود بزشكيان في نيويورك للمشاركة في اجتماعات الجمعية العامة، وفي ظل استمرار التوتر بين طهران وواشنطن وعودة الحديث عن مسارات دبلوماسية محتملة، يكتسب المشهد بعدا إضافيا. فقد أصبحت إيران حاضرة في نيويورك بثلاثة مستويات متزامنة: حكومة تفاوض وتدافع عن مواقفها، وقوى دولية تبحث عن احتواء الصراع، ومعارضة تريد أن تقول إن القضية لا تختزل في العلاقة بين طهران والعواصم الأجنبية.
وهنا ربما تكمن الرسالة الأبعد لتظاهرة نيويورك: المعركة على إيران لم تعد تخاض فقط حول ما تفعله السلطة، بل حول من يملك حق الحديث عن مستقبل البلاد.
ذلك أن الإعدامات والسجون والاحتجاجات ليست، في نظر المعارضة، ملفات منفصلة عن سؤال السلطة؛ إنها جزء من معركة أكبر على تعريف الدولة نفسها: هل تكون الدولة صاحبة سلطة على شعبها، أم أن الشعب هو صاحب السيادة عليها؟
من أمام الأمم المتحدة، حاول المعارضون الإيرانيون دفع هذا السؤال إلى قلب المشهد الدولي. أما الإجابة، فلن تحسمها منصة في نيويورك وحدها، وإنما ما يحدث داخل إيران نفسها، حيث يبقى مستقبل أي مشروع سياسي مرهونا بقدرة الإيرانيين على التعبير عن إرادتهم وبناء ترتيبات سياسية تحظى بقبولهم.

  

إذاعة وتلفزيون‏



الساعة حسب توقيت مدينة بغداد

الأبراج وتفسير الأحلام

المتواجدون حاليا

648 زائر، ولايوجد أعضاء داخل الموقع