
طارق الهاشمي
السلاح والدولة: لماذا لم يعد التأجيل ممكنًا ؟
في خضم التحولات السياسية والأمنية التي يشهدها العراق، عاد ملف حصر السلاح بيد الدولة إلى واجهة النقاش الوطني، ليس بوصفه شعارًا سياسيًا عابرًا، بل باعتباره أحد أهم شروط بناء الدولة واستعادة هيبتها وسيادتها.
لقد مثّل الإعلان عن دعم مبدأ حصر السلاح بيد الدولة، وما رافقه من استعداد بعض الفصائل المسلحة لتسليم سلاحها طوعًا ، تطورًا يستحق التوقف عنده بعناية ومسؤولية. فالمسألة لا تتعلق بربح فريق سياسي أو خسارة آخر، بل بمستقبل العراق ذاته.
إن حصر السلاح بيد الدولة ليس ترفًا سياسيًا، ولا مطلبًا نظريًا يطرحه المثقفون أو القانونيون فحسب، بل هو ضرورة وجودية لبقاء الدولة نفسها. فمن يملك السلاح يملك القدرة على فرض الإرادة، ومن يفرض الإرادة يمتلك التأثير في القرار، ومن يهيمن على القرار ينازع الدولة سلطتها واختصاصها الأصيل. وفي الدولة الحديثة لا سلطة تعلو على سلطة القانون، ولا شرعية تعلو على شرعية المؤسسات الدستورية.
لقد أثبتت تجارب الأمم أن تعدد مراكز القوة المسلحة يؤدي، عاجلًا أم آجلًا، إلى إضعاف الدولة وتقويض قدرتها على أداء وظائفها الأساسية. فلا يمكن أن تنهض دولة قوية فيما القرار موزع بين جهات متعددة، ولاءاتها عابرة لحدود الوطن ، ولا يمكن للمواطن أن يشعر بالأمان إذا تعددت الجهات التي تمتلك حق استخدام القوة خارج الإطار القانوني.
سياسيًا، يؤدي انتشار السلاح خارج مؤسسات الدولة إلى إضعاف العملية الديمقراطية وتشويه التنافس السياسي، فتتحول بعض المؤسسات إلى واجهات شكلية، بينما تُصنع القرارات الحقيقية في أماكن أخرى. كما يفقد النظام السياسي قدرته على إنتاج الحلول الوطنية المستقلة، وتتراجع ثقة المواطن بجدوى المشاركة السياسية.
واجتماعيًا، تنتشر ثقافة الخوف بدل ثقافة القانون، وتتراجع الثقة بين المواطنين، وتضعف هيبة الدولة، وتزداد احتمالات العنف والتصفيات والابتزاز والنزاعات المسلحة. وفي مثل هذه البيئات يصبح الشباب أكثر عرضة للإحباط واليأس، وتُقتل الأحلام قبل أن ترى النور.
أما اقتصاديًا، فإن الاستثمار لا يزدهر في بيئة مضطربة، ورأس المال بطبيعته يبحث عن الاستقرار والأمان. وعندما تنتشر الجماعات المسلحة خارج سلطة الدولة، و تتعدد ولاءاتها ، تتراجع فرص التنمية، وينمو اقتصاد التهريب والمخدرات والفساد والجريمة المنظمة، فيما تبقى الموارد الوطنية عاجزة عن تحقيق الرفاه الذي يستحقه المواطن.
لقد كان العراقيون بحاجة منذ سنوات إلى التعامل مع مشروع حصر السلاح بوصفه مشروعًا وطنيًا جامعًا، لا عنوانًا للخلاف أو التخوين أو الشك المتبادل. واليوم تبدو الفرصة أكثر نضجًا من أي وقت مضى لفتح صفحة جديدة، تُبنى فيها الثقة بين مكونات المجتمع، وتتعزز فيها مؤسسات الدولة، ويُعاد الاعتبار لمبدأ المواطنة وسيادة القانون.
إن الدولة القوية ليست تلك التي تتنافس مع مواطنيها على امتلاك القوة، بل تلك التي تحتكر استخدام القوة وفق الدستور والقانون، وتحمي جميع مواطنيها دون تمييز، وتضمن الحقوق والحريات والعدالة للجميع.
إن نجاح أي مشروع للإصلاح السياسي أو الاقتصادي أو الاجتماعي سيظل ناقصًا ما لم يُستكمل ببناء دولة تحتكر السلاح الشرعي وتمارس سلطتها كاملة على جميع أراضيها ومؤسساتها. فهذه ليست رغبة فريق سياسي، ولا مطلب مرحلة عابرة، وإنما قاعدة استقرت عليها تجارب الدول الناجحة كافة.
واليوم، إذا صدقت النوايا وتوفرت الإرادة السياسية، فإن العراق يمتلك فرصة حقيقية للانتقال من دولة مجروحة السيادة ، تتنازعها مراكز القوة إلى دولة يحتكم الجميع فيها إلى الدستور والقانون.
لقد دفع العراقيون أثمانًا باهظة من دمائهم وأموالهم واستقرارهم خلال العقود الماضية، وحان الوقت لأن تُطوى صفحات الانقسام ومراكز القوة المتعددة، وأن يستعيد العراق صورته الطبيعية: دولة واحدة، بجيش واحد، وقرار واحد، ولاء واحد ، وسلاح واحد يخضع للدستور والقانون.
إن حصر السلاح بيد الدولة ليس انتصارًا لطرف على آخر، بل انتصار للعراق كله؛ للدولة على الفوضى، وللقانون على القوة، وللمستقبل على إرث الصراعات. وما من طريق أقصر إلى الأمن والاستقرار والتنمية من دولة قوية عادلة، يحتكم إليها الجميع وتحمي الجميع بلا استثناء …
ولعل خير ما نختم به قول الله تعالى:
﴿إِنْ أُرِيدُ إِلَّا الْإِصْلَاحَ مَا اسْتَطَعْتُ ۚ وَمَا تَوْفِيقِي إِلَّا بِاللَّهِ ۚ عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ وَإِلَيْهِ أُنِيبُ﴾.

586 زائر، ولايوجد أعضاء داخل الموقع