بحث في تطوير القدرات التسليحية والسياسية الإيرانية بعد حربها مع العراق وتأثير ذلك إقليمياً وعالمياً - الجزء السادس

د. علوان العبوسي
4 – 6 - 2026

بحث في تطوير القدرات التسليحية والسياسية الإيرانية بعد حربها مع العراق
وتأثير ذلك إقليمياً وعالمياً - الجزء السادس

نستكمل البحث. في الجزء الخامس جرى التطرق إلى الصواريخ الباليستية الإيرانية، القصيرة ومتوسطة المدى، والصواريخ الباليستية، والصواريخ الفرط صوتية، والجوالة، والمضادة للدروع، والبحرية، والمضادة للسفن، والزوارق السريعة القاذفة للصواريخ، وأنواع الفرقاطات، والزوارق القاذفة للصواريخ، والغواصات، والروبوتات العسكرية الحاملة للصواريخ، ثم الطوربيدات الإيرانية، في هذا الجزء سيتم بحث المواضيع التالية.

الاستراتيجية النووية الإيرانية
بدأ البرنامج النووي الإيراني رسمياً عام 1957 في عهد الشاه محمد رضا بهلوي ضمن مشروع أمريكي أطلقت عليه الولايات المتحدة تسمية "الذرة من أجل السلام" لمساعدة حلفائها على استخدام الطاقة النووية للأغراض السلمية (1.)
بعد الثورة الخمينية عام 1979 توقفت أغلب المشاريع النووية الإيرانية، وغادرت الشركات الغربية إيران.
ولكن عند اندلاع الحرب العراقية–الإيرانية (1980–1988) تغيّر التفكير الإيراني تدريجياً، وشعرت قيادتها بالحاجة إلى ردع استراتيجي، في هذا الوقت أعادت إيران إحياء برنامجها النووي بصورة تدريجية.
فعملت على تطوير البنية التحتية النووية وتدريب العلماء بالتعاون مع روسيا والصين وباكستان، وباشرت إكمال مفاعل بوشهر بالتعاون مع روسيا وإنشاء منشأة نطنز لتخصيب اليورانيوم، وإنشاء مفاعل الماء الثقيل في أراك. كما ظهرت اتهامات بأن العالم الباكستاني عبد القدير خان نقل تقنيات تخصيب اليورانيوم إلى إيران. (2)
بحلول 2025–2026 أصبح البرنامج النووي الإيراني أكثر تقدماً بكثير مما كان عليه بعد الحرب العراقية الإيرانية، ومن أهم المنشآت النووية الإيرانية هي:
• نطنز: وهي مركز التخصيب الرئيسي.
• فوردو: وهي محطة لتخصيب الوقود النووي تقع قرب مدينة قم ومحصنة داخل جبل.
• أراك: مفاعل الماء الثقيل.
• بوشهر: محطة الطاقة النووية.
• أصفهان: لتحويل خام اليورانيوم الطبيعي إلى مادة غازية.
حفزني ما يجري من اختلاف الآراء في اللقاءات الأمريكية والأوروبية حول موضوع الاتفاق النووي مع إيران ومحتمل إنتاجها للسلاح النووي بعد رفعها نسب التخصيب المقرر لها رسمياً وهي حوالي 4% وفق الاتفاق الدولي المبرم في فيينا عام 2015، ثم إلى 20% باجتهاد إيراني، واليوم بعد استهداف منشأة نطنز لتخصيب اليورانيوم في أصفهان، باتت إيران تهدد برفع نسب التخصيب إلى 60%، ومن شأن هذه النسبة أن يجعل إيران قادرة على الانتقال بسرعة إلى نسبة 90% وأكثر، وهي المعدلات المطلوبة لأغراض عسكرية.
إن ما جرى من تباينات في البرامج النووية للعراق وإيران مع المجتمع الدولي واحتمال قبوله بعودة الاتفاق النووي والتمدد الإيراني في هذا المجال رغم معرفة هذا المجتمع بنوايا إيران العدوانية تجاه العروبة والعالم بأسره، وهذه حقيقة وفق ما جاء بنواياها التي أوضحتها المادة الثانية من دستورها الوطني، ولو توسعنا قليلاً وتطرقنا إلى البرنامج النووي العراقي عند المباشرة ببنائه للأغراض السلمية، وعند البدء بالبناء تم تدميره في عام 1981 من قبل إسرائيل عندما كان العراق منشغلاً في حربه مع إيران وبالتالي تدمير كل ما يتعلق بهذا البرنامج في عام 1991، إذن هناك غايات وأهداف من بقاء التمدد الإيراني بإنشاء وتوسيع اهتمامه النووي.
قد يعتقد البعض بأن امتلاك إيران سلاحاً نووياً سيحقق توازناً في المجال العسكري مع الكيان الصهيوني، إلا أن حقيقة الأمر غير ذلك، فليس الكيان الصهيوني هو من يستشعر بخطر السلاح النووي، بل الدول العربية ستقع في دائرة الخطر الإيراني للأسباب التالية: أثبت التاريخ أن إيران تنتظر أي فرصة لتطبيق أجندتها التوسعية ولا تتورع عن جعل الدول العربية القريبة ضمن مجالها الحيوي مسرحاً لها، وكانت البداية بعد حربها مع العراق في تدخلها السافر في لبنان وسوريا والعراق واليمن بناءً على مبدأ ولاية الفقيه، وإذا ما حصلت على السلاح النووي فإن ذلك سيوفر لها غطاءً عسكرياً مثالياً لتحقيق مهامها في التدخل بباقي دولنا العربية وباقي دول العالم.
إيران تسعى للمضي ببرنامجها النووي لكي تحصل على سلاح نووي تشهره في وجه خصومها لمجرد حصولها عليه ثم تعلن نفسها دولة إقليمية نووية، تهدد به جيرانها إقليمياً ودولياً.
برنامج الفضاء الإيراني
بدأ برنامج الفضاء الإيراني في عام 1960، لكن مساره تغير بعد الثورة الإيرانية، ما بين الإخفاق والنجاح، وفشلت محاولات التعاون مع الخارج والاعتماد على الذات، يتكامل فيها المدني مع العسكري.
وقد مر البرنامج الفضائي الإيراني بثلاث مراحل أساسية؛ المرحلة الأولى ما بعد الثورة وحتى نهاية الحرب العراقية الإيرانية عام 1988، وقتها استفادت إيران عسكرياً من خدمات الأقمار الصناعية العابرة من أجوائها والتي تعمل في مجالات الاستشعار عن بعد (Remote Sensing) وأنظمة (GPS) وأقمار الاتصالات (Telecommunications) والتي استخدمت في بث برامج التلفاز الحكومي. وبعد انتهاء الحرب، بدأت المرحلة الثانية مع تسارع حركة البناء والإعمار في البلاد والحاجة الملحة إلى الصور والمعلومات الجوية والفضائية لتقييم ودراسة سطح الأرض والجغرافيا الإيرانية، بغية رسم خطط جغرافية لتوسيع شبكات الطرق والمياه والكهرباء وخطوط النفط والغاز. فيما اتسمت المرحلة الثالثة بالتوجه نحو بناء الأقمار الصناعية منذ مطلع الألفية الثالثة، خاصة بعد اشتداد العقوبات الغربية وزيادة عدد خريجي العلوم والصناعات الفضائية في البلاد، وهو تخصص تقدمه 15 جامعة إيرانية، ومن وقتها عمل القطاعان الحكومي والخاص على خطة التصنيع.
في 15 حزيران / يونيو 2011، أرسلت إيران إلى الفضاء أول قمر صناعي بحثي في مجال التصوير حمل اسم (رصد) بوزن 15.3 كيلوغراماً (3)، وبقي في مدار 260 كيلومتراً ثلاثة أسابيع، يُصنف هذا القمر ضمن الفئات الصغيرة بسبب القدرات المحدودة لمجموعة صواريخ سفير الحاملة لهذه الأقمار.
وقد أطلق الحرس الثوري الإيراني أول قمر صناعي عسكري في 22 نيسان / أبريل 2020، بحسب وكالة (سباه نيوز) التابعة للحرس، التي ذكرت أن القمر (نور 1) وُضع بنجاح عبر صاروخ (قاصد) في مدار على بعد 425 كلم عن الأرض، كما أطلق الحرس الثوري، في 8 آذار / مارس 2022، قمر نور 2 إلى الفضاء، بمدار 500 كيلومتر من الأرض، (مهمة القمر استشعار واستطلاع) (4.(
أنواع الصواريخ الفضائية الإيرانية
• عائلة صواريخ كاوشكر الفضائية: تتألف من كاوشكر 1، 2، 3، 4، 5. وهي عبارة عن صواريخ فضائية بصناعة إيرانية، تم إطلاق ناجح لكاوشكر-1 في 4 / 2 / 2008، ووصل إلى ارتفاع 200 كيلومتر وذلك في إطار تدشين أول مركز فضائي في إيران، تمهيداً لإطلاق أول قمر صناعي في آذار / مارس 2009م. وقد تم افتتاح هذا المركز الفضائي لأول مرة في إيران، ليكون مركزاً لإطلاق الصواريخ الفضائية في البلاد مستقبلاً. أما كاوشكر-2، فهو صاروخ فضائي يتألف من ثلاثة أجزاء هي: صاروخ إطلاق، ومختبر فضائي، وجزء مصمم للعودة إلى الأرض. كاوشكر -3 ينتمي إلى تكنولوجيا الصواريخ الباليستية بعيدة المدى، ويمكن أن يُستخدم أيضاً لحمل رؤوس نووية. كاوشكر-4، هذا الصاروخ مصمم لحمل كائنات حية إلى الفضاء.
• عائلة صواريخ سفير الفضائية: تتألف من سفير 1، 2، 3، وهي صواريخ من صناعة إيرانية ذات مديات بعيدة لها القدرة على حمل الأقمار الصناعية لأبعاد تصل إلى 1000 كلم في مدار حول الأرض، وللعلم فإن إيران تمكنت من إرسال أربعة أقمار صناعية في الفترة بين 2009 – 2012 (5(
• صاروخ سيمرغ: هو صاروخ حامل للأقمار الصناعية مداري متعدد المراحل إيراني الصنع ذو أربع محركات، قام بأول رحلة إطلاق له في شباط / فبراير 2010م، ومن ردود الفعل الدولية حول إطلاق هذا الصاروخ، ما صدر عن وزارة الخارجية الأمريكية التي اعتبرت أن إطلاقه عمل استفزازي وانتهاك لقرارات مجلس الأمن الدولي ولروح الاتفاق النووي الموقع بين إيران والسداسية الدولية (6.)
• صاروخ قاصد: هو صاروخ إيراني حامل للأقمار الصناعية، والذي يعمل بثلاث مراحل وبوقود مزيج من الصلب والسائل وهو ما يطلق عليه (بالوقود المركب)، وقد اعترفت الولايات المتحدة الأمريكية بنجاح إيران بإطلاق أول قمر صناعي عسكري لها.
• صاروخ ذو الجناح: صاروخ فضائي إيراني الصنع، حامل للأقمار الصناعية. يعمل على ثلاث مراحل، مرحلتان باستخدام الوقود الصلب، إلى جانب المرحلة الثالثة وهي مرحلة الوقود السائل التكميلي.

المواقع الصاروخية للحرس الثوري الإيراني
• ميدان شاهرود لفحص المحركات وإطلاق الصواريخ الباليستية والفضائية: وهي منشأة اختبار لمحركات الوقود الصلب في شاهرود، والتي يحتمل أن تكون للصواريخ بعيدة المدى أيضاً، تم بناؤه في أواخر الثمانينيات بمساعدة من الصين وكوريا الشمالية وخضعت لتوسع كبير بدأ من حوالي عام 2011. على بعد بضعة كيلومترات من منصة الإطلاق الرئيسية توجد فوهة بركان تضم العديد من منصات الاختبار الأفقية لمحركات الوقود الصلب الكبيرة والمتوسطة.
• مركز سمنان الفضائي: هو أحد مواقع الإطلاق الفضائية واختبار الصواريخ الإيرانية، بدأ بناء منشآته عام 2003 وتتلقى العديد من التحسينات الرئيسية في السنوات الأخيرة بما في ذلك وسادة خرسانية مع برج دعم متنقل. في الآونة الأخيرة، شهد الموقع إطلاقين فضائيين فاشلين؛ الأول في 15 كانون الثاني / يناير 2019 حيث فشل صاروخ من نوع Simorgh يحمل قمر اتصالات إيرانياً لأن سرعة إطلاقه كانت بطيئة جداً، الإطلاق الثاني فشل في أوائل شباط والأسباب غير معروفة.



(7)
العلاقة بين البرنامج الفضائي الإيراني وبرنامجه الصاروخي
هذه العلاقة تتبع بناءً على التقنيات الأساسية المستخدمة في إطلاق الأقمار الصناعية التي تتقاطع بدرجة كبيرة مع تقنيات تطوير الصواريخ الباليستية بعيدة المدى.
التصميم أدناه يوضح هذه العلاقة الفنية:

البعد العسكري للبرنامج الفضائي للحرس الثوري الإيراني
أطلقت القوة الجوفضائية للحرس الثوري أقمار نور العسكرية التي تُستخدم في عمليات الاستطلاع التصويري لجمع المعلومات في دعم العمليات العسكرية المختلفة، وعليه تأكد للغرب أن البرنامج الفضائي الإيراني ليس مدنياً بالكامل.
الأقمار العسكرية وأثرها العملياتي
الأقمار الإيرانية العسكرية تمنح طهران مراقبة التحركات العسكرية المعادية، وتحسين دقة الضربات الجوية، وتأمين الاتصالات الآمنة، ومتابعة مهام الملاحة البحرية، ودعم فعاليات الطائرات المسيّرة والصواريخ. رغم أن دقتها ما تزال أقل من الأقمار الغربية المتطورة، لكنها تمثل نقلة نوعية مقارنة بما كانت عليه إيران قبل عقدين.



(8)
تابعونا في الجزء السابع.
المصادر:
1. الجزيرة نت.
2. أبرز محطات المفاوضات بشأن البرنامج النووي الإيراني منذ 1957 - الجزيرة نت (البرنامج النووي الإيراني).
3. قناة العالم الإخبارية: القمر الصناعي رصد يرسل أول صورة للأرض.
4. البرنامج الفضائي الإيراني: انطلاقة مدنية تُوّجت بأقمار عسكرية، صابر عنبري: 4 / 9 / 2022.
5. شبكة المعلومات الدولية ويكيبيديا.
6. أعضاء مجلس الأمن الدائمون + ألمانيا.
7. الصورة عن طريق الذكاء الاصطناعي.
8. نفس المصدر السابق.

  

إذاعة وتلفزيون‏



الساعة حسب توقيت مدينة بغداد

الأبراج وتفسير الأحلام

المتواجدون حاليا

946 زائر، ولايوجد أعضاء داخل الموقع