رسالة سياسية تعيد الشعب الإيراني إلى قلب المعادلة

سعاد عزيز

رسالة سياسية تعيد الشعب الإيراني إلى قلب المعادلة

في ظل التطورات المتسارعة التي تشهدها القضية الإيرانية والتجاذبات الإقليمية والدولية المرتبطة بها، تكتسب المظاهرة المزمع تنظيمها في العاصمة الفرنسية باريس يوم 20 يونيو 2026، أهمية خاصة تتجاوز حدود كونها تجمعا احتجاجيا تقليديا. فهذه الفعالية، التي يتوقع أن يشارك فيها أكثر من مئة ألف من أبناء الجاليات الإيرانية وأنصارهم من مختلف الجنسيات، تحمل في طياتها رسائل سياسية وإنسانية تسعى إلى إعادة تسليط الضوء على الطرف الذي غالبا ما يغيب عن الحسابات الدولية المتعلقة بإيران، وهو الشعب الإيراني ومقاومته المنظمة.
لقد انشغلت الأطراف الدولية خلال السنوات الماضية بملفات متعددة تتعلق بإيران، بدءا من البرنامج النووي مرورا بالنفوذ الإقليمي ووصولا إلى القضايا الأمنية والعسكرية. غير أن هذه المقاربات كثيرا ما تعاملت مع الأزمة الإيرانية بوصفها صراعا بين حكومات وقوى دولية، بينما ظل الشعب الإيراني، الذي يتحمل التبعات المباشرة للسياسات الداخلية والخارجية للنظام، خارج دائرة الاهتمام الفعلي. ومن هنا تأتي أهمية مظاهرة باريس التي تسعى إلى التأكيد على أن أي رؤية مستقبلية لإيران لا يمكن أن تكون واقعية أو مستدامة ما لم تضع إرادة الشعب الإيراني في مركز المعادلة.
وتحمل المظاهرة رسالتين أساسيتين. الأولى ذات طابع إنساني وحقوقي، تتمثل في رفع شعار "لا للإعدام" احتجاجا على تصاعد وتيرة الإعدامات السياسية في إيران. فملف حقوق الإنسان بات أحد أكثر الملفات إثارة للقلق لدى المنظمات الدولية والحقوقية، خصوصا مع استمرار تنفيذ أحكام الإعدام بحق معارضين ونشطاء ومعتقلين سياسيين. ومن خلال هذا الشعار، يسعى المشاركون إلى لفت انتباه الرأي العام العالمي إلى معاناة آلاف العائلات الإيرانية وإلى ضرورة اتخاذ موقف أكثر حزما تجاه الانتهاكات المستمرة للحقوق الأساسية.
أما الرسالة الثانية فهي سياسية بامتياز، إذ تؤكد رفض الشعب الإيراني لجميع أشكال الحكم الاستبدادي، سواء تلك التي ارتبطت بالنظام الملكي السابق أو تلك التي يمثلها النظام الديني القائم حاليا. ويعبر هذا الموقف عن تطلع شريحة واسعة من الإيرانيين إلى بناء دولة حديثة تقوم على أسس الديمقراطية والتعددية السياسية وسيادة القانون واحترام حقوق الإنسان، بعيدا عن أي شكل من أشكال الحكم الفردي أو العقائدي.
وتكتسب هذه الرسالة أهمية إضافية في وقت تتزايد فيه التساؤلات حول مستقبل إيران وإمكانية حدوث تحولات سياسية عميقة فيها. فالمشاركون في المظاهرة يسعون إلى التأكيد على أن البديل عن الاستبداد ليس الفوضى، وإنما إقامة جمهورية ديمقراطية تستند إلى إرادة المواطنين وصناديق الاقتراع، وتكفل المساواة بين جميع أبناء الشعب الإيراني بغض النظر عن انتماءاتهم القومية أو الدينية أو الفكرية.
كما أن الحضور الجماهيري الكبير المتوقع للمظاهرة من شأنه أن يوجه رسالة إلى المجتمع الدولي مفادها أن هناك قوة اجتماعية وسياسية واسعة تطالب بالتغيير الديمقراطي وتبحث عن مستقبل مختلف لإيران. وبذلك تتحول المظاهرة من مجرد حدث احتجاجي إلى منصة سياسية تعبر عن رؤية بديلة لمستقبل البلاد، وتؤكد أن الشعب الإيراني ليس مجرد متلق لنتائج الصراعات الدولية، بل هو فاعل رئيسي يجب أن يكون حاضرا في أي نقاش يتعلق بمصير إيران.
إن مظاهرة 20 يونيو في باريس تمثل، وفق هذا المنظور، محاولة لإعادة التوازن إلى النقاش الدائر حول إيران، عبر إبراز صوت الإيرانيين أنفسهم ومطالبهم السياسية والإنسانية. وبينما تتواصل الحسابات الإقليمية والدولية المرتبطة بالملف الإيراني، يبقى السؤال المطروح هو مدى استعداد المجتمع الدولي للإصغاء إلى هذا الصوت وإدراج تطلعات الشعب الإيراني ضمن أي معادلة تسعى إلى تحقيق الاستقرار والسلام في المنطقة.

  

إذاعة وتلفزيون‏



الساعة حسب توقيت مدينة بغداد

الأبراج وتفسير الأحلام

المتواجدون حاليا

895 زائر، ولايوجد أعضاء داخل الموقع