تقرير أميركي: لا علاقة بين تعليق شحنات الدولار والأزمة المالية في العراق

 الدولار في العراق الدولار في العراق بمنأى عن عائدات النفط

ميدل أيست:بغداد – نفى تقرير أميركي لمعهد المجلس الأطلسي الأميركي أن يكون تعليق الولايات المتحدة شحنات الدولار النقدي إلى العراق قد حرم بغداد من عائداتها النفطية أو هدد قدرتها على دفع الرواتب، مؤكداً أن الخطوة لم تؤثر في موارد الدولة المالية رغم تزامنها مع أزمة مالية وضغوط متزايدة على الموازنة العامة.

وأوضح المعهد أن هذه المخاوف استندت إلى قراءة غير دقيقة لآلية إدارة الأموال العراقية لدى بنك الاحتياطي الفيدرالي في نيويورك، مؤكداً أن وقف شحنات الدولار النقدي لا يعني تجميد الإيرادات النفطية أو حرمان الحكومة من مواردها المالية، بل يتعلق فقط بإحدى قنوات تزويد السوق بالنقد الأميركي.

وكشف أن العراق يعتمد على حسابين منفصلين لدى الاحتياطي الفيدرالي؛ الأول تودع فيه عائدات صادرات النفط، والثاني يمثل احتياطيات البنك المركزي من العملات الأجنبية، ومن الحساب الثاني فقط تُسحب شحنات الدولار النقدي التي تُنقل جواً إلى بغداد لتلبية احتياجات السوق، بينما تبقى الإيرادات النفطية في مسار مالي مستقل يُستخدم لتحويل الأموال إلى الدينار وتمويل الموازنة.

وبحسب التقرير، فإن هذا الفصل بين الحسابين يعني أن تعليق الشحنات النقدية لم يؤثر في قدرة وزارة المالية على الاستفادة من إيرادات النفط، ولم يعرقل دفع الرواتب أو تمويل الإنفاق الحكومي، رغم الضغوط التي يواجهها الاقتصاد العراقي نتيجة تزايد الالتزامات المالية.

وتشير البيانات الواردة في التقرير إلى أن الولايات المتحدة علقت شحنتين نقديتين على الأقل بين أواخر فبراير/شباط ومطلع يوليو/تموز، إحداهما بقيمة 500 مليون دولار، فيما تراوح إجمالي الأموال التي لم تُرسل بين مليار ومليار ونصف المليار دولار.

لكن التقرير اعتبر أن هذا المبلغ يبقى محدوداً مقارنة بحجم التدفقات المالية الحكومية، إذ بلغت الإيرادات النفطية خلال الفترة الممتدة من مارس/آذار إلى مايو/آيار نحو 10.9 مليارات دولار، باعت وزارة المالية منها حوالي 8.1 مليارات دولار إلى البنك المركزي مقابل الحصول على الدينار اللازم لتمويل نفقات الموازنة، بينما جرى تمويل بقية الإنفاق من الإيرادات غير النفطية والاقتراض الداخلي.

كما باعت الوزارة نحو 1.1 مليار دولار إضافية خلال يونيو/حزيران من إيرادات النفط، بما يؤكد استمرار تدفق الموارد المالية رغم توقف الشحنات النقدية.

ويشير التقرير إلى أن البنك المركزي باع خلال المدة من مارس/آذار إلى يونيو/حزيران نحو 18.3 مليار دولار من احتياطياته للشركات والأفراد عبر المصارف لتمويل الاستيراد والمعاملات الخارجية، وهو ما يعكس استمرار عمل النظام المالي بصورة طبيعية وعدم تأثر التجارة الخارجية بوقف الشحنات.

ويرى المصدر نفسه أن السوق الموازية قدمت دليلاً عملياً على محدودية تأثير القرار الأميركي، إذ بقي سعر صرف الدولار مستقراً تقريباً طوال فترة التعليق، خلافاً لما حدث عام 2015 عندما أدى تعليق التحويلات بسبب مخاوف من وصول الدولار إلى تنظيم "داعش" ومصارف إيرانية إلى ارتفاع سعر العملة الأميركية بنحو 11 بالمئة نتيجة زيادة الطلب.

ويعزو التقرير هذا الاختلاف إلى التحولات الكبيرة التي شهدها النظام المالي العراقي خلال السنوات الأخيرة، وتراجع الاعتماد على الدولار النقدي مقارنة بما كان عليه قبل عقد.

كما يلفت إلى أن الأثر المباشر لوقف الشحنات كان سيقتصر، في حال استمر، على تقليص الكميات المتاحة للمسافرين، في حين ظلت المدفوعات عبر البطاقات المصرفية متاحة، واستمر البنك المركزي في تزويد المسافرين، ولا سيما الحجاج، بالدولار من المخزون المتوافر لديه، إذ وفر نحو 600 مليون دولار خلال فترة التعليق.

ويؤكد التقرير أن الاقتصاد العراقي يشهد منذ سنوات انتقالاً تدريجياً من اقتصاد يعتمد على النقد إلى نظام مصرفي أكثر تنظيماً، وهو تحول تسارع بعد تحديث آليات التحويل الخارجي للدولار في تشرين الثاني/نوفمبر 2022 بالتنسيق بين الاحتياطي الفيدرالي الأميركي ووزارة الخزانة الأميركية والبنك المركزي العراقي ووزارة المالية.

وأدى هذا النظام إلى تعزيز الاعتماد على التحويلات المصرفية الخاضعة للتدقيق الدولي، إذ ارتفعت حصتها من نحو 40 بالمئة عام 2023 إلى نحو 95 بالمئة خلال الأشهر الخمسة الأولى من عام 2026، مقابل تراجع واضح في الاعتماد على المعاملات النقدية.

كما أصبحت عمليات توزيع الدولار النقدي تخضع لرقابة أكثر تشدداً، مع تسجيل بيانات تفصيلية عن طالبي العملة، تشمل جوازات السفر ووجهات السفر والمبالغ المستلمة، بما يسمح بتتبع الأنشطة المشبوهة وتقليص فرص إساءة استخدام النقد.

ويخلص التقرير إلى أن الجدل الذي رافق تعليق شحنات الدولار عكس استمرار تداول تصورات قديمة عن طبيعة النظام المالي العراقي، في وقت تغيرت فيه آليات إدارة الأموال والاحتياطيات بصورة كبيرة. ويؤكد أن الأزمة لم تكن مرتبطة بحرمان العراق من عائداته النفطية، بقدر ما سلطت الضوء على أهمية فهم التطورات التي شهدها القطاع المصرفي، خصوصاً في ظل الأزمة المالية التي تواجهها بغداد وحاجتها إلى الحفاظ على الثقة باستقرار نظامها النقدي.

  

إذاعة وتلفزيون‏



الساعة حسب توقيت مدينة بغداد

الأبراج وتفسير الأحلام

المتواجدون حاليا

885 زائر، ولايوجد أعضاء داخل الموقع