
ابراهيم الولي*
النظام العالمي والجيوبوليتيكا
• مقدمة
• النظام العالمي الجديد New World Order
النظام العالمي يقصد به الألتزام من دول العالم بضمير جمعي يتجرد من أنانية الكبار وأن تكون العلاقات الدولية متوازنة تأخذ بنظر الإعتبار متطلبات وتطلعات الدول المتوسطة والصغيرة في مجنمع انساني تحكمه الشفافية والنزاهة دون الإعتماد على قطب واحد في الساحة الدولية. يكاد يجمع المفكرون بأن مؤتمر صلح ويستفاليا 1646-1648 كان أفضل نموذج متوازن للتسامح والمساواة بين الدول صغيرها وكبيرها بصرف النظر عن القومية والدين، فقد جاء هذا المؤتمر بقيم انهت حروب اوروبية طاحنة ثم جاء نابليون بحملاته العسكرية خصوصا في روسيا ليقضي على روح التسامح والاعتراف بالآخر الذي اختطفه وستفاليا.
على أن العالم أعاد الكرّة بعد هزيمة نابليون بالدعوة إلى مؤتمر فينا 1815 لإحياء التوازن الدول Congress of Vienna الذي ترأسه مترنيخ وزير خارجية النمسا ومعه ممثلو بريطانيا وروسيا وفرنسا وبروسيا. وجرت محاولات أخرى بهدف ترميم النظام العالمي فشلت في إعادة التوازن بل لعلمها مامن خلال عصبة الأمم في الحرب العالمية الأولى، قد دقت اسفيناً إذ خذلت دول ورفعت أخرى بما أخل فعلا بالنظام العالمي عبوراً إلى الحرب العالمية الثانية التي انشأت منظمة الأمم المتحدة في سان فرانسسكو 1946 والتي قامت ومنها وكالاتها المتخصصة في الزراعة FAO والعمل ILO والثقافة UNESCO والصحة WHO وغيرها قامت بإحياء روح المساواة بين الدول الأعضاء والعمل على رفاهية وخير شعوبها. لكن ذلك لم يتحقق للأسف، بسبب أنانية الدول الكبرى الخمس، أمريكا، بريطانيا،فرنسا وروسيا والصين التي اصرت على تفعيل حق النقض VETO في قرارات مجلس الأمن متخطية الجمعية العامة التي تمثل برلمان العالم.
قد يظن البعض ان انهيار الاتحاد السوفياتي 1981 وعودة القطب الواحد في الجيوسياسي العالمي بقيادة الولايات المتحدة الأمريكية فهكذا كان يقول عنه فوكوياما في نظرية الإنسان الأخير. وهو يعني أن حضارة الغرب اللبرالية سادت العالم منذ ذلك التغيير. ولعل ما وقع في انحاء من العالم من حالة عدم توازن اعطت بعض المصداقية, ولو مؤقتة للفلاسفة الغربيين مثل هنتجتون في صراع الحضارات وفوكوياما في الإنسان الأخير وبرنارد لويس وغيرهم ....
فماذا جرى بعد ذلك من ممارسات من دول كبرى واخرى متوسطة صاعدة وحتى صغيرة متحالفة مع الكبار. فكان أن بدأت لعبة الأمم تأخذ طريقها للعلن بعدما ظن العالم أن الحربين العالميتين 1914 و1929 وما تلاهما من حرب باردة عرّت الوجه القبيح لسياسات ليس في حساب اهدافها مصير البشر. بينما شاهدنا في هذه الحقيقة تسارع وتنافس في التسلح النووي أن يصل إلى اتفاقات ، ولو على مضض للحد من انتاج أدوات هذا التسلح ، سواء في الأرض أو الفضاء فكانت SALT التي تسمى Strategic Arms Limitation Talks التي ابرمت مرتين، الأولى 1972 والثانية 1979 وقد أدى عدم فعالية الإتفاقيتين الى ان يتقرر قيام ماسمي ب (START) عام 1991 Strategic Arms Reduction Talks وقد انتهى مفعولها هذا العام 2026 وقد عقدت مرتين الأولى بين بوش الأب وغورباتشوف (1600 لاصاروخ بعيد المدى + 6000 رأس نووي) أما الثانية فكانت بين بوش وبلتسي التي أوقفت سباق التسلح النووي وخفضت الصواريخ إلى 3500.
في رأي أن عقد أو انتهاء مفعول هاتين الإتفاقيتين يمثل ظاهرة جيوسياسية بإمتياز.
الحديث عن الجيوسياسية التي تعطي كل حدث عالمي بخصائصها وتأثيرها المباشر على الفضائين السياسي والإقتصادي العالمي... هي بالأساس المحلي،تعني الجغرافية السياسية أو الإقتصادية وحتى الإجتماعية فهي توصيف لجغرافية الأرض بما فيها من أنهار وبحيرات واطلالة على البحار وكذلك تضاريس أرض الدولة من هضاب ومرتفعات وسهول.. كما هو الأمر بالنسبة لسعة رقعة الأرض ودرجة خصوبة تربتها وغنى البلاد بالثروات المعدنية سائل منها وصلب. وكذلك عديد سكان البلاد وفئاتهم العمرية ... وكذلك البحث في مستوى التعليم والثقافة والفنون إلى مستوى الدخل الفردي للفرد ومعدل الناتج القومي وتنوع مصادر الثروة من الزراعة والصناعة.
إن هذا التنوع من الحقائق والمعلومات عن أي بلد يكون هو الجغرافية السياسية والإقتصادية Geo Political.
ما تقدم من المعطيات في توصيف أرض بلد ما، مضاف إليه البعد التاريخي للبلاد، ذلك أن تاريخ الأمم يسقط على شعوبها إرثا وقيمة نفسية تحملها على التطلع لما يوازي إرث تاريخها ، وبعكس ذلك فإن تخاذل الأمم أمام التحديات فذو مغزى آخر يكمن في انخذال العقل الجمعي للأمم وضميرها.
وهذا هو الجيوبولتك بتوصيف بلد ما ، وهو يصدق على داخل نطاق الدولة إعتمادا على الجغرافية السياسية الأساس.
أما أذا خرج مفهوم الجيوسياسية إلى الفضاء الدولي كستراتيحية فهو يكون أشمل وأفع لل مما في الداخل، ولهذا أطلق علماء السياسة عليه ، بأنه تلاقح استراتيجيات الدول المختلفة على مسرح السياسة الدولية، وهنا لابد لي من توضيح أو تعريف المفاهيم المميزة للجغرافية الطبيعية Geography والجغرافية السياسية Geopolitical والجيوسياسية Geopolitica فلطالما اختلطت مفاهيم هذه المكونات الثلاثة علميا رغم أنها تكون سلسة منطقية لفروع ثلاثة مادتها الأساسي: الأرض والإنسان، سواء كان ذلك في نطاق الدولة أو خارجها، وهي إلى ذلك ترسم سياسات الدول تجاه بعضها البعض حتى لقد قيل أن القارات الخمس لعالمنا ، وهي آسيا وأوروبا وأفريقيا واستراليا والأمريكيتين إنما هي ا أذرع لعالمنا في تفاعل مع بعضها بهدف تمدد الدول خارج أقاليمها كلما دعت الحاجة إلى ذلك، كأن تكون الحاجة إلى موارد الصناعة الأولية أو الغذائية شحيحة لديها، أو لأسباب أخرى كل ذلك يدفع الدول للتمدد سلما أو حربا لاسباع تلك المتطلبات لشعوبها.
• الجيوبوليتكا وخطوط الصدع Fault Linesفي عالمنا اليوم مراكز متحركة في تفاعل هدفه النهائي التوسع Expansion فالجيولوتيكا تكون في الحقيقة العنصر الجامع للأستراتيجيات الدولية وكأنها تراقب تداخل استراتيجيات التوسع حتى إن بعضها يقود إلى تثبيت مناطق نفوذ للدول، ربما قادتها إلى نشوب حروب، فذلك ما جرى لتمدد ألمانيا في بولنده وغيرها إبان الحرب العالمية الثانية، حين ىكانت الحجة بعدم التوازن للشعب الألماني مع أقليمه قبل التمددLebensraum والأمثلة على التمدد في عصرنا الحالي يكمن في نشوء محاولات امبراطورية لنفس الدوافع، فالتمدد الأمبراطوري الأمريكي يكشف عن ذاته منذ أن استولت الولايات المتحدة الأمريكية على ألاسكا الروسية ولو بشرائها بثمن زهيد نسبيا. وتتكرر هذه النوايا الأمريكية بإصرار الامريكان على ملكية غرينلاند الدنماركية سلما او عنفا”
وشراء هاواي عبر التاريخ والسيطرة على العديد من دول امريكا شمالا ووسطا وجنوبا هو مظهر لتمدد امبراطوري بذريعة متطلبات الجيوبولتكا حفظا للامن القومي. واذا ما تابعنا خارطة التمدد الجيوبولتكي في الشرق الأوسط.، فالأمثلة تحصر بايران و إسرائيل،. أما الرغبة بالتمدد الامبراطوري فقد بات واضحا في محاولات ايران السيطرة على عدة دول اسلامية تحت غطاء المذهبية الدينية وتلك محاولات توسع جيوبولتكي في طور التكوين ، تنجح في محاولات وتفشل في أخرى، أما عن اسرائيل فيكون تمددها الامبراطوري برعاية اخرين، واضح في الافصاح عن نيتها بتمدد اسرائيل الكبرى في مابين الفرات شرقا والى النيل غربا ،ودع عنك الاعلان بحياء عن تاريخ اليهود في اليمن وفي شبه الجزيرة العربية، فضلا عن توسعها في الاراضي الفلسطينية ظلم و عدوانا.
هذه المراكز الثلاثة هي نطاق صدع يفصح عن ذاته كلما سمح الجيوبولتك بتحقيقه.
أما عن مراكز أو نقاط الضعف الاخرى في عالمنا ، والتي يمسك بتلابيبها الجيوبولتكا كما يقول دوغن Dugin الفيلسوف الروسي فهي: رغبة روسيا الإتحادية بإستعادة السيطرة على الدول المنشقة عن الأتحاد السوفياتي بحيث تعود حدود روسيا في اوراسيا من مضيق بيرنغ في شرق سيبيريا شرقا والى جبال الكروات الاوروبية غربا.
وتبقى آمال الصين الشعبية تتمسك باستعادة اقاليمها في تايوان وبحر الصين الجنوبي كما فعل الجيوبولتكا باستعادة هونك كونج سلميا لها من قبل.
• المنافسة بين روسيا وأمريكا والصين على بحر القطب الشمالي Arctic Sea الذي ترى روسيا فيه منطقة نفوذها، فهو خير طريق بحري يربط الجزء الشمالي من الكرة الأرضية شرقا وغربا. وجديربالذكر أن لهذا البحر مجلس قطبي شمالي Arctic Council يضم روسيا والنرويج والدنمارك وفنلندا وايسلندا وغرينلاند والولايات المتحدة مع وجود الصين ودول اسيوية و اوربية عديدة كمراقب. قد يكون هذا البحر في نظري من أهم خطوط الصدع في الحاضر والمستقبل.
لعل تعدد خطوط الصدع هذه يَكون أهم عوامل اضطراب تشكيل النظام العالمي الجديد وتظل الممرات المائية في البحار مسألة شائكة فهي تشكل مخانق خطيرة كنقاط صدع، وتلك عديدة في معظم المناطق لعل أهمها، مضيق هرمز الذي تتشاطئ فيه ايران وعمان وهناك مضيق جبل طارق، ومضيق باب المندب، ومضيق بنما وقناة السويس ومضيق موزمبيق ومضيق مالقا وغيرها.
لابد من التذكير هنا بأن حرية مرور السفن في المضائق الطبيعية ( أعني التي خلقها الله سبحانه وتعالى) تكون حرة بعكس تلك التي بناها الإنسان،فهو مخير بفرض قواعد مرور ودفع رسوم عليها استردادا لما انفق من مال وعمل عند اعدادها.
ولا أظن في قانون البحار إغفاله عن ذلك. ومايجري في الوقت الحاضر من احتكاك عسكري عنيف يكاد يكون حربا بين ايران وامريكا حول مضيق هرمز هو اسوء تلك الامثلة.
هنا تغيرت بعض مفاهيم القتال في حرب مكشوفة أو خاطفة. قد كان التاريخ يرينا ان دولة ما كانت تريد شروط او سياساتها على الاخرى تكون بارسال باخرة او اخرى لشواطئ الدولة المعادية فتطلق عليها قذيفة مدفعية أو أكثر لفرض التسليم بما تريد وهذا ماكان يدعى بسياسة المدع Gun boat Diplomacy.
أما مايجري الآن في التعامل العسكري فقد تحول إلى استخدام تكنولوجيا والطيران المتطور في العمليات حتى سميته B1 & B2 planes Diplomacy.
فذلك ما وقع في حرب قائمة في الشرق الأوسط كدليل على التبدل الجوهري في مسألة فرض القوة لتحقيق الشرعية... Legitimacy and Power
وتلك صورة من اعتقاد بعض الاطراف, بأن القوة تنشأ الحقوق وليس العكس.
والله من وراء القصد،،،،،،
*سفير عراقي سابق

651 زائر، ولايوجد أعضاء داخل الموقع