
هدى رؤوف
قراءة في رسالة مجتبى خامنئي حاضرا ومستقبلا
ألقى المرشد الإيراني الجديد مجتبى خامنئي أول رسالة له موجهة للداخل الإيراني والمنطقة والولايات المتحدة، وعلى رغم أنها أول رسالة منذ تسميته المرشد الأعلى الثالث للبلاد، فإنها أوضحت معالم رئيسة للسياسة الإيرانية، لا من خلال الحرب الحالية ضد إسرائيل والولايات المتحدة بل وملامح تلك السياسة مستقبلاً، وهو ما يوضح كيف تستغل إيران الحرب لفرض رؤيتها الخاصة على المنطقة.
وتضمنت كلمة المرشد الإيراني الجديد رسائل لكل من الشعب الإيراني في الداخل ولدول المنطقة و"محور المقاومة" والولايات المتحدة، فأكد أنه علم بنتيجة تصويت "مجلس خبراء القيادة" في "الوقت نفسه الذي علمتم به أنتم من خلال شاشة هيئة الإذاعة والتلفزيون"، وبالطبع كان اختياره متوقعاً لأن النظام الإيراني كان يريد التأكيد أنه متماسك وصامد وقادر على إكمال عملية اختيار المرشد الثالث لإيران في زمن الحرب.
ووقع الاختيار على مجتبى لأسباب عدة، فهو نشأ على تربية سياسية من قبل والده وكان يقال إنه رجل الظل الذي يُعد مستشاراً لأبيه من دون منصب رسمي، ويتمتع بعلاقات قوية مع الدوائر الأمنية والسياسية والعسكرية والدينية للنظام مما يعني أنه جزء من شبكات النفوذ المشكّلة منذ عقود ولديها مصلحة في استمرار مصالحها داخل النظام، واختياره بسبب ظروف الحرب قلّل فكرة التنافس بين الفصائل والتيارات السياسية الإيرانية حتى وإن كانت تؤمن بولاية الفقيه، لكن الضغوط الخارجية والتخوف من محاولات انفصال بعض الأقليات من الأكراد والبلوش دفعت إلى تواري التنافس بين الفصائل للتحكم في مشهد الخلافة الثالثة، ومن ثم يمكن القول إن الحرب الأميركية - الإسرائيلية سهلت عملية التوريث التي لا تتماشى مع نظام ثوري تأسس على ولاية الفقيه وضد الملكية.
من جهة أخرى حرص مجتبى خامنئي على توجيه الشكر لمن ينتمون إلى "محور المقاومة"، مشيداً بالحوثيين والعراقيين و"حزب الله"، وهو ما يعزز أهمية الجماعات المسلحة في المنطقة كجزء من الإستراتيجية الإيرانية التي رفضت التفاوض في شأنها مع مبعوث ترمب، فعلى مدى أربعة عقود استثمرت إيران في تأسيس جماعات داخل الدول العربية الهشة والتي تعاني أزمات داخلية، ونسجت علاقات مع جماعات موجودة بالفعل، لكنها نجحت في توظيف تلك الجماعات في زمن السلم عبر خلق علاقات تبعية جعلت من تلك الجماعات أقوى من حكوماتها الوطنية، أما في زمن الحرب فتفعّل إيران "وحدة الساحات" وإشعال الهجمات المختلفة التي تجعل دول المنطقة عرضة للانتقام الإسرائيلي، كما هو الحال في لبنان واليمن والعراق.
لكن أهم ما جاء في خطاب مجتبى أنه يوضح كيف يفكر صناع القرار الإيرانيون من العسكريين والسياسيين في الوقت الحالي ومستقبلاً، فخلال تناوله مسألة العلاقات مع دول الخليج أكد أن إيران "كانت ولا تزال حريصة على إقامة علاقات ودية وبناءة مع جميع هذه الدول، غير أن العدو عمد منذ أعوام إلى إنشاء قواعد عسكرية ومالية في بعض هذه البلدان بهدف ترسيخ هيمنته على المنطقة"، وبهذا المنطق فإن إيران تعترض على الوجود الأميركي في حين أنها أسست لذاتها الوجود العسكري والمالي داخل دول المنطقة عبر الوكلاء الإقليميين، ولا يمكن تجاهل أن إيران ضغطت كثيراً على بشار الأسد من أجل الدفع في مقابل دعمها له خلال الحرب الأهلية، وذلك من ترسيخ وجودها العسكري والضغط عليه لتوقيع اتفاقات تمنحها امتيازات اقتصادية.
والمسألة الأهم هي تأكيده أن بلاده استهدفت القواعد العسكرية الأميركية فقط، على رغم أن أول رد فعل إيراني تجاه الضربات الأميركية - الإسرائيلية كان إطلاق الهجمات على دول الخليج، مستهدفة حتى اللحظة أهدافاً مدنية واقتصادية، في رسالة واضحة بأن بلاده تريد رفع كلفة الحرب على الجميع للتأثير في أسعار الطاقة والاقتصاد العالمي.
لقد خسرت إيران ما سعت إلى بنائه من علاقات ودية مع دول الخليج خلال الأعوام الأربعة الماضية، فتحسن علاقاتها مع الخليج أخرجها من عزلتها الإقليمية من جهة ودفع هذه الأخيرة إلى القيام بدور الوساطة مع الإدارة الأميركية من أجل تجنب الخيار العسكري من جهة أخرى، ولا يمكن تجاهل أن الدول العربية رفضت مشروع "الناتو العربي" الذي اقترحه دونالد ترمب خلال ولايته الأولى، لذا فإن الهجمات الإيرانية على دول الخليج خلقت شرخاً في العلاقة معها وعدم ثقة ستحتاج طهران إلى كثير من الجهد لإعادة تحسينها، لكن الأهم هنا ما اعتبره مجتبى نصيحة بإغلاق القواعد الأميركية في المنطقة لأن إيران ستواصل نهج مهاجمتها، وهنا خلقت سابقة وتريد أن تجعلها سمة لسياستها الإقليمية، وهي أنها بإطلاق هجمات على دول الخليج وعلى أهداف مدنية واقتصادية ونفطية، إضافة إلى أي وجود أميركي في الشرق الأوسط، فإنها تمارس دور شرطي الخليج ولكن بالصيغة القسرية الخشنة.

728 زائر، ولايوجد أعضاء داخل الموقع