الكلدان والعلوم -٣

                                                  

                           د. نزار ملاخا


الكلدان والعلوم(3)

أما المؤرخ عامر حنا فتوحي فيقول نصاً : أن التسمية (السريانية) ليست أكثر من ترجمة عربية أعتمدت بحدود القرن التاسع للميلاد أي في العصر العباسي للتسمية الكلدانية المحلية (سورايا أو سوريايا) بمعنى (مسيحي مشيحايا) التي شاع إستخدامها في وادي الرافدين بعد قبول الكلدان للبشارة المسيحية ولنا في رواية هاربو كراتيون الإسكندري الذي زار بابل عام ٣٥٥م حيث يسمي الكلدان بتسمية سريان فيقول متحدثا عن خرائب برج بابل : بأن شيخا سريانياً (بمعنى شيخاً مسيحياً من أهل بابل الكلدان) قد أخبره وهو يتأمل خرائب البرج بأن قوما من العمالقة القدماء قد بنوه ليرتقوا منه إلى السماء فضربهم الله بصواعق غضبه. وهو ما يؤكد أن تسمية سورايا وسوريايا كانت شائعة في بابل آنذاك حيث عرف سريان وقتذاك بالسريان المشارقة / مدنحايي ، وفي ذلك خصص المطران أوجين منا الكلداني في معجمه الشهير (دليل الراغبين في لغة الآراميين الكلدان) فصلا عنونه (في تسمية الآراميين بالسريان)... تؤكد المصادر التاريخية أن تسمية السريان المشارقة والسريان المغاربة هي تسمية دينية (مسيحية) أشتهرت بعد الميلاد للتمييز بين مسيحيي شرق وغرب الفرات في العهود المسيحية المبكرة وتحديداً منذ مطلع العصر الارشاقي (البرثي/الفارسي) وترسخ إبان العهد الساساني ومع أن التسميتين قد أبتكرتا أصلا للتمييز العقائدي إلا أن كلا الفريقين إشتركا طقسياً في إعتماد الترجمة المبسطة للكتاب المقدس والمسماة (بشيطتا) علما أن السوريين -Syrians- هم الأقدم في إستعمال هذه التسمية التي أطلقت أساسا على بلادهم، في حين تسمى بها الكلدان الرافديون بعد تقبلهم للبشارة المسيحية التي جاءتهم عن طريق سوريا .

الآراميون / شعب ظهر في وقت لم يكن لكلمة السريان اي وجود، فالسريان كلمة أستخدمت بعد الميلاد وليس قبله كما تذكر بعض المصادر، ولم تكن له دولة، ولم يؤسسوا أية إمبراطورية، أما الآراميون فهم شعب كبير لذا تسمت البلاد التي سكنوها بإسمهم، يقول الأب بولس الخوري الكفرنيسي بأنه من ضمن بلاد الاراميين كانت بابل وآشور ومابين النهرين والشام ولبنان، ولما أستولى اليونان على هذه البلاد في 312 ق.م أطلقوا عليها أسم سوريا ... ولما أعتنق قسم من الاراميين المسيحية بدأوا يغادرون أسمهم القديم ويتسمون سريانيين أو سوريين ولغتهم سريانية اوسورية، لكي يميزوهم عن الاراميين الذين بقوا على وثنيتهم، بحيث اصبحت لفظة السرياني مرادفة للفظة المسيحي أو النصراني . هذه البلاد اي التي سكنها الاراميين المسيحيين (السريان لاحقاً) أنقسمت إلى قسمين (الأرض أنقسمت وليس الشعب أو الهوية القومية) شرقية وغربية، فالشرقية هي البلاد الواقعة شرقي نهر الفرات ويعرف سكانها بالشرقيين وهم الكلدان الكاثوليك والنساطرة، وبالنسبة للغة السريانية يقول الأستاذ أحمد فؤاد " اللغة الارامية (أو السريانية) هي لغة أهل الشمال والشمال الشرقي وهي المنطقة التي أطلق عليها أسم (سوريت)، وهذا الأسم أطلق على تلك المنطقة في عهد الحضارة النصرانية، أما اليهود فيسمونها (كسديت) أو الكلدانية". ويقول إدوارد فان دايك بأن " الفرع الشمالي من اللسان السامي يشمل كل من : اللغة الآرامية والكلدانية والسريانية". يقول المطران يعقوب أوجين منا " إن أسم السريان لم يدخل على الآراميين الشرقيين أي الكلدان والآثوريين إلا بعد المسيح على يد الرسل الذين تلمذوا هذه الديار لأنهم كانوا جميعاً من سورية فلسطين، وذلك إذ كان أجدادنا الأولون المتنصرون شديدي التمسك بالدين المسيحي أحبوا أن يسموا بأسم مبشريهم فتركوا أسمهم القديم وأتخذوا أسم السريان ليمتازوا عن بني جنسهم الآراميين الوثنيين ولذا أضحت لفظة الآرامي مرادفة للفظة الصابئي والوثني ولفظة السرياني مرادفة للفظة المسيحي والنصراني إلى اليوم". ويستطرد ليقول : يورد الرهاوي المجهول في كتابه (تاريخ الرهاوي) الذي عربه عن السريانية (الكلدانية) ووضع حواشيه الأب ألبير أبونا : حينما كان بنو إسرائيل في مصر حوالي ١٧٠٠ ق.م ظهر أخوان يقال لهما سورس وقيليقوس تنازعا الملك، فسار قيليقوس إلى ارض جبل أمانوس ودعيت قلقيليا بأسمه وتسلط سورس على الأرض غرب الفرات ودعاها سوريا .
كانت سوريا موطنا للآراميين، وفي فترة من فترات ضعف الإمبراطورية الآشورية وتحديداً ما بين سنة 1077و911ق.م نزحت حشود من هذا الشعب وانضمت إلى القبائل الكلدانية فأسسوا لهم دولة بأسم "بيث ياكيني" وهنا أختلط الدم الكلداني بالدم الارامي وأتفقوا أن يُسقطوا الحكم الآشوري في بابل، لذا نرى ببروز نجم أحد القادة الكلدان وأسمه "مردوخ بلادان" يقوم بمهاجمة الآشوريين في بابل ويحرر بابل ويصبح حاكماً لها ... ثم يدور الزمن ويقوم الاشوريون بإسقاطه، ولكن الحالة لم تدم للآشوريين غذ أنتفض من القطر البحري قائد كلداني هو نبوبلاسر وأسقط إمبراطورية آشور واستولى على مقاليد الحكم في بابل، كان ذلك سنة 625ق.م
وجاء في قاموس المعاني عن أصل كلمة سريان ما يلي :
"سُريان:اسم جمع سُرْيانيّ : كلمة أطلقت على العناصر الآراميّة التي اعتنقت المسيحيّة ، وهي تسمية أطلقها عليهم اليونان بعد اتِّصالهم بهم في سورية".
لا نريد أن نُبحِر في تاريخ الكلدان وحضارة الكلدان وعلوم الكلدان فقد فصلتُ ذلك في كتابي "الكلدان في المجتمع العراقي ـ دراسة تاريخية" ولكنني أريد العودة إلى المربع الأول لأقول بأنه قد ظهر من بين الكلدان حكماء في كل فنون المعرف والعلوم مثل المهن التعليمية والعلوم الرياضية والكهنوتية، فتعلموا كيف يحسبون الخسوف والكسوف، وهم أول مَنْ جَزَّأ الواحد الصحيح إلى ستين جزءاً، وقسّموا اليوم إلى 24 ساعة والساعة إلى 60 دقيقة والدقيقة إلى 60 ثانية، وممن أشتهر من الفلكيين الكلدانيين " نبور يمانو و كيدينو"، ويدين العالم أجمع بالفضل لهما لأنهما من أوائل مَنْ وضعوا أولى التقاويم الفلكية في العالم، ويُظَن أن فيثاغورس أخذ الجدول المنسوب إليه عنهما.
لقد برع الكلدانيون في الفنون ومنها فن التطريز حيث كانوا يصورون على النسيج الصور التي كانوا يرسمونها على جدران قصورهم، هذه الإبتكارات لم تُسَجّل لصالح السريان أو غيرهم، لقد أنفرد بها العلماء الكلدان وأخذوها منهم بقية شعوب الأرض.
فهل يجوز أن يختصر هذا العلم أو هذه الإنجازات العظيمة للكلدان ونقول عنهم "سَحَرَة!!!!" إلا مَنْ لا يعرف كيف يقرأ التاريخ، أو مَن لا علم له بالتاريخ، فالتاريخ ليس نزهة ولا محل بقالة ننتقي منه ما نشاء.
-------------
المصادر:
أحمد فؤاد أنور، الكنز الثمين في قواعد اللغة العبرية، ط1، مركز الراية للنشر، 2000م
أدوارد فان دايك، إكتفاء القنوع بما هو مطبوع، مطبعة الهلال، مصر 1896م.
عامر حنا فتوحي(المؤرخ)، الكلدان منذ بدء الزمان، دار النعمان للطباعة والنشر،بغداد 2002 م
يعقوب أوجين من (المطران)، قاموس كلداني ـ عربي
مارگريت روثن، علوم الكلدانيين، ترجمة الأب الدكتور يوسف حبي تحت عنوان علوم البابليين. دار الرشيد للنشر- بغداد 1980م
هيرودوت، تاريخ هيرودوت، ترجمة عبد الإله الملاح، الكتاب الأول، المجمع الثقافيـ أبو ظبي، 2001م
أحمد سوسة (الدكتور)، العرب واليهود في التاريخ، ط2، العربي للإعلان والنشر والطباعة،
بولس الخوري الكفرنيسي (القس)، غراماطيق اللغة الارامية السريانية، بيروت 1962م

الأبراج وتفسير الأحلام

المتواجدون حاليا

461 زائر، ولايوجد أعضاء داخل الموقع