جامع النبي يونس يعود لأحضان الموصل من جديد- الجزء الثاني

الأستاذ الدكتور باسل يونس ذنون الخياط
أستاذ مُتمرِّس/ جامعة الموصل

 

جامع النبي يونس يعود لأحضان الموصل من جديد- الجزء الثاني

بعون من الله تعالى وجهود طيبة ومباركة لجمعية (فعل الخيرات) ورئيسها الدكتور سعدالله توفيق سليمان والعاملين معه، وبتخطيط ومتابعة صاحب نهضة الموصل الدكتور المهندس أحمد يوسف العمري، تم إعادة إعمار وتأهيل جامع النبي يونس عليه السلام. وقد تم افتتاح الجامع في يوم الجمعة الموافق 3/نيسان/2026 من قبل السيد محافظ نينوى وجمع غفير من المدعوين والمصلين، علما أن هذا الجامع كان قد تم تفجيره سنة 2014.

لقد صيغت عدد من القصائد التي تفوح بأسمى المشاعر التي تُعبّر عن الفرح الغامر بمناسبة إعادة جامع النبي يونس (ع) إلى سابق عهده، منها ما صاغه الدكتور عمر أكرم آل ملا يوسف:
بِسْمِ الَّذِي رَفَعَ السَّمَاءَ بِمَنِّهِ *** فَاليَوْمَ نَفْرَحُ وَالقُلُوبُ تُهَلِّلُ
فِي جُمْعَةٍ زَهَتِ الدُّنَا بِنَسِيمِهَا *** وَبِفَتْحِ صَرْحٍ لِلْهِدَايَةِ يُقْبِلُ
هَذَا مَقَامُ "النُّونِ" يَرْفَلُ بِالبَهَا *** بَعْدَ العَفَاءِ، بِأَنْجُمٍ لَا تَأْفُلُ
جَامِعُ يُونُسَ قَدْ تَلَأْلَأَ نُورُهُ *** وَبِرحمةِ الرَّحْمَنِ صَارَ يُجَلَّلُ
شُكْراً لِمَنْ بَذَلُوا "فِعَالَ صنيعهم" *** جَمْعِيَّةٌ بِالبِرِّ دَوْماً تَعْمَلُ
قَامُوا بِتَعْمِيرِ المَنَارِ بِهِمَّةٍ *** نَالُوا الثَّنَاءَ، وَفِي الجِنَانِ سَيُنْزَلُ
يَا رَبِّ بَارِكْ فِي البِنَاءِ وَأَهْلِهِ *** وَاجْعَلْهُ حِصْناً لِلْهُدَى لَا يُغْفَلُ

أما الدكتور نبيل نجيب فقد كتب الأبيات الآتية وهو خارج العراق بعد أن قرأ خبر إفتاح الجامع بعد إعادة إعماره:


بِدُعاءِ (يونسَ) لم يكنْ لِيُعيدَهُ ... بعــد الفَنــــا إلا دعــاءُ أُناسِهـــا
شَدّوا العزائمَ كي تقومَ منارةٌ ... والسعدُ، (سعدُ اللهِ)، مِن أمراسِها
هذي المدينةُ خيرُها في عَزمِها ... والعزمُ من كَرَمِ النفوسِ وباسِها
(جمعيةُ الخيراتِ) كنتِ وفيةً ... للموصلِ الحدباءِ في أقداسِها
تأبى النُفوسُ الصادقاتُ وُعودَها ... إلا النَّجازَ لما يَرى إحساسُها
يا رُبَّ نَفْعٍ غِبّ ضُرٍ فادِحٍ ... وَلَكَمْ كَبا في الخيلِ من أَفراسِها
ما كلُّ مَن يكبو يقومُ مُعزَّزا ... لكنــكِ الزهـــراءُ عٰــزَّ أساسُها
ولْتَأتلق هذي الديارُ وناسُها ... ويَدُمْ لِناقِمةِ الورى إفلاسُها

يقع جامع النبي يونس عليه السلام على (تل التوبة) في الساحل الأيسر من مدينة الموصل، بجوار سور مدينة نينوى الآثارية. ويقال أن سبب تسمية هذا التل أن النبي يونس (ع) عندما ذهب مُغاضبا ورأى أهل نينوى علامات العقاب والعذاب قد ظهرت، تابوا إلى الله تعالى ووقفوا على هذا التل يتذرعون إلى الله تعالى ويطلبون عفوه ورحمته.

كما تعوّد أهل الموصل القدامى الصعود على هذا التل والدعاء. وأذكر قصة سمعتها من المرحومة جدتي، حيث رُزقت بعدة أطفال وكانوا يموتون في أيامهم الأولى، وعندما ولد والدي أخذته إلى تل التوبة ووقفت هناك ونادت: " يا يونس بن متى.. جيتك ومعي هذا الوليد وسميّته يونس على اسمك عسى الله أن يحفظه لي ويوفقه في حياته". وفعلا هكذا كان وعاش الوالد 82 سنة مُخلّفا ذرية طيبة مباركة ولله الحمد.

بعثته وغضبه وتوبته:
أرسل الله النبي يُونس (ع) إلى أهل نَيْنَوَى بشمال العراق في حوالي القرن الثامن قبل الميلاد، وكانت نَيْنَوَى عاصمة للدولة الآشورية ويعيش فيها مائة ألف شخص أو أكثر، وكانت من أغنى وأعظم المدن الشرقية خلال تلك الفترة.

كان أهل نَيْنَوَى يعبدون الأصنام، فأرسل الله إليهم نبيه يونس (ع) داعياً إياهم إلى عبادة الله وحده. فأبوا الامتثال لما جاءهم به، فضاق بهم يونس ذرعاً، وأخبرهم أن العذاب سيأتيهم خلال ثلاثة أيام.

فلما كان اليوم الثالث خرج يونس قبل أن يأذن الله له بالخروج. وقد وصفه الله بالآبِق، والآبق هو العبد الهارب، قال تعالى: (إِذْ أَبَقَ إِلَى الْفُلْكِ الْمَشْحُونِ) (الصافات: 140)، وكان على يونس أن يُسلّم لأمر الله، فليس لنبيٍ أن يترك بلده وقريته ويخرج أو يهاجر دون إذنٍ من الله تعالى، لذلك نهى الله رسوله (ﷺ) أن يكون كصاحب الحوت في حِدّة وقلّة صبره، قال تعالى: (فَاصْبِرْ لِحُكْمِ رَبِّكَ وَلَا تَكُن كَصَاحِبِ الْحُوتِ إِذْ نَادَىٰ وَهُوَ مَكْظُومٌ) (القلم: 48).

ولم يكد يبعد يونس (ع) عن منازل قومه، حتى وافت قومه نُذُر العذاب، واقتربت منهم طلائع الهلاك، فساورهم الخوف والهلع، وتيقنوا أن دعوة يونس حق، وإنذاره صدق، وأن العذاب لا محال واقع بهم. فضاقت عليهم الأرض بما رحبت، ووقع في نفوسهم أن يلجؤوا إلى الله، فيؤمنوا ويتوبوا.

خرج أهل نينوى إلى تل التوبة (الذي يقع عليه حاليا جامع النبي يونس)، وتوجهوا إلى الله تعالى بالدعاء، وكانت ساعة بسط الله عليهم بعدها جناح رحمته، ورفع عنهم سحائب نقمته، وتقبل منهم التوبة والإنابة، فرد عنهم العقاب، ورجعوا إلى مساكنهم آمنين مؤمنين (فَلَوْلَا كَانَتْ قَرْيَةٌ آمَنَتْ فَنَفَعَهَا إِيمَانُهَا إِلَّا قَوْمَ يُونُسَ لَمَّا آمَنُوا كَشَفْنَا عَنْهُمْ عَذَابَ الْخِزْيِ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَمَتَّعْنَاهُمْ إِلَىٰ حِينٍ) (يونس: 98).

بيد أن يونس بعد أن ترك نينوى مضى بسبيله، ويقال أنه عاد إلى فلسطين، حيث ركب في سفينة من خلال الذهاب إلى يافا باتجاه معاكس إلى ترشيش التي تبعد عن بيروت 45 كلم. فلما وصلت لجة البحر، هاج البحر، وأحيط بالسفينة ومن فيها، فلما علم ركابها ما هو محيط بهم، وواقع عليهم، قال بعضهم لبعض: لا خلاص لكم مما هو نازل بكم، إلا أن تتخففوا من بعض من على السفينة، فاقترعوا (عملوا قرعة) بينهم؛ ليلقوا في البحر من وقعت عليه القرعة، فكانت القرعة على يونس (ع)، بيد أن نفوسهم لم تطاوعهم على فعل ذلك؛ لِما وجدوا فيه من كريم الأخلاق، ومكارم الصفات، فعاودوا القرعة ثانية، فوقعت على يونس أيضاً، فلم يأبهوا لذلك، فأعادوا القرعة للمرة الثالثة، فخرجت عليه أيضاً. فعلم يونس أن وراء ذلك تدبيراً، وأدرك خطيئته، وما كان من تركه لقومه قبل أن يؤذن له في الخروج، أو يستخير الله في الرحيل، فألقى بنفسه في اليم، وأسلم نفسه للأمواج.

أوحى الله تعالى إلى حوت أن يبتلعه، وأن يطويه في بطنه، ولا يأكل لحمه، ولا يهشم عظمه. وقبع يونس في بطن الحوت، والحوت يشق الأمواج، ويهوي في الأعماق، ويتنقل في ظلمات بعضها فوق بعض: ظلمة الليل وظلمة البحر وظلمة الحوت، ويسمع تسبيح الأسماك لربها، فضاق صدره، واعترف بخطأه وتقصيره لأنه استعجل على قومه، فالتجأ إلى الله بالدعاء: (فَنَادَىٰ فِي الظُّلُمَاتِ أَن لَّا إِلَٰهَ إِلَّا أَنتَ سُبْحَانَكَ إِنِّي كُنتُ مِنَ الظَّالِمِينَ) (الأنبياء: 87).

استجاب الله دعاء يونس، ولفظه الحوت في العراء على شاطئ البحر بين الحياة والموت؛ فألقاه على الشاطئ سقيماً هزيلاً، ضعيفاً عليلاً، كفرخة الدجاجة عندما تخرج من بيضتها، (فَنَبَذْنَاهُ بِالْعَرَاءِ وَهُوَ سَقِيمٌ) (الصافات: 145)، فتلقته رحمة الله بالعناية والرعاية، فأنبتت عليه شجرة من يقطين (نبات القرع) (وَأَنبَتْنَا عَلَيْهِ شَجَرَةً مِّن يَقْطِينٍ) (الصافات: 146).

ذكر العلماء في حكمة إنبات اليقطين على يونس (ع) أنّه نبات فيه نفعٌ كثير، ومقوّي للبدن، ويؤكل ثمره بكل أشكاله نيّئاً ومطبوخاً، وبقشره وببذوره أيضاً، ويستظل بورقها الثخين والتي تتميز بهروب الذباب منها.

كما أرسل الله إلى يونس غزالة يشرب من حليبها إلى أن اشتد سَاعِدُهُ وعادت إليه عافيته. ثم أوحى الله إليه أن يعود إلى قومه بعد أن أخبره بإيمانهم، وأنهم ينتظرون عودته؛ ليعيش بينهم داعياً إلى الله تعالى.

وفي مفاجأة من العيار الثقيل، أكد عدد من علماء الجيولوجيا والمفسرين أن الحوت الذي التقم نبي الله يونس هو الحوت الأزرق. وهو أضخم الحيوانات على كوكب الأرض ومتواجد في البحر الأبيض المتوسط، حيث يبلغ طوله 30 متراً ووزنه 170 طناً، وعندما يكون فمه مفتوحاً بشكل كامل يقف في فمه عشرة رجال!

لقد اُختلف في فترة مكوث يونس في بطن الحوت: قيل يوم، وقيل ثلاث، وقيل سبعة، وقيل أربعين يومًا، وتسكت المصادر عن الفترة التي قضاها نبي الله يونس في قومه بعد توبتهم وأوبتهم إلى الله.

وفاته ومكان قبره:
قال الحسن: كان يونس نبيًّا غير مرسل، ثم صار بعد أن نجاه الله من الحوت نبيًّا مرسلًا، فعاد إليهم وأقام لهم السنن والشرائع، ثم استخلف عليهم إشعيا، وخرج هو والملك معه يسيحان في الجبال ويعبدان الله حتى لحقا باللَّه عز وجل.

لقد عاصر النبي إشعيا الملك الآشوري سنحاريب ذائع الصيت صاحب الفتوحات العظيمة، وقد حدد المؤرخين سنة 701 ق.م تاريخًا لحصار القدس أورشليم من قبل سنحاريب الآشوري، وهذا يعني أن يونس توفي قبل هذه الفترة.

أما عن قبر يونس ومكان قبره، فأغلب الظن أنه في مدينة حلحول في فلسطين كما قرره العديد من المؤرخين والرحالة، فقيل عنها: هي قرية بها قبر يونس عليه السلام فيما يُقال، وهي بين القدس والخليل، أقام بها يونس سبْع سِنين، وبنى بها مسجدًا. ولعل ما تقدَّم يشير إلى أن النبي يونس بعد أن تاب الله على أهل نينوى، ساح مع صديقه الملك، فوصل إلى فلسطين.

يونس في التراث الموصلي:
من الأسماء الشائعة في بيئة الموصل (يونس) و (ذنّون). و (ذنّون) هو اسم غير معروف خارج الموصل، وأصله (ذو النُّون) المذكور بالقرآن الكريم أي (صاحب الحوت)، وهي كنية (يونس) عليه السلام، وأن أهل الموصل كانوا يكتبون هذه الكلمة في السابق بشكل (ذو النُّون)، ثم تم اختصارها إلى (ذنّون) للسهولة.

إن اسم (يونس) ليس مقتصرا على بيئة الموصل فقط، بل هناك العديد من الشخصيات بهذا الاسم من خارج الموصل، منهم النجم الكروي الشهير (يونس محمود) وهو من محافظة كركوك، والممثل المصري المعروف (يونس شلبي).

في بيئة الموصل هناك العديد من الشخصيات التي حملت اسم (يونس)، منهم السائح الشهير يونس بحري (1900-1979). كما أن هناك العديد جدا من الأشخاص الذين يحملون اسم (يونس ذنون) و (ذنون يونس)؛ منهم المرحوم والدي يونس ذنون الخياط (1909-1991) والكاتب (ذنون يونس الطائي) والدكتور الشاعر (ذو النون يونس الأطرقجي) و (يونس ذنون الدباغ) والد كل من الدكتور (عبد الستار الدباغ) عميد كلية الهندسة السابق وعبد الحميد وضياء وأنور وأكرم.

إن اسم (يونس ذنون) و (ذنون يونس) هو هوية الانتماء إلى مدينة الموصل، وبهذا الخصوص، وفي سنة 1975، وبعد تخرجي من جامعة الموصل ساقونا للخدمة العسكرية وأخذونا للفحص الطبي في مستشفى الرشيد العسكري في بغداد. وعندما دخلتُ إلى اللجنة الطبية، والتي كانت برئاسة الدكتور سالم مجيد الشمّاع، وعندما قرأ اسمي الدكتور سالم الشمّاع تبسم قائلا: أكيد أنت من الموصل!! الشيء نفسه تكرر مع أشخاص آخرين في بغداد الحبيبة.

ومما لا ريب فيه فإن سبب انتشار أسماء: يونس و (ذنون) و (ذو النون) في بيئة الموصل هو وجود جامع النبي يونس عليه السلام في الساحل الأيسر من الموصل.

عن سعد بن أبي وقاص (ر) قال: قال رسول الله (صلى الله عليه وسلم) :"دعوة ذي النون إذ دعاه وهو في بطن الحوت: لا إله إلا أنت سبحانك إني كنت من الظالمين، فإنه لم يدع بها رجل مسلم في شيء قط إلا استجاب الله له".

 

  

إذاعة وتلفزيون‏



الساعة حسب توقيت مدينة بغداد

الأبراج وتفسير الأحلام

المتواجدون حاليا

685 زائر، ولايوجد أعضاء داخل الموقع