
روبيرت ملحم
العراق بين الصمت الرسمي والتسريبات الخطيرة: هل فقدت الدولة السيطرة على أراضيها؟
جدل (القواعد الإسرائيلية السرية) يكشف عمق الإخفاق الحكومي والانهيار السيادي
في بلد يفترض أنه يمتلك جيشاً وأجهزة أمنية ومؤسسات سيادية، أصبح العراقيون يستيقظون كل يوم على تسريب جديد أو رواية أخطر من سابقتها، قواعد سرية، طائرات مجهولة، صواريخ تعبر الأجواء، وفصائل تتوعد بالحرب، بينما تقف الحكومة في بغداد أمام الكاميرات لتكرر الجملة ذاتها (لا توجد معلومات مؤكدة).
ملف الحديث عن قواعد إسرائيلية سرية داخل العراق لم يعد مجرد إشاعة عابرة على مواقع التواصل الاجتماعي، بل تحول إلى قضية رأي عام تكشف حجم الانهيار الذي وصلت إليه هيبة الدولة العراقية. فحين تنتشر تقارير تتحدث عن نشاطات استخبارية ومواقع غامضة في صحراء الأنبار والنخيب، ويبدأ الإعلام الإقليمي والدولي بتداول أسماء مناطق وإحداثيات وتحركات، فإن السؤال لم يعد: هل هذه القواعد موجودة أم لا؟ بل: لماذا يبدو العراق عاجزاً عن إقناع شعبه بأنه يسيطر فعلاً على أرضه؟
الحكومة العراقية سارعت إلى النفي، كما تفعل دائماً في كل أزمة محرجة، لكن المشكلة أن المواطن العراقي لم يعد يثق بسهولة بهذا النفي، فالتجارب السابقة علمته أن كثيراً من الحقائق لا تظهر إلا بعد سنوات، وأن الدولة كثيراً ما تتعامل مع الملفات الحساسة بمنطق احتواء الغضب لا بمنطق الشفافية والمحاسبة.
كيف يمكن لحكومة تتحدث يومياً عن السيادة الوطنية أن تفسر للشعب العراقي استمرار اختراق الأجواء بالطائرات المسيّرة والصواريخ؟ وكيف يمكن لدولة تمتلك عشرات الأجهزة الأمنية أن تبدو عاجزة عن تقديم رواية واضحة ومقنعة حول ما يجري في عمق صحرائها الغربية؟
الأخطر أن هذه التسريبات لا تأتي في وقت طبيعي، بل في لحظة إقليمية شديدة التوتر، حيث تتصاعد المواجهة بين إسرائيل وإيران، وتتحول المنطقة بأكملها إلى حقل ألغام سياسي وعسكري. وفي كل مرة يشتد فيها الصراع يظهر العراق كأضعف الحلقات وكأنه أرض مستباحة للجميع، الأمريكيون يتحركون، الإيرانيون يتمددون، الفصائل المسلحة تتوعد، وإسرائيل تتهم بتنفيذ عمليات سرية، بينما الحكومة العراقية تكتفي بالبيانات الدبلوماسية الباردة.
المواطن العراقي يرى المشهد بوضوح مؤلم بلد غني بالنفط والثروات، لكنه عاجز حتى عن حماية أجوائه وحدوده، دولة تصرف عليها مليارات الدولارات سنوياً تحت عنوان الأمن والدفاع، لكن الناس ما زالوا يتساءلون من يسيطر فعلاً على الأرض، الحكومة أم الجماعات المسلحة (الميليشيات والفصائل) أم القوى الخارجية؟
الكارثة الأكبر أن هذا الضعف الحكومي فتح الباب أمام جميع الأطراف لتحويل العراق إلى ساحة رسائل إقليمية، أي توتر بين طهران وتل أبيب ينعكس فوراً على بغداد وأربيل، العراق لم يعد لاعباً مستقلاً بل بات أشبه بمنطقة عبور للأزمات والحروب والاستخبارات.
وفي ظل هذا المشهد، تتصرف الطبقة السياسية وكأنها تعيش في عالم آخر، الأحزاب منشغلة بالصراع على المناصب والموازنات وتقاسم النفوذ، بينما الشارع يغرق بالفقر والبطالة والخوف من مستقبل مجهول، المواطن العراقي لم يعد يطلب الرفاهية؛ أصبح يريد فقط دولة طبيعية لا تذكر يومياً في تقارير الحروب والتجسس والصراعات الدولية.
حتى البرلمان، الذي يفترض أن يمارس الرقابة والمساءلة، بدا غائباً أو عاجزاً عن فتح تحقيقات شفافة وحقيقية حول هذه الملفات الحساسة لا لجان جادة، لا كشف للحقائق، لا محاسبة مجرد بيانات وتصريحات إعلامية سرعان ما تختفي وسط ضجيج الأزمات الجديدة.
الأسوأ من ذلك أن بعض القوى المسلحة وجدت في هذه التسريبات فرصة ذهبية لتصعيد خطابها العسكري والسياسي، ما يهدد بدفع العراق نحو مواجهة لا ناقة للشعب فيها ولا جمل. فكل طرف يحاول استثمار الملف لصالحه، بينما يبقى المواطن العراقي الضحية الدائمة لأي انفجار أمني أو اقتصادي قادم.
اليوم، لم يعد السؤال إن كانت هناك (قاعدة إسرائيلية) هنا أو هناك، بل السؤال الأخطر: هل ما زالت الدولة العراقية قادرة على فرض سيادتها فعلاً؟ وهل القرار العراقي ما زال يصنع في بغداد، أم أصبح موزعاً بين العواصم الإقليمية وغرف الاستخبارات الدولية؟
العراقيون يدركون أن الدول القوية لا تكتفي بالنفي الإعلامي، بل تقدم حقائق وتحقيقات وإجابات واضحة. أما استمرار الغموض، فهو لا يزيد إلا من حجم الشكوك والغضب الشعبي. فحين يشعر المواطن أن حكومته لا تملك السيطرة الكاملة على الأرض والسماء، فإن أخطر ما ينهار ليس الأمن فقط، بل الثقة بالدولة نفسها.
وإذا استمر هذا النهج المرتبك، فقد يجد العراق نفسه قريباً أمام واقع أكثر خطورة، بلد تتصارع فوق أرضه أجهزة الاستخبارات والجيوش والفصائل، بينما الحكومة تراقب المشهد من خلف بيانات النفي التقليدية، وعندها لن تكون أزمة قواعد سرية فقط، بل أزمة وطن فقد القدرة على حماية سيادته ومستقبله.

773 زائر، ولايوجد أعضاء داخل الموقع