الگاردينيا - مجلة ثقافية عامة - التغير حتمية لا خيار

التغير حتمية لا خيار

                                                 

                        د. ضرغام الدباغ

التغير حتمية لا خيار

   

المراسلات :
Dr. Dergham Al Dabak : E-Mail: عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته.
دراسات ـ إعلام ـ معلومات

العدد : 193
التاريخ : / 2020

خلال لقاء جمعني بأحد قادة حركة التحرر في قطر عربي، وفي إطار تباحث حول الأوضاع السياسية قطرياً وقومياً، توجه على أثرها لي بسؤال : " أرى أن الكثير من أرائكم قد تغيرت، فهل هذا يعني أن وجهات نظركم حيال موضوعات سياسية قد تغيرت ؟ ".

فأجبته، بالطبع لابد أن تتغير وجهات نظرنا كثيراً، ليس لأننا نكتشف أننا كنا على خطأ في هذه الموضوعة أو تلك، بل وايضاً قياساً للتغيرات الجوهرية والجذرية التي أصابت حياتنا كأفراد، إلى تغيرات اجتماعية مهمة، هذا على الصعيد الشخصي، أما على الصعد العامة سياسياً واقتصادياً وثقافياً، فإن الحياة قياساً إلى قبل 50 عاماً فقط قد تغيرت بشكل شبه جذري، فكيف لا يجب أن نتغير نحن وآرائنا وسياساتنا حيال هذه المتغيرات الشاملة ..؟ بالطبع نحن محكومون بالتغيير بسبب :

أولاً : للاستفادة من تجاربنا كأفراد وكحركات ودراسة أخطائنا,
ثانياً : للتلائم مع المتغيرات في الواقع المادي الموضوعي.

إذن التغير حتمية تاريخية، ربما يستطيع فرد أن يقاوم التغير، وربما يستطيع نظام أن يعزل شعبه ليبقى في الحكم أطول مدة، ولكن رياح التغيير ستهب حتماً وبقوة عاصفة، والأمثلة كثيرة. ويستند التغيير تاريخياً إلى قاعدة علمية فيزيائية تنص " كل زيادة في الكمية ستؤدي حتماً إلى تغيير في النوعية " وبنفس الوقت فإن هذا القانون يعني التطور الحتمي للمجتمعات (من بين فقرات أخرى)، ذلك أن عملية التراكم لا تتوقف، بل تدور (إلى حد ما) بمعزل عن إرادتنا, إذن وبهذا المعنى أن التطور عملية تاريخية، والوقوف بوجهها يعني الانغلاق والتقوقع، والبقاء خارج التاريخ، والمراوحة في أزمة، من أبرز مظاهرها سلسلة من المشكلات الداخلية والخارجية من أولى مؤشراتها داخلياً القمع الداخلي لكل تطلع يتجاوز قدرة النظام على احتمالها والتعامل وخارجياً يتمثل بصعوبة إيجاد قنوات معقولة مع العالم الخارجي، بل وربما حتى مع محيطه المحلي / الإقليمي، بدرجة يصح الحكم بأنها أزمة ركود.

وهذا التقرير محاولة لتشخيص (Diagnose)، أبعاد الأزمة التغير في بلادنا والأقطار العربية، في فيما يطلق عليه أحياً الحداثة والتغير، على أن مجهوداً كبيراً كهذا، يستحق مساهمة واسعة النطاق، إذ يبدو لنا أن الموقف الحالي يحمل مؤشرات هامة كثيرة ربما تحمل في ثناياها علامات مفصلية، لا سيما وأن بلادنا والأمة تعيش مرحلة في غاية الأهمية والخطورة معاً، لذلك فإن مفكري الأمة ومثقفيها كافة، مدعون إلى موقف يتجرد الكل عن هواه السياسي والعاطفي للتنقيب في فروع الأزمة، من أجل بلورة تصورات علمية عن المسببات، ورسم صورة فيها قدر من التنبؤ العلمي (Prognose) وجهد فكري لإنضاج مبكر لما هو الآن ربما في حالة جنينية. وبتقديرنا أن حوارات في جو من الموضوعية والعلمية كهذه ستساهم إلى حد بعيد في استشراف ما يدور في أذهان المفكرين والكتاب، ولكي نمنح المرحلة التاريخية استحقاقاتها. ونشير هنا إلى بعض العناصر التي نعتقد أنها مهمة في عملية التشكل الثقافي، ومعوقاته. نتوجه بالشكر حقاً الداعين والمنظمين للقاء.

إذا كان التغيير ضرورة حتمية، يحتاجها كل طرف (حركات وأنظمة) من أجل ضمان بقاؤه في العملية التاريخية وإلا فسيصبح خارجها ووجود بلا ظل على مسرح الحياة السياسية الاقتصادية الثقافية، فالسؤال المهم هو: أين وكيف يطرح هذا التحدي نفسه وأهميته وبأية صيغ، الحداثة مطلوبة ولكن بأي مدى، الحفاظ على المروثات مفيد ولكن بأي حجم. وهل التغيير المنشود هو بالأهداف أم بإعادة النظر بالوسائل ..؟ وهناك من يطالبنا، وهم من المبهورين بثقافة ومعطيات الحضارة المتفوقة، أن نخلع كل ثيابنا ونرتمي في حضن الحضارة المتفوقة، بأستسلام غير مشروط، لدرجة نقل التجربة بحذافيرها وأشكالها بإطارها ومحتواها. وهناك آخرون يغالون في الوقاية حتى تصبح هاجساً يفوق ما يستحقه من تحسب. وبتقديري خسرنا كثيراً بالمحاولات الفاشلة أن نشيد نسخاً مشوهة عن منتجات أجنبية، بصفة خاصة من تلك الحضارات التي توسعت بقوة الاستعمار والإمبريالية.

والأقطار العربية بمجملها خضعت لهيمنة قوى أجنبية، لذا تأخر عصر النهضة العربي، وحين بزغ فجره، (بتقديري 1850 فصاعداً) كانت الولادة قيصرية، إذ جرت في ظروف قاسية، فهناك عناصر كثيرة تتخلل عصر النهوض، عناصر دافعة للأمام، حققت منجزات غير قليلة، ولكن هناك أخرى تسحبها إلى الخلف وتبطئ من حركتها. ولا مناص من ذكر حقيقة ساطعة، أن الصراعات الدولية وضعت امتنا لأسباب عديدة في مهب تفاعلاتها، وكان الصراع بين فكرة الحداثة أو الموروث جزء مما دار ويدور النقاش حوله في مجتمعاتنا العربية.

للفكر السياسي صفة العالمية، وتلك حقيقة مؤكدة، ولكن الفكر في جانب آخر إنما يمثل عصارة روح أمة من الأمم ويمثل المحتوى الحضاري والإنساني لتلك الأمة. والعلماء العرب المسلمون لم تفارقهم روح، وملامح وسمات متميزة عن ثقافات وحضارات الأمم الأخرى، حيث تنال القيم الروحية والمعنوية والأخلاقية مكانة متقدمة.

وتظهر السياسة في المجال العملي نقائص الفكر أو مثاليته والحاجة إلى تعديل هذه النظرية أو تلك، وكذلك قصور الأنظمة السياسية، أو بروز معطيات مادية جديدة تستحق إجراء تحوير للنظرية، وتبرر حاجات الأفراد والجماعات إلى ما يلبي ويطمئن أهدافها ومصالحها الاجتماعية والاقتصادية. وبتفاعل الفكر والممارسة يبلغ العمل السياسي ذراه، وتنضج التجربة الفكر وتمنحه القدرة على التحقق وصفة الواقعية، وهي ثمرة لتطور الفكر الإنساني ونضال البشر

تكتسب الدراسات والأبحاث المتعلقة بالعلوم السياسية بمختلف فروعها لها أهمية متواصلة وتتميز بطبيعة متجددة، ذلك أن لكل عصر رؤيته وقاموسه السياسي. والعلماء والمفكرين على اختلاف مناهجهم يحاولون جهدهم تقريب تلك الأحداث والظواهر وفكر ذلك العصر وإرهاصاته إلى الأذهان ووضعها في إطار حديث معاصر، ودراسة التجارب المستقلة في العديد من الحركات السياسية والثورات والانتفاضات التي اعتبرت الإفراز العملي والواقعي لتصارع الأفكار والإرادات في المجتمعات عبر التاريخ، فمهمة العالم أو المفكر أن يخلق، أو أن يساهم في خلق تصوراَ لنظام علاقات سواء بين الأفراد ضمن المجتمع الواحد أو بين الأمم والدول، ويؤشر اتجاهات العمل السياسي.

الأقطار العربية التي ما أن نالت استقلالها (المنقوص) حتى دخلت في شبكة العلاقات غير المتكافئة سياسياً واقتصاديا مع القوى الاستعمارية الدولية (شأنها شأن البلدان النامية)، في إطار علاقات جعلت من الاستقلال منجزاً شكلياً إلى حد كبير، وبالتالي فإن عملية التراكم (Accumulation) سياسياً واقتصادياً، كانت عملية محفوفة بالمصاعب والعراقيل، الجزء الموضوعي منها وهو الأعظم والأهم منها، كانت بسبب هيمنة القوى الأجنبية على مقدرات البلاد السياسية والاقتصادية.

والمشكلات الاقتصادية في البلدان النامية (بصفة عامة) قد جرى تشخيص تحدياتها على الأرجح بثلاث فقرات: 1. الحاجة إلى رأس المال. 2. الحاجة إلى التكنولوجيا. 3. التخلف في إنتاجية العمل. وبرغم العراقيل التي كانت تضعها البلدان الرأسمالية، فقد تم تحقيق تقدم اقتصادي / اجتماعي في بعض الدول المركزية، وإن كان لا يرقى إلى الطموح، إلا أن التخلف السياسي(بتقديرنا) تواصل يلقي بظلاله الثقيلة على تطور النظام السياسي والاقتصادي والاجتماعي بصفة عامة، مما يحول دون تحقيق تقدم حقيقي في نظرية الحكم في البلاد العربية أو الإسلامية، وبتقديري أن المشكلة الأساسية هي عجز النظام العربي بسبب كونه مركب من عدة اتجاهات غير متجانسة عاجزة أن تحقق التقدم المنشود.

بيد أن المشكلة الأكبر بتقديرنا تمثلت بإيجاد النظام السياسي المناسب لأقطار فقدت استقلالها منذ القرن الثالث عشر، وحرمت من تكوين تجربتها في الحكم والإدارة، وفقدان الاستقلال للإرادة الوطنية قاد لنتيجة حتمية وهي غياب الخيارات، والتجربة الوطنية، كما أن الثقافة الوطنية القومية بدورها حرمت من التواصل ومن طرح وإنضاج صيغ وتصورات وانطباعات جديدة، أدبية وفنية وسياسية، لذلك فإن هذه العمليات، (وربما ما تزال تدور بشكل ما) تحاول بأساليب تنطوي على الكثير من التناقضات، والسبب الرئيس يكمن بتقديرنا، أن السمت العام للأنظمة التي تأسست في فجر الاستقلال، كانت من وحي وأصداء الدول التي استعمرت بلداننا وهي التي وضعت أولى لبنات النظام السياسي، والإصلاحات اللاحقة كانت أشبه بعمليات ترقيع وإصلاح يبعد عنها صفة البناء الأصيل المتين المتجانس، والجمع بين الحديث جداً من المكونات، وبين الموروثات بصيغها التقليدية. صحيح أن توفر أشكال واتجاهات عديدة لا يخلو من إيجابية أحياناً، ولكن الإشكالية تتمثل بأننا لم نتوصل لليوم إلى تصور لنظام سياسي يتفق مع الضرورات السياسية والاجتماعية والاقتصادية يحل مشكلاتنا بصورة مقبولة.

فالأنظمة الرأسمالية المتقدمة المعاصرة (أوربا / أميركا) قامت على أنقاض التحالف الثلاثي التاريخي: المعبد (الكنيسة)، القصر (الملوك)، الأمراء. ولعبت الثورة اللوثرية (البروتستانتية) دورها التنويري، وأخيراً قبلت الكنيسة تحت ضغط الظروف الموضوعية إلى أن يتراجع دورها إلى أدنى درجة (دون أن يختفي كلياً) ولكن عصر النهضة، وعصر التنوير، ثم الثورة الصناعية أحدثت تطورات حاسمة قلبت النظام الاجتماعي / الاقتصادي، استولت فيها الفئات الصناعية على النظام السياسي بصفة مطلقة، وخلقت نظامها السياسي محتكرة السلطة بصورة تامة.

مضت التفاعلات الاجتماعية والاقتصادية والثقافية تدور في أوربا عبر العصور الثلاثة وهي تفرز أوضاعاً واتجاهات تطور جديدة، وكان الفكر السياسي يرافق ذلك التطور، بل غالباً ما كان الفلاسفة والمفكرون ينيرون الطريق والمسيرة ويبشرون بآفاق التحرر والتنوير في ظل المؤشرات التالية :

1. تراجع مكانة الكنيسة ودورها في قيادة الدولة والمجتمع، وتراجع هيمنة وتأثير اللاهوت على الفكر السياسي.
2. تبلورات اجتماعية جديدة، أدت إلى تراجع دور ومكانة الإقطاع وتأثيراته بما يقرب من التواري عن مسرح السياسة، مقابل تعاظم دور البورجوازية وممثليهم، واتصف بالتنامي في الحياة السياسية والاقتصادية والثقافية.
3. قاد العاملان 1/2 أعلاه إلى تراجع معادلة: الملك ـ الكنيسة ـ الإقطاع، على موقف جديد: الملك ـ البورجوازية ـ الإقطاع، مع تراجع مستمر لدور ومكانة الإقطاع.
4. بروز أهمية وتأثير الثقافة وفروعها: الأدب/ الفن/ المسرح/الصحافة، مما خلق قوة وتأثير على الرأي العام في المدن، وهو عامل سوف تتضاعف أهميته على صعيد اتخاذ القرارات السياسية.
5. تنامي وعي قانوني/ دستوري يسعى المواطن فيه إلى ضمان وحماية الحقوق الأساسية في إطار أهمية متزايدة للإنسان صاحب المنجزات العلمية والأدبية الرفيعة.
6. عندما أنحسر أو تراجعت أهمية المقر البابوي العام/ الفاتيكان ـ روما، برزت بالمقابل وتصاعدت السلطة القومية كرابطة مادية ومعنوية.

مقابل هذه العملية، بدا أن مفكري عصر النهضة العربية قد انقسموا جوهرياً إلى ثلاث فئات. وبتقديرنا أن مثل هذا الانقسام ما زال يطرح بهذه الصورة أو تلك إلى توجهات عديدة :

الفئة الأولى : ترى في تخلي شبه تام عن موروثاتنا، ومحاكاة كاملة للنظام السياسي والاجتماعي الأوربي الذي أنتج الثورة الصناعية وحقق التقدم الاقتصادي، وارتمى بعضهم بابتذال تحت أقدام الغرب في استسلام تام بلغت أن أقترحوا إلغاء الأبجدية العربية وأستبدالها بالابجدية اللاتينية.
الفئة الثانية : ترى التمسك بمكوناتنا الثقافية (الدينية والوطنية) ، ولكن دون أن تحدد لهذه الإمكانية سقفاَ محدداً .
الفئة الثالثة : وهي فئة لم تنجح في إنضاج (إلى حد الآن) تصورها السياسي والثقافي، وتتراوح أفكار هذه الفئة بين ميل للحداثة، مع عدم إغفال خصائصنا، وجهات تميل للحفاظ على الموروثات، مع عدم إهمال الحديث العصري.

وقد فات تيارات النهضة، وربما بعض المعاصرين اليوم، أن التماثل ونقل التجارب بحذافيرها أمر مستحيل لصعوبات موضوعية قبل أن تكون ذاتية، بالإضافة إلى الحقيقة المؤكدة، للتفاوت الشديد في المعطيات المادية الموضوعية، والظروف التي مرت بها كل تجربة، إضافة إلى حقيقة وهي أننا لا يمكننا التخلي عن موروثنا الثقافي والحضاري الذي يمتد لبضعة آلاف من السنين، وأن محاولة من هذا القبيل قد تكون نبيلة المقاصد النهائية، إلا أنها محكوم عليها بالفشل، فهي نقل معلب لمنجزات لا تمت لنا ولموروثنا الثقافي والأخلاقي والاجتماعي، والقبول بها كما هي ونقلها بشكل آلي أشبه بزرع جسم غريب في جسد سوف لن يتقبله، وإن محاولات إرغامية كهذه، لاقت الفشل في الوطن العربي (وربما عند أمم أخرى). في حين ومن خلال تجارب عديدة، في حين توصلت أمة كاليابان مثلاً في المحافظة على القيم والموروث الثقافي وتحقيق تقدم صناعي / علمي / رغم أن موروثنا الثقافي هو أكثر ثراء من الموروثات اليابانية. والقوى الرجعية المحلية استفادت من مساعي تيارات الحداثة متهمة بعض المحدثين بإقحام فكر أجنبي لا يتفق مع خصائصنا.

الثورة الصينية الحديثة مثلاً، بدورها تأثرت بأتجاهات عديدة، فتأثرت بتجربة اليابان، ثم فكر صن يات صن المطعم بفكر غربي، ثم بالفكر الماركسي، ولكنهم نجحوا في صياغة نهج النهوض والتطور، ولكن بنكهة وطنية / صينية، وعندما أسسوا حزبهم الشيوعي، كان حزباً صينياً يعتمد على التقاليد الصينية حتى التفاصيل الدقيقة في اللباس والطعام، والموسيقى والأدب والفنون التشكيلية والعمارة.

ولذلك نعتقد أن الفرصة المنطقية الوحيدة التي تطرح نفسها، وإن هي تنطوي على الكثير من العمل والجهد، إلا أنها تبقى الوحيدة الممكنة وتتمثل في السعي والعمل على ردم الهوة التي تمثل فترة الانقطاع وإعادة اللحمة والتواصل بين علماء عصر النهضة الأوائل وبين فكرينا وعلمائنا المعاصرين، وبتقديري فأن أفضل ما يمكن فعله هو بذل مجهود كبير في البناء فوق ما أسس هؤلاء المعلمون العظام وتحديث ما توصلوا إليه في إطار أبحاث جديدة ملائمة ومناسبة لعصرنا الحالي.

لا أقصد من هذا، أننا يجب أن نحاكي تجربة الغرب بصفة مطلقة، ولا أن نتجاهله بصفة مطلقة، فظروف النشأة والتطور والازدهار لها خصوصيتها التي لا تنطبق على أمم وحضارات أخرى. فأوربا كانت تعرف الفلسفة اليونانية والقانون الروماني قبل المسيحية لم تصل أوربا إلا بعد القرن الثالث ميلادي (300م) ولم تحل كديانة رسمية في إيطاليا إلا تدريجياً وبوقت طويل (عام 750)، وظلت بعض الدول الأوربية وثنية كألمانيا حتى بعد 1200 م، وقد شهدت الفلسفة ومنها الفكر السياسي، محاولات عديدة دامت نحو خمسة قرون للتقريب بين الفلسفة والدين، أشهرها كانت محاولات القس توما الاكويني(نحو 1200م)، وفيما بعد الحركة اللوثرية (1517م) ثم عصر النهضة والتنوير، ولم يحاول الفلاسفة الغربيون، خرق الهدنة مع الكنيسة، وإبقاءها رمزاً للحضارة الغربية، هذا عد عناصر اقتصادية وثقافية / اجتماعية متفاوتة لدرجة ليست بسيطة.

وعندما يطلق الغرب يطلق شعار الديمقراطية فذلك يعني صيغة شاملة لمجتمع لا تقتصر على تبادل السلطة بشكل سلمي(فهذا يجري بهذه الطريقة أو تلك في الكثير من الحضارات والنظم)، ولا نظام برلماني وأحزاب وصحافة، أو إلى الحريات الفردية بلا حدود تقريباً ولكن مصطلح الديمقراطية يعني بالدرجة الأهم نظاماً لا سقف فيه مطلقاً لحرية رأس المال كخاصية أولى، وإذا كان النظام الرأسمالي يتدخل أحياناً (النظرية الكنزية) فيفعل ذلك لإنقاذ الرأسمالية نفسها، فالديمقراطية ليست نظاماً سياسياً، بل هو نظام اقتصادي بالدرجة الأولى، وأي تدخل بحرية رأس المال في التوسع وحرية الانتقال، يخل بمبدأ الديمقراطية كقاعدة أساسية للمجتمع الرأسمالي.

وبتقديري أن المشكلة الأساسية في بلادنا تتمثل أننا قد حرمنا من مسيرة امتدت لقرون(منذ 1258) ومن التوصل إلى نظام يتناسب مع مجمل أوضاعنا ومعطياتنا، وما أنجز من هياكل لم يخرجنا من فلك النظام الرأسمالي العالمي كأجرام صغيرة. المحاولات التي قامت بها بعض الأقطار: مصر، العراق، سورية، الجزائر، اليمن الديمقراطية، (وليبيا جزئياً) كانت محاولات جيدة، ولكنها لم تحقق النتائج المرجوة لسببين:

أولاً : واجهت مقاومة شرسة من الرجعية العربية، ومن القوى الإمبريالية.
ثانياً : هي نفسها كانت مثقلة بترسبات التخلف الاجتماعي والثقافي، فلم يكن بوسعها السير بحزم في طريق التحولات الاجتماعية.

واليوم إذ تشتد أوار الحملة الإمبريالية بكافة صفحاتها على بلادنا العربية وهناك تركيز على الجبهة الثقافية، ربما الأكثر بروزاً بسبب تعاظم شأن الثقافة العربية والمجتمعات العربية، ففي مطلع القرن العشرين كان الجانب الثقافي يأتي بعد الجانب السياسي والاقتصادي لعدم خطورة المستوى الثقافي العربي آنذاك، وكان التناقض الرئيسي الذي يلهب قضايا النضال الوطني والقومي، هو الاحتلال المباشر، كما كان النضال ضد الوجود العسكري والقواعد الأجنبية والكفاح لاستعادة ما استولى عليه الأجنبي من مصادر الثروة القومية، كان شعار التحرر الوطني والقومي في المرحلة اللاحقة، والعامل الثقافي كان خلف هذه الأوليات.

في مطلع الثمانينيات، حضرت وضمن البرنامج الثقافي (أيرنا) ندوة مهمة كان يديرها ويحضرها عدد من العلماء الألمان من اختصاصات شتى، ينتمون إلى جامعات ومعاهد ومؤسسات علمية مختلفة. وموضوع الندوة الذي كان البحث يدور حوله هو (حماية الثقافة واللغة الألمانية) واستطراداً، عناوين ومفردات أخرى مهمة في الحياة الاجتماعية الألمانية عن تسلل ثقافات أجنبية. فقدم العلماء الألمان معطيات دقيقة مدعمة بالإحصائيات تعبر عن حجم هذا التسلل الذي أعتبر في وقته كبيراَ. وخلاصة ما دار في هذه الندوة الهامة، أن اللغة والثقافة الألمانية تواجه خطراً لا يستهان به في المستقبل القريب والبعيد. وبعد عقد من السنوات أو أكثر، يقول رئيس الجمعية الوطنية الفرنسية في كلمة له أمام مؤتمر البرلمانيين الدولي: " إن على شعوب العالم أن تأخذ حذرها مما يسمى بالثقافة العالمية التي تدمر الهوية القومية والثقافية للشعوب". وبعد ذلك اتخذت الدولة الفرنسية قراراً بمنع استخدام الفاظاً أجنبية في اللغة الفرنسية، منها كلمات بسيطة وشائعة.

ويحق لنا هنا أن نتساءل ونتأمل، إذا كان شعباً كالألمان أو الفرنسيين، ذوو الأمجاد الثقافية والاقتصادية والحضارية عامة من جهة، وقربهم من ثقافة وحضارة الثقافات المتسللة إليهم من جهة أخرى، يطلقون نداء التحذير ويتخذون الإجراءات المضادة، فما هي إذن المخاطر التي تتعرض لها أمم وشعوب هي في الواقع شبه عزلاء، لهجمة شرسة عاتية لا تبقي ولا تذر..؟ وإذا كانت الثقافة العربية تمتلك دروعاً ومعدات، وحصوناً منيعة، ترى ماذا يمتلك شعب بوركينافاسو مثلاً كي لا يفقد آخر ما يمتلك من مقومات الهوية الوطنية والقومية..؟ وهو لا يمتلك أساساً الكثير منها بسبب تعرضه لقرون طويلة، ولا يزال، للاستعباد وعمليات صيد وقنص للبشر، ونقلوا إلى قارات أخرى واستخدموا كعبيد هناك، أو تجنيدهم في الحروب والغزوات الاستعمارية لضم وإلحاق بلداناً أخرى إلى ممتلكات الدول الاستعمارية.

وقد غدت هذه التوجهات في أعلى مراحل تطور نظام الدولة الرأسمالية الاحتكارية خطوة على طريق دمج شعبها وشعوب أخرى ضمن نسيجها الاقتصادي والسياسي بالدرجة الأولى، وتكريس هذا الواقع من خلال قطع الأواصر التي تعبر عن كيانها وشخصيتها المستقلة واحتقار تقاليد وعادات الشعوب الأخرى وثقافتها وموروثاتها. والهدف النهائي هو : استنزاف قدراتها الاقتصادية وقوة العمل البشرية فيها، وأخيراً جعل هذه الشعوب والبلدان توابع ثقافية وسياسية، ولكن بالدرجة الأساس، جعلها وسطاً اقتصادياً تابعاً لا يمتلك أي طاقة روحية للنهوض، وإسناد دور نهائي لها في تقسيم العمل العالمي، يتمثل بتصنيع المكونات الثانوية أو الإمداد بالمواد الخام، أو ميداناً لنشاطات الشركات المتعددة الجنسية، وهذا الأمر لم يعد مقتصراً على منطقة واحدة، بل أنه موجه إلى أقطار العالم كافة لاسيما البلدان النامية في آسيا وأفريقيا وأميركا اللاتينية، وفي هذا المجال يكتب الأستاذ البرازيلي كاردوز قائلاً : " هناك تبعية تنجم بالنتيجة، وهي تبعية متعددة الأوجه، سياسية واجتماعية وثقافية وعسكرية، بل أن عمليات التشكل الطبقي والفئوي تتأثر بالتبعية بشكل بالغ ".

وفي المرحلة الحالية التي تتميز بهيمنة الولايات المتحدة بوصفها متروبول الرأسمالية العالمية ومتمسكة بقوة بهذا الموقع القيادي ولا تقبل المشاركة فيه، تهدف إلى تعميم ضرب من الثقافة التي لا تلامس جوهر مشكلات الإنسان، ثقافة سطحية تتعامل مع غرائز الإنسان وتشجع فيه روح التفوق والتسلط الفردي والنزوع المطلق نحو الثروة وإحراز النفوذ والهيمنة، وإطلاق لنزعات الجنس الشاذة، أن إنسان العصر الذي قدم منجزات كبيرة بفضل تراكم التجربة والعلم، تضعه في قمقم مشكلاته الذاتية لتخلق منه إنساناً نرجسياً على استعداد لفعل أي شيئ، حتى القتل الجماعي من أجل إشباع نزعاته، إنها نزعات وثقافة وتربية اجتماعية تهدف في النهاية إلى خلق الإنسان الكوزموبوليتي (الإنسان العالمي) Kosmopolit، الذي لا جذور له ولا يؤمن بقضية أو وطن بل بالمصالح والأرباح المادية وأي غرابة في ذلك…؟ أليست البراغماتية Pragmatism، وهي جوهر الفكر السياسي الفلسفي للرأسمالية، التي لا تؤمن إلا بالنتائج بصرف النظر عن الأساليب وأخلاقياتها. والإنسان الكوزموبوليتي هو حيوان انتهازي منافق قد يتحول في أي لحظة إلى آلة شرسة مدمرة مكن أجل تحقيق مصالحه الذاتية، وهذا هو سر انحطاط الحياة الاجتماعية في الغرب الرأسمالي لاسيما في الولايات المتحدة، ونجد أصدائها الخافتة في بلادنا حيث تروج لها أجهزة الأعلام الغربية وصنائعهم وأدواتهم.

إن الإمبريالية المعاصرة لا تحاربنا بالعولمة فقط (كأداة سياسية واقتصادية وثقافية)، إنها قبل ذلك تمد خراطيمها وتنهش ثرواتنا بفعالياتها الاقتصادية، وتحاربنا بأستخدام صريح للقوة المسلحة. وللإمبريالية بين صفوفنا كعرب وكمسلمين حلفاء وأصدقاء في السر والعلن، النظام الرأسمالي يؤمن بصفة جوهرية بالتفوق العرقي ويدعو إلى حروب عرقية، وما الفاشية الإيطالية والنازية الألمانية إلا أشكال منها، ومن ضروب الأنظمة الرأسمالية اليمينية التي وصلت للحكم بواسطة الأنتخابات، بل إن النظام السياسي في الولايات المتحدة يتجه في هذه المرحلة حثيثاً إلى هذه المواقع بسبب الأزمات التي يمر بها النظام الرأسمالي الاحتكاري داخلياً وخارجياً، لذلك فهم يطلقون النداءات المشحونة بالتحريض العرقي والديني، وبالحروب والإبادة، لكنهم يتحولون فجأة إلى مدافعين عن (الديمقراطية) و(حقوق الإنسان) عندما يتعلق الأمر بالبلاد العربية والإسلامية أو الصين الشعيبة أو كوريا الشمالية أو كوبا، وهناك من يصفق لهم إعجاباً أو نفاقاً أو كيداً بجار له يضمر له الحسد.

ومن البديهي أن تكتنف عملية التحديث والبحث والعصرنة جدال وخلافات في وجهات النظر، وأجد من الطبيعي أن ينظر كل عالم إلى حشد الموضوعات والأحداث والأبحاث من زوايا مختلفة، بل أن ذلك ضروري وسيؤدي إلى إثراء الفكر وأتساعه ولكن لا بد للباحث أن يتصف بالموضوعية والأمانة والرؤية المتوازنة وعدم إغفال حقائق مهمة أو الجنوح إلى المبالغة وتهويل مما يفقد الباحث نزاهته كما أن التطرف يفقد كل قضية فرصتها في التطور والنجاح ويسيء إلى المتانة المعنوية الأخلاقية التي ينبغي أن تتمتع بها.

لابد للمفكرين العرب من أداء دورهم، وهو الدور الذي يقوم على حراسة المنجزات الثقافية والحضارية وتطويرها من أجل أن تسهم ثقافتنا العربية في الحضارة العالمية، وزيادة حصة هذا الإسهام. والمثقفون العرب مدعون إلى التفاعل فيما بينهم وإنضاج مواقف موحدة حيال التيارات التي تقف ورائها القوى المضادة لحركة التقدم العربية وصياغة برنامج يمكن إيجازها بما يلي:
• الانفتاح على الحضارات والثقافات الأخرى والتفاعل معها بإرادتنا على أساس من المبادئ والأخلاقيات الإنسانية التي تمتاز بها الحضارة العربية الإسلامية من جهة، وحماية أجيالنا من أوبئة تسللت إلى مجتمعاتنا التي تروج الإباحية والمخدرات والأمراض الجنسية والشذوذ ومظاهر الفساد الأخرى.
• العلماء العرب مدعون اليوم، كل في اختصاصه إلى إيجاد العلاقة بين المستوى الحالي للعلوم، وبين ما توصل إليه العلماء العرب في عصور الازدهار، أي تجسير الفجوة بين عصور الازدهار وما أعقبها من سبات بعد انحطاط الحضارة العربية، وبين المرحلة الحالية لكي نتحرك على أرضية صلبة ونواصل البناء على أساس متين. لقد آن للجامعات والمعاهد العربية وقد بلغت مرحلة النضج في العمل والتعامل مع المنجزات الحديثة في العلوم، وصياغة نظريات عمل عربية. أن كثير من الجامعات الأوربية تعتبر أعمال العلماء العرب هي الأساس في العلوم التي تطورت فيما بعد على أيديهم في مختلف المجالات العلمية والإنسانية.
• الابتعاد عن التطرف والتعصب ومعاداة الثقافة الأجنبية لمجرد كونها أجنبية فذلك سيقودنا إلى العزلة، فالأمم الأخرى قد تمكنت من تقديم منجزات رائعة أغنت الثقافة الإنسانية، فكيف لنا أن نتجاهل أعمال فكرية وفلسفية، فنية / أدبية، موسيقية وسينمائية، عدا التقدم الكبير في مجال العلوم الطبية والإنسانية.
• إبداء الاحترام التام لحقوق الأقليات الدينية والقومية المتواجدة في البلاد العربية، وبهذا تحافظ الثقافة العربية على إحدى مميزاتها وهي ابتعادها عن الصيغ الشوفينية، وتواصل الثقافة الإسلامية في منح الأمان والحرية الأقليات الدينية .

وبطبيعة الحال، فأن الهجمة الثقافية الحالية تتميز بملامح عديدة ينطوي البعض منها على ما هو جديد في أسلوبه وأدواته، وابتداء لابد لنا من تشخيص أبرز الظواهر على مسرح العلاقات الدولية المعاصرة، وتحليل الاتجاهات المختلفة وعناصر الموقف الموضوعية منها وأبرزها:

أولاً: ـ ظاهرة القطبية الأحادية: ويتمثل هذا العامل باستفراد الولايات المتحدة الأمريكية بالدور القيادي في الحياة السياسية الدولية واستخدامها لأساليب التهديد والترغيب، وللأمم المتحدة (كشرعية دولية) ومجلس الأمن لتحقيق أغراضها وأهدافها السياسية والاقتصادية، وفرض أنماط اجتماعية وثقافية.

ثانياً: ـ ظاهرة عولمة الاقتصاد: ويتمثل هذا العامل بتسارع وتائر حركة رأس المال المالي (المصرفي) وأتساع حركة الاستثمارات ليصبح العالم بأسره فعلاً سوقاً واحدة بقبضة الشركات المتعددة الجنسية في تعاظم متزايد لدورها.

ثالثاً: ـ الإمبريالية في مرحلة جديدة: ويتمثل بدخول دولة الاحتكار الرأسمالي (الإمبريالية) في مرحلة جديدة، ويتمثل داخلياً باشتداد التمركز المالي وذلك بميل رؤوس الأموال خوض غمار المشروعات الكبرى وقيام الاحتكارات العملاقة في فروع الإنتاج المهمة من جهة، والإقحام المتزايد للأجيال الجديدة من التكنولوجيا المتمثلة بالحاسبات العملاقة والروبوتات والميكروالكتروتكنيك، والتطور الهائل في وسائل الاتصالات والنقل وفي وسائل العلام المرئية والمسموعة والمقروئة.

وبتقديرنا فأن الجانب الأخطر من الهجمة الإمبريالية على بلادنا يتمثل بالدرجة الأولى بالإخضاع السياسي وذلك ما يسلب القدرة على التطلع إلى المستقبل بحرية واستقلال، أي قمع المشروع النهضوي العربي وفي مقدمة فقرات هذا المشروع :
• تقليص حجم التبعية الاقتصادية: وفي تفاصيله الجانب الغذائي(الأمن الغذائي).
• تقليص حجم التـخلف العلـمي: وفي تفاصيله التكنولوجي.
• تقليـص التـبعية الاجتماعـية: وفي تفاصيله الحفاظ على شخصية مجتمعنا العربي الإسلامي.
• تقليص التبعية الثقافية: (الأمن الثقافي)، وفي تفاصيله مفردات التطور الثقافي ـ الحضاري، والسعي لرفع إسهام ثقافتنا العربية في الثقافة الإنسانية العالمية في إطار العمل المشترك مع الشعوب والأمم لأن يكون هذا العالم أكثر إنسانيا وأكثر رخاء وعدالة، والكف عن اضطهاد الإنسان للإنسان، والأمم الغنية القوية للأمم الأقل ثروة وقوة، عالم التعايش السلمي والتعامل القائم على التكافؤ، عالم يشعر فيه أي إنسان، إن أي تقدم علمي بسيط في أقصى بقعة في العالم ينتمي إليه مباشرة، ولكنه يشعر بالمقابل أن أي صفعة يتلقاها أي إنسان ظلماً في العالم يوجعه ويدمي كبرياءه وكرامته.

ندعو المفكرين والعلماء والمثقفين العرب إلى وضع إطارات عامة، يمكن أن تحشد ورائها الحجم الأكبر من الجمهور. النظام العربي المنشود يفترض العدل والمساواة وتكافؤ الفرص أمام القوانين، ويفترض قيام دولة سيادة القانون العادل. أن الفكر الإسلامي، السياسي/ الاقتصادي مطالب بحل الإشكاليات القائمة في العلاقات الدولية السياسية والاقتصادية، والتصدي لمشكلات التصنيع والتنمية بكافة فروعها، وتحقيق ثورة علمية / ثقافية، ومواجهة قضايا التحرر الوطني والقومي وتقليص التبعية للاستعمار والإمبريالية وانتهاج أساليب سياسية ناجحة مع تفهم لمعطيات العصر وسماته ومؤشراته، نظام يبدد آخر آثار ومظاهر وبقايا والتخلف والسبات الطويل، وليمضي بأقطارنا إلى القرن الواحد والعشرين وإلى غزو الأفلاك والكواكب.

وثمة أمر آخر يستحق الإشارة إليه، هو أنني أجد ضرورة التميز بين الفرق والمذاهب الدينية، والحركات السياسية / الدينية المطلبية، وهنا ينبغي على الباحثين أدراك حقيقة هامة، هي أن كافة الحركات السياسية التي هبت منذ القرن الهجري الأول، وتحديداً منذ الصراعات الإسلامية ـ الإسلامية، التي كانت الخلافة والإمامة محورها، اتخذت مواقفها السياسية توجهات دينية لتكسب موقفها السياسي قوة ونفوذاً مضافاً بين الجماهير، في حين أن المذاهب التي نشأت واستمرت هي تفسير وإيضاح للشريعة وموقفها من شتى المشكلات سواء في مجال العبادات أو المعاملات. وكان انتشار الفرق والمذاهب، ومن تلك الفرق الباطنية والغالية، وقد اندثر الكثير منها في حين أستمر البعض الآخر موجوداً ولكن بتأثير وإشعاع ضعيف.
فلنركز على الموضوعات السياسية ذات الجوهر التقدمي في الإسلام وفي التراث والموروث:

ــ يمكننا أن نتلمس توجهات وأنظمة تهدف إلى تحقيق العدل الاجتماعي.
ــ يمكننا الحديث عن يسار ويمين في الإسلام.
ــ رفض للاضطهاد الطبقي واستغلال الإنسان للإنسان، ودعوة إلى اكتفاء الإنسان وأن ينال بقدر ما يكد وبقدر ما يحتاج.
ــ رفض لتمركز رأس المال بيد فئة قليلة لتتحول إلى أداة للقهر والتسلط.
ــ إدانة واضحة وصريحة لاكتناز الأموال وإدانة لفائدة رأس المال المالي.
ــ حقوق متساوية للبشر في الخيرات المادية وفي الدراسة والتعليم.
ــ مكافحة مظاهر الفساد التي تفرزها الطبقات الثرية.

أما الحركات السياسية التي اعتمدت بدرجة كبيرة على الشريعة كمصدر لشعاراتها السياسية، فأن هذه الحركات كانت تشبه (من حيث الجوهر) السكولاستية، scholasticism في الكنيسة المسيحية التي حاولت في القرون الوسطي إخضاع الفلسفة لعلوم الدين(اللاهوت) وإقامة صلات لا تخلو من التناقضات بين الدين والفلسفة. ولا نعتقد أن شيئاً من هذا القبيل أو باليات مماثلة لما حدث في الكنيسة الأوربية رافق تطور الفكر السياسي العربي الإسلامي، ذلك أن الفلسفة كانت متقدمة في أوربا قبل حلول المسيحية بوقت طويل( كانت هناك أمم أوربية وثنية حتى القرن العاشر الميلادي). وقد أعتنق عدد كبير من الفلاسفة الأوربيين الديانة المسيحية في القرون الخامس حتى العاشر ميلادي.

فالسكولاستية كانت محاولة لتجسير الهوة بين عقائدهم القديمة وديانتهم الجديدة (لتأخر حلول المسيحية في أوروبا كما أسلفنا)، وبين ما تبلغوا به من أصول الدين وتعاليمه على أيدي القساوسة والرهبان، كما كان الرهبان بحاجة لهل بصفة خاصة لمحاورة أقطاب الفكر والفلسفة في أوروبا. لذلك كان قادة السكولاستية رهبان وقساوسة(أشتهر منهم بصفة خاصة القس توماس الأكويني)، ولكن أمراً كهذا لم يحدث في الحركات السياسية الإسلامية كما حدث في السكولاستية.

وينطوي الفكر السياسي الإسلامي (القرآن ـ الحديث والسنة) على الكثير من العناوين والإشارات السياسية كالعدل والشورى والبيعة والمساواة وسواها، وعلى قواعد للتعامل في السياسة الداخلية والخارجية، وفي الحرب والسلم، قابلة للتحديث والعصرنة (Modernisation) بأتجاهات تقدمية مما يمكن اعتباره أساساً ليشيد فوقه فكر سياسي عربي معاصر يهدف إلى إقامة نظام سياسي / اجتماعي ينشد العدل والمساواة، وعدم التميز بناء على العرق واللون والمعتقد،من خلال التغير نحو الأفضل "إن الله لا يغير ما بقوم حتى يغيروا ما بأنفسهم" (الرعد ــ 11)، ونعتقد أن هذه العناوين الواردة في (القرآن) تصلح للاستنباط والاجتهاد واستخراج أحكام جديدة وفق قواعد الاجتهاد، فالشريعة هنا بالنسبة للمجتمعات العربية ـ الإسلامية أشبه ما تكون بروح الدساتير) Spirit of the Lows) في صياغة أفكار وفي قراءة حديثة لها في عالم السياسة الدولية المعاصرة.

ويحق القول تماماً أن في حديث الرسول (ص) : (لا تكرهوا أولادكم على آثاركم، فإنهم مخلوقون لزمان غير زمانكم ) ، ومثل هذا القول أكده الخليفة الراشدي علي بن أبي طالب بقوله " لا تربوا أولادكم كما رباكم آبائكم، فإنهم خلقوا لزمان غير زمانكم " وتضم الشريعة موضوعياً عناصر مشجعة للتقدم، وتقف في أكثر الأمور الحساسة موقفاَ مرناً مثل : عملية التطور، كقضايا الدولة والرئاسة، والقضايا الاقتصادية الرئيسية، ونعني بالموقف المرن، هو الموقف المتقبل للتطور والمتفهم للظروف المعاصرة. كما أن الشريعة تقف موقفاً متقدماً من قضايا توزيع الثروة الوطنية على أفراد المجتمع، وكذلك من قضايا الحريات الإنسانية في العمل السياسي، بالإضافة إلى أن الشريعة تمثل جزءاً أساسياً وحيوياَ من الرصيد الثقافي كما ينطوي أيضاً على جوهر شخصية شعبنا. وبتقديرنا، فأن المؤسسة الدينية (من المراجع الدينية) ، عليها استيعاب دورها ضمن عملية النهضة الحديثة، وتوفير فرص التلاؤم والانسجام معها وليس الاصطدام بها.

ومن البديهي، بتقديري أن مهمة الدولة العربية الحديثة لا تتمثل في إقامة مفردات صغيرة(بصرف النظر عن أهميتها) كالحجاب أو أصناف الأزياء، أو تحريم تناول هذا الصنف من الطعام والشراب أو ذاك من الغذاء. بل بأبعاد نظام سياسي مقبول على مسرح السياسية الدولية، إن النظام العربي الإسلامي مطالب اليوم قبل كل شيء بإقامة مجتمع الكفاية والعدل، مجتمع يختفي فيه الظلم بكافة أشكاله، وفي المقدمة منه الظلم الاجتماعي/الاقتصادي، وأي ظلم أشد من ذلك الذي يقود في مرحلته القصوى إلى انفجارات، انتفاضات وثورات، ثم قمع واضطهاد.

تهدف السياسة في نظرية الحكم الإسلامية إلى إقامة العدل وإشاعة السلم الاجتماعي بين فئات الشعب (الأمة) بأختلاف انتمائهم العرقي والديني والطبقي بأساليب شرعية قانونية، ولابد أن تتوافق (تتلائم ) تلك السياسة بأهدافها وأساليب وقواعد تحقيقها مع قواعد ودستور العمل والشريعة الإسلامية بمصدريها الرئيسيين : الكتاب والسنة. أو أن لا تتنافض معهما تناقضاً صارخاً في جوهر توجهاتهما اللذان يمثلان الأساس القانوني والآيديولوجي لتلك السياسة، وبهذا المعنى، فإن العلوم السياسية الإسلامية تهدف إلى البحث في أركان وأسس إقامة هذه السياسة الشرعية العادلة.

وإذ تتوجه هذه السياسة بصفة مبدأية إلى الحكام فتأمرهم بالعدل ورد الأمانات إلى أهلها، وما الأمانات هنا سوى إعطاء كل ذي حق حقه، سواء كانت حقوقاً معنوية أو سياسية أو اجتماعية، فإنه يتوجه إلى الأفراد بوجوب طاعة السلطات، لأن تلك السلطات لا تهدف إلا خدمة البلاد والأمة تنفيذاً لأوامر الخالق (الله) وبحسب أحكام الشريعة، التي تنطوي على نظرية عربية / إسلامية للعقد الاجتماعي، إلا إذا أمر الحاكم بما يخالف شريعة الخالق، وهنا لا طاعة لمخلوق في معصية الخالق. وتمثل الآيتان 58 ــ 59 من سورة النساء " إن الله يأمركم أن تؤدوا الأمانات إلى أهلها، وإذا حكمتم بين الناس أن تحكموا بالعدل إن الله نعماً يعظكم به إن الله كان سميعاً بصيراً. يا أيها الناس الذين آمنوا أطيعوا الله وأطيعوا الرسول، وأولى الأمر منكم، فإن تنازعتم في شيئ فردوه إلى الله والرسول إن كنتم تؤمنون بالله وباليوم الآخر، ذلك خير وأحسن تأويلاً ".

تمثل هاتان الآيتان العنوان والمصدر الرئيسي لمثل هذه لمباحث في الحكم بالعقد الاجتماعي، يسندهما ويعززهما أحاديث كثيرة للرسول، منها " إن الله يرضى لكم ثلاثة : أن تعبدوه ولا تشركوا به شيئاًـ وأن تعتصموا بحبل الله جميعاً ولا تفرقوا، وأن تناصحوا من ولاة الله أمركم ". فالحاكم إذن بحسب النظرية الإسلامية مخول بالحكم من الله طالما هو منفذ وماض وفق نظام الشريعة واحكامها، فرض على الرعايا، ومخالفته تعني مخالفة أوامر الله، فإذا توصلت السياسة الاسلامية إلى تحقيق الأمانة والنزاهة والعدالة، فتلك هي فحوى السياسة العادلة ومبتغاها، وكذلك الحاكم الصالح.

ــ وَلَوْ شَاءَ رَبُّكَ لَآمَنَ مَن فِي الْأَرْضِ كُلُّهُمْ جَمِيعًا ۚ أَفَأَنتَ تُكْرِهُ النَّاسَ حَتَّىٰ يَكُونُوا مُؤْمِنِينَ (99 سورة يونس
ــ " فذكر إنما أنت مذكر لست عليهم بمصيطر ". الغاشية. قرآن كريم.
ــ " لا إكراه في الدين، أن أحسنكم عند الله أتقاكم " . البقرة 256 قرآن كريم.
ــ حديث الرسول (ص): " لا يحتكر إلا خاطئ "
ــ حديث الرسول (ص) : " الناس شركاء في ثلاثة : النار والماء والكلأ ".
ــ حديث الرسول (ص) : " ليس منا من دعى إلى عصبية، وليس منا من مات على عصبية ".
ــ حديث الرسول (ص) :" لزوال الدنيا أهون عند الله من قتل الإنسان ".
والخليفة الراشدي الأول قال " أطيعوني ما أطعت الله فيكم، فان عصيت فلا طاعة لي عليكم".
وقال عمر بن الخطاب في الناس في مستهل خلافته " إن رأيتم في اعوجاج فقوموني ".

الفكر السياسي العربي موجود وثري، لكنه يحتاج إلى عصرنة، ولكن ما نحتاج إليه مزيد من الدراسات والتجارب في بلورة نظام عربي، فالشورى بحاجة إلى تحديد دقيق، وكذلك نظام الدولة، وعلاقة القوى الثلاث التشريعية والتنفيذية والقضائية، ومفاهيم ومصطلحات كأهل الحل والعقد. وأسس نظام اقتصادي بهدف للعدالة الاجتماعية، يقلل من فرص الصدام الطبقي
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
التراكم هو عملية تحويل جزء من فائض الإنتاج الاجتماعي الى قوى إنتاجية جديدة.

الأبراج وتفسير الأحلام

المتواجدون حاليا

492 زائر، ولايوجد أعضاء داخل الموقع