
د.سعد العبيدي
سلطة الرمز في الوعي الجمعي العراقي
في المجتمعات التي تضعف فيها سلطة القانون، أو تتراجع قدرة الدولة على فرض مرجعية واحدة للضبط المجتمعي، تنشأ حالةٌ من استبطان الرهبة السلطوية (الخوف الراسخ من رموز السلطة) ، تتأسس على مراكز قوة موازية لمراكز الدولة، تكتسب هي ورموزها قدرة التأثير (الاخافة- التجنب- التقديس) في المجتمع تتجاوز ما يحدده القانون. ومع مرور الوقت، يعتاد الناس التعامل معها على أساس ما يُنسب إليها من إمكانية منح أو منع، أو إحداث الضرر أو توفير الحماية، أكثر من اعتمادهم على موقعها القانوني أو سلطتها الفعلية في الدولة.
ويُعد المجتمع العراقي نموذجًا واضحًا لهذه الظاهرة؛ إذ شهد، على مدى عقود متواصلة، صورًا متعددة من السلطات الموازية. ففي حقبة سابقة ارتبطت الرهبة السلطوية بالمقاومة الشعبية، ثم الحرس القومي، ثم حزب البعث والجيش الشعبي. وفي مرحلة لاحقة برزت قوى مسلحة ورموز سياسية ودينية اكتسب بعض أفرادها، في نظر شريحة من المجتمع، تأثيرًا تجاوز حدود سلطتهم الرسمية، ليتحولوا تدريجيًا إلى سلطةٍ رمزية تستند إلى ما استبطنه الناس من رهبة تجاههم. وهذه حالة لا تنشأ دفعة واحدة، كما لا تنشأ السلطات الموازية مكتملة التأثير منذ البداية، وإنما تبدأ غالبًا من قدرة محدودة على تقديم منفعة، أو توفير حماية، أو تعطيل إجراء. ثم تتسع مكانتها كلما تكررت استجابة الناس لها، وتسامحت الدولة معها أو عجزت عن الحد من نفوذها، لتتحول تدريجيًا من قدرة عملية إلى نفوذ اجتماعي، ومع تكرار هذا الاقتران ينتقل النفوذ من الأشخاص إلى الرموز المرتبطة بهم، لتبدأ الرهبة بالاستقرار في الوعي الجمعي بوصفها استجابة تلقائية أكثر منها حكمًا عقليًا. وعند هذه المرحلة، لا تعود استجابة الناس قائمة على حدود السلطة الفعلية، وإنما على ما استبطنوه عنها؛ فيقترب بعضهم منها طلبًا للحماية أو المنفعة، ويبتعد آخرون خشية الضرر، بينما يبالغ فريق ثالث في تمجيدها وإضفاء صفات استثنائية عليها، بوصف ذلك آلية نفسية تمنحهم شعورًا بالأمان وتخفف من قلقهم في المواجهة.
وتكمن خطورة هذه الظاهرة في أنها لا تضعف مرجعية الدولة فحسب، وإنما تُعلِّم المجتمع الخوف. فمع تكرار اقتران الرمز بالقدرة على المنح أو المنع أو العقاب، تتحول الرهبة إلى استجابة نفسية مستبطنة، تستدعي الحذر والصمت تلقائيًا. ومع الزمن، لا يعود كثير من الناس يقيسون الرمز بحدود سلطته الحقيقية، بل بما استقر في أذهانهم من قدرة متخيَّلة على الإيذاء أو المنفعة، فيترددون في الاعتراض، وقد ينتهي الأمر ببعضهم إلى تمجيده، حتى عندما تتعارض ممارساته مع القانون أو القيم الاجتماعية. ويمكن ملاحظة ذلك بوضوح في وقتنا الراهن؛ إذ يتجنب كثير منا انتقاد بعض الشخصيات السياسية أو الدينية التي اكتسبت رمزية نافذة، بسبب ما استقر في النفوس من رهبة تجاهها. وبتقادم الأيام، ترسخت هذه الرهبة حتى دفعت كثيرين إلى الصمت خشية التعرض للأذى، رغم غياب خطر حقيقي في كثير من الحالات. وهنا لم يعد السلوك استجابةً لواقع قائم، بقدر ما أصبح استجابةً لاقتران نفسي ربط الرمز بإمكان العقاب أو الضرر.
إن استبطان الرهبة السلطوية، في ظل وجود الفصائل المسلحة والأحزاب الدينية المؤدلجة، حالة خطرة تستدعي معالجة سريعة، لا بمواجهة الرموز ذاتها، وإنما بإزالة البيئة التي أنتجتها؛ من خلال استعادة القانون مرجعيته الوحيدة في الضبط المجتمعي، وتجريد السلطات الموازية من السلاح ومن قدرتها على المنح أو المنع. ومع تكرار خضوع الجميع للقانون، يتفكك الاقتران النفسي بين الرمز والرهبة، ويعود الرمز إلى حدوده الطبيعية، بوصفه وظيفةً أو صفةً اجتماعية أو منزلةً دينية، لا مصدرًا للخوف أو التقديس.
***

695 زائر، ولايوجد أعضاء داخل الموقع