الگاردينيا - مجلة ثقافية عامة - وأد البطل نهاية جيش وملحمة وطن / الفصل الثاني

وأد البطل نهاية جيش وملحمة وطن / الفصل الثاني

        

                            د.سعد العبيدي

وأد البطل: نهاية جيش وملحمة وطن - الفصل الثاني

  

الباب الأول، الفصل الثاني: عوامل ساعدت على التسريع بعملية الهدم

العوامل المساعدة
اذا ما قيل ان انحرافا عن رغبات المجتمع العراقي، وكذلك عن اهداف الدولة العراقية، قد جرى في موضوع تشكيل الجيش العراقي وعموم القوات المسلحة عام 1921. واذا ما اضيف لهذا القول قول آخر، مفاده ان طبيعة تشكيله، وسياقات تطوره، ومعالم نموه وتضخمه، واتجاهات استخدامه داخلياً أوجدت عوامل هدمه وانحرافه ذاتيا. واذا ما آمنا بهذه الاقاويل، علينا أن نؤمن معها، ان ماحصل منه وله طوال ثماني عقود متصلة، لم يكن قد حدث اعتباطا، ولا يمكن ان يكون حدوثه بالصدفة العابرة مثل مواضيع أخرى في الحياة الدارجة.
ونؤمن أيضا بوجود أسباب وعوامل اجتماعية وسياسية، لم يدركها القريبين أحيانا، ويصعب ادراكها في معظم الاحيان، لانها موجودة في الغالب داخل عقول المعنيين في أعلى السلطة التي لا تقبل تركيبتها النفسية الكشف والنقاش. لكنها عوامل يمكن تقصيها واستكشافها من خلال النتائج أو بوسائل البحث العلمي، ومن خلالهما سوية يمكن الاشارة الى أن الهدم والانحراف والتصدع الذي حصل في نهاية عمره أي قبل 9/4/2003 يعود الى عوامل مباشرة وأخرى غير مباشرة، ساعدت على بلوغ غاية الهدم، يمكن مناقشتها تحت العناوين الرئيسية والفرعية الآتية:
1. أصول البيئة العراقية
وَسمت القبلية العراقية سلوك ابنائها وان كانوا مقيمين في المدينة أو قريبا منها بخاصية المحسوبية، يفضل الواحد منهم على أساسها، التعاون مع الأخ أولاً ثم ابن العم ثم القريب ومن بعدهما ياتي الفــرد العادي من العشيرة ذاتها، حتى قيل "انا وأخوية على ابن عمي وانا وابن عمي على الغريب". خاصية دفعت أولئك الضباط الاوائل المعنيين بالتأسيس والتهيئة والتشكيل، المنحدرين الى القبيلة، أو بالمعنى الأصح أولاد شيوخها، أن يمهدوا كثيرا لأبناء عمومتهم وأفراد عشائرهم، وابناء المناطق التي ينتمون اليها، فيما يتعلق بالقبول في الكليات العسكرية والامنية، ولاحقا في دراسة الأركان ومن بعدها استلام المناصب القيادية في أفرع القوات المسلحة. وهذه بحد ذاتها مخالفة جذرية لطبيعة البنية العسكرية ومهامها الوطنية، البست التشكيلة العسكرية، لباس العشيرة، ببدلة عسكرية، وجعلت جذورها النامية من الضباط على وجه الخصوص، ذات ابعاد نوعية، عشائرية، مناطقية محددة، وكذلك قياداتها العليا.
واقع حال بقيَّ هكذا لعدة عقود، وان تغيرت نظرة الجنوب العراقي إلى الخدمة وتوجه العديد منهم الى التطوع للعمل في صفوفه أواخر الحكم الملكي، ومعظم سني الجمهورية، هذه الفترة التي نما خلالها المجتمع العراقي نمواً بدأ بسببه الوقوف على سكة المدنية بعض الشيء والتي يفترض ان تقلل من اثر هذه الانحيازات المخالفة على المواقف والسلوك المهني.
آ. نماذج من السلوك البيئي غير التوافقي
ان البيئة الاجتماعية العراقية فيها خصائص أخرى، ونماذج سلوك أخرى غير القبلية، لا تتوافق مع متطلبات البناء العصري للدولة وقواتها المسلحة، اذ وبالاضافة الى الميل العشائري الذي انعكس سلباً على بنية القوات المسلحة في الازمنة السابقة والحالية، كما ورد في الاسطر القليلة أعلاه، هناك مثلاً:
سلوك المداهنة التوددي للحاكم وصاحب السلطة والتقرب منهما، والخوف التجنبي منهما في ذات الوقت.
وكذلك تعظيم الأعلى في المنصب والرتبة، وأكبار شأنه مع النفس وبين الآخرين.
سلوك، كان موجوداً في هذه البيئة منذ القدم، بالتأسيس عليه نرى، فسحة مدح في الشعر القديم والجديد للخلفاء والحكام وأصحاب الجاه تعد كبيرة، ونرى في الادب القديم والجديد توجهات لاكبار وتعظيم الحكام وكبار القوم من قبل الخطباء تعد ايضا كبيرة، ونرى كذلك سكوت صغار القوم عن كباره هي الاخرى موجودة بكثرة. وما يهمنا هنا علاقتها ببنية القوات المسلحة ومقادير تأثيرها في عملية الهدم، وعلى اساسها نفترض ان القادة العسكريين الذين أسسوا اللبنات الاولى للقوات المسلحة، والذين بادروا باستخدامها في بعض القتالات الداخلية، والانحياز الى ابناء قومهم في القبول بين صفوفها، من النادر ان يقف أحد بمواجهتهم ليقول لهم أنكم على خطأ، واذا افترضنا أن مثل هذا قد حصل في بدايات التأسيس، فانه سيصطدم بخاصية الاعتداد بالنفس والاعتقاد بالصح، عندها سيكون التنبيه محدوداً وتأثيره قليلاً. كان هذا في البداية، واذا ما أنتقلنا الى الازمنة القريبة من الان، وأضفنا الشك وعدم الثقة خاصية أخرى الى المداهنة والاعتداد المفرط بالنفس، فسنرى ان هناك تجنب لفعل التنبيه عن الخطأ، بل وأكثر منه حد الثناء على السلوك الخطأ عند حصوله من الاعلى والدفاع عن حصوله، وكأنه هو الصح بعينه.
انها خصائص سلوك وأخرى غيرها في البيئة الاجتماعية العراقية العامة والعسكرية على حد سواء، عززت من أوجه الخطأ، وحرفت الصحيح عن مساره في مساهمة واضحة لحصول، وتعميم الهدم في البنية العسكرية.
كذلك امتازت هذه البيئة بكثر الاسقاطات النفسية، لما في داخل انسانها على الاخرين، حاكماً او محكوماً، ضابطاً برتبة عالية أو جندي بمنزلة عادية... حيِلةٌ، لا شعورية من حيل دفاع الانا، ينسب صاحبها لغيره ميولاً وافكاراً مستمدة من خبرته الذاتية، يرفض الاعتراف بوجودها، لما تسببه من ألم وما تثيره من مشاعر الذنب، فيسلك بنتيجتها على العكس من ما يظهره. وهي بالتالي اسلوب لاستبعاد العناصر النفسية المؤلمة من حيز الشعور (5)، يزداد اللجوء اليها لا ارادياً، وينقص كذلك لا اراديا، تبعاً لحال المعني نفسياً والظروف المحيطة به اجتماعياً، وخير مثال لعملية اللجوء اليه بالقدر الذي حرّف مسيرة القوات المسلحة، كانت اسقاطات صدام حسين، الآتية من قلق التجربة في انقلابات متعددة اندفع بسببها، وعوامل السياسة الى اتهام الآخرين أولاً ومن ثم تنحية الرفاق القريبين، وبعدها الارتكاز على أعمدة عسكرية موالية، لها الفاعلية والقوة والنفوذ والقدرة على تثبيت أركان حكمه وتعزيز وجوده، حتى بنى على هذه المعرفة فلسفته في ادارة الدولة والمجتمع والقيادة العسكرية، بقوة النخبة التابعة من العسكر المحسوبين على شخصه عشائريا ومناطقيا.
وامتازت أيضا بالشك التوجسي، للاعلى "الحاكم" اتجاه الادنى "المحكوم" الذي يدفعه الى عدم الاطمئنان لمسؤولية التكليف بمهام القيادة، فيتجه الى التفتيش عن الموالين بين القادة، والتغيير في السياقات وربما التقاليد السائدة.

             
ب. المزج بين العسكرية والعشائرية
مما ورد أعلاه يتبين ان عبد السلام محمد عارف، سبق صدام حسين في الاستجابة السلبية لخاصية القبيلة، عندما توجه الى تكتيل وتقريب الضباط الدليم قريبا منه، ومن ثم تسليمهم المناصب المهمة، فكون تشكيلة قيادية عسكرية مطمئنة "حسب اعتقاده" جاءت من رحم العشيرة والمنطقة، ضَمِنَ بها رئاسة الاركان لشقيقه، ومعها الاحتفاظ بقيادة فرقة المشاة الخامسة المتمركزة في بغداد. وضمن القوة الجوية للواء الطيار الركن عارف عبد الرزاق من كبيسة.

                   

والانضباط العسكري وآمرية موقع بغداد للعميد سعيد صليبي، القادم من نفس العشيرة. والحرس الجمهوري الى العميد الركن ابراهيم عبد الرحمن الداوود، المحسوب على الرمادي. والاستخبارات العسكرية، للنايف، معاون مديرها، القوى في هيكلها التنظيمي، هو كذلك من العشيرة.     
ان هذا التوجه التكتلي النافذ لعبد السلام، يمكن عده المحاولة السياسية العسكرية الاولى التي اعتمدها رئيس عراقي لانتاج كتلة قرابة عسكرية "عشائرية مناطقية" لاغراض الحماية الذاتية وتوسيع النفوذ، متجاوزاً على السياقات التي سارت عليها القوات المسلحة منذ تأسيسها، وَمُرسياً قواعد وسياقات تعتمد القرابة السياسية العشائرية، أمتدت الى الازمنة التي جاءت من بعده، لتكون أكثر سعة زمن صدام حسين الذي منح رتباً ومناصباً لاهالي منطقته واقرباءه بشكل واسع حتى أحاط نفسه في السني الاخيرة بمجموعة من الضباط الكبار، يرتبطون معه عائلياً وعشائرياً ومناطقياً، لم تفلح في حمايته من وشاية قريب أودت به أسيراً لدى القوات الامريكية.

             

انه توجه للتعامل مع الشكوك بالتكتيل العشائري المناطقي،وان نفع مبتدعه عبد السلام، في الحيلولة دون نجاح عدة محاولات انقلابية بالضد من نظامه، وفي فرض شقيقه عبد الرحمن كرئيس للجمهورية، بعد مقتله يوم 13 نيسان 1966، لكنها ومع هذا لم تنفع كما يجب في حماية الرئيس عبد الرحمن لفرط طيبته، وسعة ثقته باهم شخوصها، مثل ابراهيم الدواد، المعني بحمايته، وعبد الرزاق النايف، المسؤول عن أمنه، أي انه لم يتمكن من استخدامها ورقة ضغط عسكرية عشائرية، تركها له شقيقه جاهزة للاستخدام، اذ وعلى العكس مما أراد من قادتها أن يكونوا طوقاً أمنياً لحمايته والنظام، كانت هي دافع لاثارة قلقهم على فقدان النفوذ من انقلاب محتمل، ففضلت الانقلاب عليه بالتعاون مع البعثيين الساعين الى السلطة، بل واقوى الساعين اليها، وتم لهم هذا.
وختاما لهذا الموضوع يمكننا التأكيد على ان هذا النوع من السلوك الذي يتأسس على نوع من التقرب والاقتراب والابعاد والابتعاد، موجود اصلاً في النفس العراقية القبلية، ولا يقتصر وجوده على العسكر، اذ يمكن تلمسه بشكل واضح في سلوك العديد من القادة والمسؤولين السياسيين الذين حكموا البلاد منذ تأسيس الدولة والى ما بعد عام 2003.
2. ضعف التركيبة البنائية
إن التمعن بطبيعة المؤسسة العسكرية العراقية منذ بداية تشكيلها يبين وجود بعد انحيازي في قيادتها،

             

فاول وزير للدفاع كان جعفر العسكري، واول رئيس للاركان كان نوري السعيد الذي عين بعد عودته من سوريا كوكيل لوزير الدفاع تحت تسمية (رئيس اركان الحربية)، وهذا سلوك يعود الى عوامل السياسة التي حتمت ان تنحصر خياراتها في تحمل مسؤولية التأسيس على الضباط العراقيين العثمانيين المناصرين للثورة العربية أو المستمرين بالخدمة العسكرية العثمانية حتى سقوط امبراطوريتها، وهم جميعاً من مناطق الوسط وشماله، الذين تحملوا وحدهم ذلك الشرف "التأسيس"، ولأن الجنوب العراقي ومرجعيته الدينية والعشائرية لم تقتنع تماما بنظام الدولة الجديدة، عندها ضاق المجال عملياً أمام الدولة في أن تلون البنية البشرية للقوات المسلحة أي أن تجعلها متجانسة من ناحية التركيبة الاجتماعية "القومية، الدينية والمذهبية". فجاءت البنية في هذا الجانب في اطار النتائج المحتومة، بنية نوعية أصبحت بعد امتلاك السلاح، وسلطة التأثير محط انظار السياسيين للاستقواء ومد النفوذ، فأسهموا من جانبهم بالابقاء على حالها لأكثر من ثمانية عقود، باستثناء فترة قليلة بعد 14 تموز، حاول فيها القادة التجاوز على هذه التحديدات، عندما فتحوا ابواب القبول والتطوع لعموم العراقيين، لكن الفترة كانت محدودة، لم تغير شيئا نظراً لبقاء القيادات العسكرية العليا من ذات الامتداد القديم، ولان السياسيين الاوائل قد جاء أغلبهم من نفس الامتداد المتصل بالامبراطورية التي كان العراق احد ولاياتها، وقد جاءوا بقدرات تحصيلية ومعرفية تفوق أبناء المناطق العراقية الاخرى في الشمال الكردي والجنوب العربي على وجه التحديد، اللذين تعودوا عدم الاقتراب من الوظائف العثمانية، وكان العثمانيون بنفس الوقت لا يثقون بهم، فتكونت بنية توليفية سياسية عسكرية فيها قدر من الانحياز، وقدر آخر من الاختلال بالعلاقة بين سواد العسكر من المنتسبين والدولة العراقية التي يفترض أن يخدمون عَلَمها دون انحياز.
آ. الاختلاف بمعايير الروح العسكرية
ان توليفة البنية العسكرية المذكورة، كونت في البيئة العراقية، ميول عسكرية "الروح العسكرية" تختلف من منطقة الى أخرى، فالموصل القريبة من الدولة العثمانية، التي تمتلك أكثر من غيرها قاعدة ضباط عثمانيون عرب مثلاً، وكان لوضعها هذا تأثير على ميول الشباب واتجاهاتهم نحو العسكرية بروح تختلف عن باقي مناطق العراق، فكان عدد الطلاب المتقدمين والمقبولين في عموم الدورات في الكليات العسكرية يفوق باقي المحافظات، ويتفوق على بغداد في أحيان ليست قليلة، كما عرف عن الضابط الموصلي مهنيته العالية وانضباطه الجيد، حتى ينصح الضباط القادة والامرين والمدراء عند التفتيش على ضباط ركن ومساعدين لهم أن يفتشوا بين الضباط الموصليون أسبقية أولى لانهم مهنيين وجادين في عملهم العسكري ومطيعين لامريهم، واستمرت هذه المعايير الى فترة زمنية قريبة من 2003 التي تغيرت بعدها الخريطة العامة للتقديم والقبول.
ب. خلل التجانس البنائي
ان الوضع الضعيف للتجانس في البنية العسكرية "قيادة ومنتسبين" هو أو دوافعه هي ذاتها أنتجت وضعاً اداريا لعموم البلاد فيه خلل في التجانس واضح المعالم على مستوى البنية العامة للمجتمع والدولة، يرجعه البعض الى موقف البريطانيين من ثورة العشرين التي كانت جذورها بالجنوب العراقي، وصبغة مثيراتها الدينية العشائرية الجنوبية "مع وجود شخصيات من المنطقة الغربية والشمالية تقل اعدادها عن الجنوبيين بشكل ملموس"، الأمر الذي يرجحه أصحاب هذا الاتجاه مؤكدين أن البريطانيين المعنيين بالانتداب على العراق وكرد فعل لتلك الثورة، وبهدف تأمين نفوذ أفضل بدأوا التعامل، قبل مجيء الملك، ومن ثم بعد تنصيبه مع عراقيي الوسط والشمال في جوانب الحقائب الوزارية والمناصب القيادية العسكرية والسياسية ذات الأهمية، أكثر من الجنوب. داعمين رأيهم بالوثائق التاريخية التي تشير إلى موافقة الحكومة البريطانية على مقترح السر برسي كوكس بضرورة تشكيل حكومة وطنية عراقية كرد فعل على ثورة العشرين، وكان هو شخصياً معني بتشكيلها، إذ شكلت أول وزارة في 25 تشرين الأول 1920 برئاسة عبد الرحمن الكيلاني (النقيب) والسيد طالب لوزارة الداخلية وجعفر العسكري لوزارة الدفاع،

  

وساسون حسقيل لوزارة المالية ومصطفى الآلوسي للعدلية، وعزة الكركوكلي للمعارف، ومحمد علي فاضل للأوقاف، وعبد اللطيف المنديل للتجارة، إضافة إلى وزراء بلا وزارة هم عبد الجبار الخياط، وعبد الغني كبة، وعبد المجيد الشاوي، وعبد الرحمن الحيدري، وفخري جميل، ومحمد صيهود، وعجيل السمرمد، وأحمد الصانع، وسالم الخيون، وداود اليوسفاني، وضاري السعدون، ونجم البدراوي. وقد عين لكل وزير مستشار بريطاني، تشير بصددها المس بيل في مذكراتها أن كوكس وبعد شهرين من تشكيلها استطاع إقناع النقيب بضرورة إسناد وزارة ذات حقيبة إلى رجل من الجنوب فوقع الاختيار على محمد مهدي بحر العلوم الطباطبائي من كربلاء حيـث أسـندت له وزارة المعارف والصحة. (6).
ج. الانعكاس السلبي لخلل التجانس على البناء العسكري
انه وضع مخل بالتجانس أدركه الملك فيصل وحتى البريطانيين بعد فترة قليلة من التنصيب، وحاولوا التفتيش بين الجنوبيين عن مؤهلين لإشغال بعض المناصب سعياً للتوازن وتفادياً للفتن المحتملة جراء الشعور بالحيف من تقاسيم السلطة والمسؤولية. لكن أوانه قد فات بعد أن ترك خللاً واضحا في البنية العامة، انعكس بشكل واضح على الجيش، عماد الأمن القومي للدولة، لتكون بالمحصلة تشكيلة قيادته ممتدة الى جانب من التركيبة السكانية العامة، تضمن مواقف وتوجهات سياسية داعمة لأمن الحكومة والملك. هذا بالاضافة الى أن الجيش، لم يمتلك ومنذ تاسيسه رؤيا تفرض على الدولة سياقات تهيئة واستنفار ونظام تجنيد واستخدام يتأسس على عراق متعدد الاطياف، مما انعكس سلباً على وضعه منذ ذلك التاريخ وحتى الآن. أذ ولهذا السبب وأسباب أخرى أضطربت في بنيته واساليب قيادته مسائل مهمة بينها تحديد أهدافه الكبرى، وصياغة أساليب النفير والتنقل السوقي لأغراض التحشد الخاصة به، باستثناء ملامح بسيطة في مجالات الأمن الداخلي، أضفت على استخدامه في مجالها المزيد من مخالفات التعامل مع معايير الاستقرار والتوحد الوطني، وهذا أمر ظل باستمرار يشكل عقدة خطيرة تمنع العقل العسكري العراقي من التفتح والتجريب، وتعطي المجال واسعاً أمام الحكومة لزجه في عمليات عسكرية مخالفة لارادته أو قدراته الفعلية لشنها، ومثيرة للريبة بطبيعتها السياسية، حتى عدَّ البعض من الكتاب العسكريين أن هذه كانت وراء تأثر كافة عملياته العسكرية بالقرارات السياسية للحكومة الآنية سواء ما يتعلق منها بالتوجه لمعالجة مسائل خارجية أو تلك التي لها صلة بتكرار استخدامه لأغراض الأمن الداخلي بالضد من العشائر العربية في الجنوب والعشائر الكردية في الشمال، حيث شهدت أعوام 1923، 924، 926، 927، 928، تحركات من هذا النوع في كربلاء والناصرية والبصرة والرمادي والموصل والسليمانية،

                   

وأوامر اصدرها ياسين الهاشمي عام 1930 بالهجوم على الفرات الأوسط. وعمل مثله رشيد عالي الكيلاني الذي وجهه للهجوم على عشائر الرمادي، كما ضرب قضاء عفك والمناطق القريبة منه عام 1935، وهاجم عشائر آل إزيرج وشيخها خوام في الرميثة عام 1936 بطريقة عدّت توظيفاً دقيقاً للقمع العسكري المخالف لمقتضيات التعامل الوطني.

               

ومن بعدها في عام 1961 حيث معاودة التوجه الى عموم مدن كردستان عسكرياً، بصيغة حرب لم تنتهي الا بفرض منطقة حضر الطيران عام 1991، أخرجتها من حسابات التدخل العسكري للمركز بشكل نهائي. بالاضافة الى عدم التورع في استخدامه كل أنواع الأسلحة الثقيلة والكيماوية ضد المدنيين، كما حصل في أهوار الجنوب وحلبجة من كردستان العراق في ثمانينات القرن الماضي.
ومع هذا الاقرار بالاستخدام تجدر الاشارة الى انه من الصعب منطقياً تحميل الجيش المسؤولية القانونية والاعتبارية للاستخدام، لأن طبيعة قيادته ترجع الى قيادة الحزب والدولة التي تسيطر على كل المقاليد وبطريقة لا تسمح الرفض والمناقشة، مما يجعل عملية التنفيذ لاستخدام هكذا نوع من الاسلحة، مسألة آلية لا يمكن ان يقف في طريقها أي من عسكريي ذلك الزمان.
د. الاقلال من قيمة الدولة
ان اختلال العلاقة بين العسكر والدولة أخذ صيغة أخرى مختلفة الى حد ما في الزمن السابق، اذ وبسبب سعي القيادة آنذاك الى انتاج قوات مسلحة عقائدية وخططهم المكثفة للتثقيف بهذا الاتجاه، تحورت الاتجاهات لدى المواطنين من دعم القوات المسلحة وتقديرها واحترامها الى الشك بتوجهاتها. ولدى المنتسبين من احترام المواطن وتقديره والوقوف معه الى الشك بسلوكة، والتعامل التعسفي مع ردود فعله واستجاباته. وهذه اتجاهات قللت بالتدريج من قيمة الدولة ورموزها الوطنية مثل الجيش والقوات المسلحة.
3. اضطرابات الذات القيادية
تُعلِمْ العسكرية منتسبيها، أساليب القيادة وسبل الالتزام بقوانينها، والاعتزاز بممارستها، على وفق سياقات عمل وتدريب وادارة، مستمرة منذ دخول الطالب كليته العسكرية او دخول المتطوع خدمتها المستمرة، وبتواتر الايام وتكرار المفردات تتكون في نفوس المعنيين رغبة في القيادة وسعي لاصدار الاوامر، خصائص تتضخم عند البعض من الضباط لمستوى، يسعون الى تطبيق بعض فعالياتها داخل البيت وفي الاماكن العامة. وهذا يعني ان اللذين يغرمون في مسائل القيادة، يفتشون عن تطبيق مخرجات أوامرها ونفوذها، بمستويات تكبر مع استمرار ترقيتهم واعتلائهم المناصب العسكرية، وهذه مسالة طبيعية عندما تبقى في حدود الثكنة العسكرية، لكنها تكون خطرة عندما تفتش المخرجات عن منفذ لها من خلال السياسة، خارج اطار المهنية العسكرية، على شكل تآمر ومحاولات انقلابية مغلفة بغلاف الوطنية والمصلحة العامة، حالة تكررت مراراً في تاريخ القوات المسلحة العراقية، وأسهمت في التوجه صوب التردي والانهيار.
آ. الاضطراب السلوكي
انها حالة يقترب تضخمها من سلوك اضطراب، لا تقتصر مخرجاتها "نتائجها" على ما يتعلق بمخالفة القوانين العسكرية عند المشاركة في انقلاب مثلاً، بل والتجاوز على معايير المهنية العسكرية، اذ نجد مثل هؤلاء يتجاوزون الاكتفاء بالمنصب الذي وصلوه، الى حرق المراحل الزمنية بغية الوصول لمنصب أعلى وفي طريقهم للوصول اليه يكونون مستعدين لفعل الازاحة بطرق بينها التكتل مع الأقوى، والنفاق الاجتماعي العسكري، وتقليل قيم الاقران، واحياناً اللجوء الى التسقيط وتوجيه الاتهام وكتابة التقارير الى مستوى من السعة عانت فيه القوات المسلحة وبالذات المدراء والقادة والآمرين من موضوعها "التقارير الحزبية"، حتى أستفحلت في الثمانينات وما بعدها لتكون آفة تؤسس عليها القيادة سبيلاً للمعرفة، وشر لا يمكن تجاوزه من قبل المنتسبين بكافة المستويات القيادية.
وكانت التقارير بطبيعتها لا تقتصر على الجوانب الأمنية، وانما لاغراض التقييم والمراقبة، وقد جاء فحوى الكثير منها غير دقيق أو في غير محله، وحرجاً في نتائجه التي تكون سلبية على المؤسسة وأهدافها، ولنا في مجالها كثير من الامثلة، بينها ان ضابط صف من الفوج الثاني لواء 36 قد رفع تقريراً عام 1984عن آمر سريته الذي رصده، يستمع الى اذاعة ايرانية تبث باللغة العربية، قبل يومين من معركة حُشدت لها كل وحدات الفرقة للهجوم على مواضع ايرانية تُحسب انها مهمة لتعديل دفاعاتها في المنطقة، فأرسل ضابط الركن الثالث استخبارات اللواء وأمين سر الفرقة على آمر السرية، قبل يوم من التنفيذ وحققا معه، واعترف الضابط بفتحه الاذاعة من باب التعرف على عدوه، كحجة للتخلص من تهمة الانحياز الى العدو التي يُعاقب عليها بالاعدام، وبعد اعترافه شكل مجلس تحقيقي بنفس اليوم وقُصرَ بنفس الوقت، ومن بعدها طلب منه آمر اللواء وبالاتفاق مع أمين سر الفرقة، العودة الى فوجه، وقيادة سريته في المعركة، وانتظار ما ستقرره القيادة الاعلى بالموضوع، فعاد الى سريته محبطاً، يلوم نفسه ولواءه والحزب الذي اعطى ضابط الصف صلاحية رفع التقارير، وعند الشروع بالهجوم أوجد فرصة مناسبة هرب خلالها الى الجانب الايراني، العدو الذي طلب منه مقاتلته، وعاد بعد 2003 يفتش عن ضابط الصف الذي رفع التقرير، فوجده بعد اشهر في أحد قرى مدينة الديوانية وقد غير من وجهته، وبات متصدراً مجلس عشيرته داعياً للنظام الجديد، ذاماً البعثيين، شاكياً من أعمالهم التي دمرت العراق.
ان شيوع هذا النوع من السلوك وتفشي اضطراب الذات القيادي المفرط كوّن قاعدة ليست قليلة من الضباط في القوات المسلحة، يميل الواحد منهم الى اعطاء انطباع ولائي للأعلى، والسعي الى درج كل استجابات التعامل معه تحت كلمة "نعم" وبما يشبع رغبة الأعلى بطريقة أدت الى استهتار بعض القادة او تفرعنهم على المادون ولحد اللجوء الى استخدام الضغط والتجاوز بالسب والشتم على من يقع في طريق غضبهم الانفعالي، وثنائهم في نفس الوقت على اولئك المسرفين بالتنفيذ التملقي. حتى سمي عديد من القادة العسكريين الموصوفين بالفرعنة واستخدام السب والشتم على معيتهم من الضباط، واستسهال معاقبتهم حد الاعدام في المكان، خاصة بعد عام 1980 منهم ..

           

على سبيل المثال الفريق الركن ماهر عبد الرشيد "قائد فيلق" الذي اعتاد انتقاد الضباط والتطاول بالكلام على بعضهم، واتهام بعضهم الآخر بالخيانة في الوقت الذي يريد، حتى ان قسما من الضباط الملتزمين باتوا يسعون الى تجنب الخدمة بامرته، أو تحاشي ملاقاته جهد الامكان، وهناك غيره أيضا على شاكلته في تاريخ المؤسسة العسكرية، وعلى قلتهم فانهم تركوا بصمة تؤيد وجود الداء المذكور.
ب. الاخلال بالسياقات الثابتة
ان الضباط المصابين بهذا الداء، يسعون في العادة الى أصدار الاوامر والدفع الى تنفيذها دون الرجوع الى او الالتزام بسياقاتها الثابتة، ودون حساب الظروف الملائمة للاصدار والتنفيذ، همهم الوحيد ان تنفذ أوامرهم، وان كان التنفيذ سبباً لحصول كارثة عسكرية، فشاع على سبيل المثال سلوك الاخلال بهذه السياقات حتى في الحالات التعبوية بينها على سبيل المثال أصدار اوامر تنقل لقطعات دون وجود وسيلة"عجلات" لتنفيذ حصوله.
والاكتفاء بعدد قليل من سيارات النقل، تخصصها السرية النقلية لتنقل فوج مشاة.
والامر بتحريك لواء مشاة من اقصى نقطة في الشمال العراقي الى أقصاها في منطقة الفاو بليلة واحدة، دون تخصيص عجلات من الجهد العسكري للفرقة او الفيلق.
أوامر وتجاوزات تعد خرقا للسياقات الثابتة، كونت سلوك التسفيه الخاص بالاوامر، والتجاوز على طبيعتها، وعدم الاهتمام بالنتائج المتأتية منها، كما عززت من سلوك عدم المبالاة بعموم الصيغ العسكرية، سببها أو بعض من أسباب حصولها أولئك القادة المصابين باضطراب الذات القيادي المفرط.
ان مشكلة المصابين بهذا الاضطراب، وعندما سدت من أمامهم سبل الانقلاب في العقود الاربعة الاخيرة، واتساع الشكوك بمن حولهم، ونظراً لجسامة المشاعر العدوانية في داخلهم بالضد من القيادة السياسية العليا التي حجمت طموحاتهم، وخشيتهم النفسية غير الواعية من انكشافها، توجهوا الى الاسراف بمجاملتها "القيادة العليا" وتنفيذ كل اوامرها.
وجعل اوامرها مسلمات لا مجال حتى لمناقشتها.
فاصبح نوع من التناغم بين القيادات العسكرية والسياسية، قويت فيه قبضة السلطة السياسية، ومسخت فيه الشخصية القيادية العسكرية، واعتلى سلم مناصبها العليا احيانا ضباط لم يسجل لهم تاريخ معروف في الضبط والمعرفة العسكرية.        
4. خيانة الامانة المهنية
لو تجاوزنا المشاعر الوطنية لفعل الانقلاب العسكري، بقصد تغيير السلطة الذي تم تناوله بالتفصيل تحت عنوان الانقلابات العسكرية، وناقشناه هذه المرة من الباب العسكري فقط، نجد أن المنقلبين تجاوزوا على حدود الصلاحيات العسكرية التي يخولها لهم القانون. وتجاوزوا أيضا على الضبط العسكري، لأنهم لم يلتزموا بالخطط الموضوعة لهم أثناء تحركهم على سبيل المثال. والتجاوز في هذا الجانب وعدم الالتزام بحدود الصلاحيات والضوابط بشكل مقصود، نوع من الخيانة.
واذا ما ناقشناه من باب الامانة، فان الدولة التي تأتمن ضابط برتبة كبيرة في قيادة قطعة عسكرية، تتأمل ان يؤديها بأمانة، واذا ما فعل خلافاً لمعاييرها الصحيحة، فيصنف فعله من حيث الاعراف الدارجة، خيانة لهذه الامانة.
واذا ما استمرينا بالنقاش من وجهة النظر هذه، الخاصة بالامانة يمكن أن نصف تسابق بعض الضباط القادة في تسعينات القرن الماضي على وجه الخصوص، لتلميع صورة القيادة السياسية لقواتهم المسلحة، وتزويدها بالمعلومات المزوقة خلافاً للصحيح هي من باب الخيانة الكبرى للامانة الوطنية والعسكرية.
وعلى نفس الاساس توصف اجابات بعض الضباط القادة ابان الحرب مع ايران بنعم مطلقة اذا ما سألوا عن امكانية اجتياح موضع أو القيام بعمل كبير، وكذلك توصف ادعاءاتهم في الاجابة بانهم سيدمرون العدو، وسيبيدون الخصم، ويفنون المقابل، بمصطلحات استعراضية غير صحيحة، تدفع القائد السياسي للقوات المسلحة الى اتخاذ قرار لا يدرك ابعاده فيتسبب بكارثة، كما حصل في معاودة الهجوم على الفاو ابان احتلاله من القوات الايرانية عام 1986، حيث أدت استعراضيتهم غير المسؤولة الى ابادة وحدات وتشكيلات بكاملها، وتكبد خسائر وصلت بحدود ستين ألف أصابة، وهبوط غير مسبوق بالمعنويات.
آ. الامعان في خيانة الامانة
سلوك موصوف بخيانة الامانة المهنية تكرر في تاريخ الجيش العراقي، فاتفاق آمر لواء الحرس الجمهوري (الداوود) مع الانقلابيين عام ١٩٦٨ خيانة أمانة وهو المعني بحماية القصر والرئيي،

                 

وكذلك الحال لمعاون مدير الاستخبارات العسكرية (النايف) وهو المعني بالأمن المعلوماتي للدولة والرئيس، وتكرر هذا بأشكال أخرى فيها ميل لايهام القيادة بأشياء وقدرات غير موجودة أساساً، اذ اكدت قيادة القوة الجوية عام 1990 مثلاً، ان لديها القدرة على اسقاط طائرات العدو الامريكي وهي ترصدها منذ اقلاعها من حاملات الطائرات او من قواعدها في الكويت والسعودية، وأوهموا القيادة التي عرفت بقبولها الوهم الاستعراضي، انها قادرة على تدريب طيارين انتحاريين للتعامل مع حاملات الطائرات المعادية، وكان هذا قبل اسابيع من بدأ القتال، دون أن تكلف نفسها التفكير بالزمن الذي يحتاجه الطيار للتدريب على قيادة طائرة مقاتلة، والهجوم بها انتحاريا، وكيف له ان يطير اصلا في ظل التفوق التقني المعادي. فكان هذا النوع من السلوك ومثيلاته التي تندرج تحت التملق الممجوج للقائد لتفادي غضبه، والحصول على مكارمه، امعان بخيانة الامانة المهنية والوطنية بكل وضوح.

  
ب. خيانة الثقة
واذا ما ناقشنا هذا الموضوع من باب الثقة، فسنجد بسهولة أن وثوق عبد الكريم قاسم بضباط وزارة الدفاع وانقلابهم عليه كانت خيانة واضحة لهذه الثقة، لم تقتصر على مستوى الضباط القادة، بل وشملت كذلك مستوى الآمرين، اذ يذكر البعض انه وعندما دخل وزارة الدفاع سعياً لقيادة الجهد العسكري بالضد من الانقلاب صباح يوم 8 شباط 1963، كان قد أصدر أوامره الى آمر سرية الحراسة المعنية بحماية ثكنة الوزارة، للخروج منها وفك الحصار عنها الا أن الآمر المذكور لم ينفذ، وعندما كرر الأمر طالباً حضوره فلم ينفذ الامر ايضا، حتى تبين بعدها انه قد توجه للوقوف الى جانب الانقلابيين عندما أدرك رجحان كفتهم، فكان موقف خياني للثقة التي منحت له عسكريا. وبنفس الزمن ونفس الظروف الصعبة تخلى غالبية الضباط عن مراكزهم القيادية، دون الرجوع الى مراجعهم العليا، وبقي المراتب القريبين من عبد الكريم، القائد العام للقوات المسلحة، يقاتلون دون ضباطهم، حتى قيل أن العميد الركن طه الشيخ احمد وعندما استنجد به الزعيم، طالباً مؤازرته في القضاء على الانقلابيين قال له باللهجة العراقية الدارجة "هاي الي ردتها مو كتلك دير بالك من ذولة ترة يخونوك" (7).
ان هذا السلوك من الناحية الاعتبارية خيانة للثقة ومن الناحية العسكرية، امعان بخيانة مهنيتها. خيانةٌ لم تتوقف على مرحلة من مراحل استمرار الدولة العراقية وقواتها المسلحة، ولا على زمن من أزمنتها، كانت مستمرة وكأنها أصبحت خاصية، اذ وفي زمن حكم البعث، خان ضباط بعثيون كبار قائدهم البكر، فتجسس بعضهم عليه لصالح صدام، وتركه آخرون يتلقى مصيره المحتوم وانحازوا الى غريمهه ببساطة.
منها وأمثلة عديدة نصل الى استنتاج ان هناك نفس خياني في شخصية البعض من القادة، تسبب حصوله في الاسهام بحالة الهدم والتردي التي اصابت القوات المسلحة.
5. حرف الولاء الوطني
منذ النشأة الاولى للجيش وعموم القوات المسلحة، كان الولاء العام لمنتسبي الوحدة العسكرية، ضباطاً ومراتباً، محسوم لها عن طريق التواصل النفسي بين العسكري وآمره من جهة، ووجودها الرمزي من جهة ثانية، لينتقل أو يكبر هذا الولاء إلى الدائرة والمديرية والتشكيل ثم الفرقة فالمؤسسة العسكرية والامنية، وكانت هناك خطط ومفردات تدريب وتثقيف تعزز مستويات هذا الولاء، على أساس شائع بين كل العسكر، هو أن وجود الآمر أو المدير لا يمثل شخصه الذاتي فقط، ولا سلطة الضبط في وحدته فحسب، بل وكذلك الوجود الرمزي للقوات المسلحة والدولة على حد سواء. وبالتالي يصبح الولاء للآمر والوحدة ولاءاً للدولة، وبالقدر الذي يزيد من توجهه المهني للدفاع عنها والقتال من أجلها. وهذا لم يكن مرغوباً في الحكومة الاخيرة للزمن السابق للعام ٢٠٠٣. وبذا تعامل قادتها مع عموم منتسبي القوات المسلحة، وآمريها على وجه الخصوص بطريقة تَقْيِّيم وتوزيع للمسؤوليات، لم يعد فيها الولاء للعراق معياراً ذا قيمة، وبدلا منه أصبح الولاء الشخصي للحاكم بديلاً عن الولاء المطلق للوطن، وأصبح معياراً لتسنم المناصب القيادية الحساسة في الجيش والشرطة والامن. وعلى اساسه وبعض الحوادث التي يعتقدها الحاكم تهديداً لامنه، أي أخلال بجوانب الولاء له، فقدَ أشخاص وجماعات حظوتهم عنده.
فالسوامرة على سبيل المثال، تدنت مكانتهم في سلم الولاءات الخاصة قريباً من منتصف السبعينات، من خلال عدم مسايرة عبد الخالق السامرائي عضو القيادتين القطرية والقومية للحزب لما يتعلق بتوجهات الحاكم في حرف الحزب صوب التفرد والتكرتة "كما قيل في الدوائر الحزبية آنذاك"، وبفقدانها خسروا فرص استلامهم مناصب قيادية عسكرية وأمنية عليا.
ومن بعدهم جاء دور عشائر الجبور الذي اتهم بعض ضباطهم بالتآمر على الرئيس، وكذلك الدليم في قضية محمد مظلوم.
آ. جدران الولاء الأمني
انه معيار سحب القيادة العليا الى عمل إجراءات ترتيب تنظيمية للجهات العسكرية والامنية بصورة معقدة، ومتداخلة حيث التدرجية التراتبية للولاء مع حساسية المهام وطبيعتها الأمنية. فبعد أن كان الجيش هو المؤسسة العسكرية الوحيدة في البلاد، وقادته المؤثرين الكبار من طائفة محددة في غالب الاحيان، عمد الحاكم "صدام" إلى تشكيل تنظيمات أخرى موازية ونخبوية الطابع، نسب لقيادتها ضباط من المنطقة والعشيرة والعائلة "تبعا لتدرج هرمها الأمني" تضطلع بمهام عسكرية تختلف عن المهام التقليدية للجيش والشرطة، وتتحدد بالدفاع المباشر عن النظام في حال عجزهما عن القيام بهذه المهمة أو محاولة احداهما إسقاط السلطة. وفي إطارها دعم قيادات الحرس الجمهوري، واوجد الحرس الخاص وجيش القدس والنخبة وفدائيو صدام، بالرضافة الى الجيش الشعبي الذي كان موجوداً، كجدران ولاء متتالية يعتمد عليها في تثبيت وجوده.
كما أن التداخل الوظيفي لعمل هذه المؤسسات والرقابة التي تمارسها على بعضها البعض في خضم توازن الرعب والولاءات، يمثـــل ضمانة أخرى ضد إمكانية التحول الولائي لها أو بعضها بالاتجاه المضاد للحاكم.
ب. تضييق مفهوم الوطن
ان عملية الحرف في معيار الولاء من الوطن الى الحاكم، رافقها بنفس الوقت تضييق شمولية مفهوم الوطن في عقل المواطن ليكون مقتصراً على المكان او المنطقة التي يشعر فيها الحاكم بالأمان، على العكس مما عَلُقَ في عقل العراقي من مفهوم للوطن بحدوده الجغرافية التي يقيم فيها العراقيون من زاخو شمالاً، حتى الفاو جنوباً، اذ وبعد عام 1979 بفترة وجيزة تصور الحاكم أن مفهوم الوطن بحدوده المذكورة غير كافياً لاستقراره الامني أي البقاء أعلى السلطة، فاتجه صوب أعالي وسط وشمال العراق العربي، معتقداً ان المنطقة وعملية انتاج القيادة الامنية والعسكرية من وسطها سيحقق له هذه الغاية، وعندما حدث بعض التجاوز من بعض ابنائها على أمنه بدّل من اعتقاده هذا، واتجه لإعادة ترتيب تلك الكانتونات المناطقية عقلياً لتتناسب ورؤياه عن دورها في أمنه. عندها بدأت إجراءات حثيثة لتكوين ترتيب عسكري أمني بمحتوياته العرقية والطائفية والايديولوجية المعروفة يضيق تدريجيا، ليضم تكريت والمناطق القريبة منهــا وطنــــاً. ومن ثم العوجة وطناً. حتى بذل في هذا المجال جهوداً حثيثة لإيجاد نوعاً من الاقتران الشرطي بين تكريت ثم العوجة والوطن "العراق" باتجاهين كان الأول بتسويقهما إعلامياً ونفسياً لجموع المتلقيين العراقيين كمنبع للخير، ورمزاً للعطاء وأساساً للنضال.
وكان الثاني تمييز أهل المنطقة بالوظائف والهدايا والمكارم والتقدير، والتقرب من سلطات إصدار القرار، وبتوفير مستوى معيشة يفوق مستويات باقي المناطق العراقية، ليتوحد أولئك الأهالي خاصة القادة والمعنيين بالامن مع الحاكم وعائلته وجوداً يمكن التفاني في الدفاع عنه كبديل للوطن.
وبالمحصلة استسلم الجميع للأمر الواقع بينهم العسكريين اللذين أصبحت حروب مؤسستهم الخارجية مع الجيران لسنوات، والداخلية مع الأكراد، والشيعة في الجنوب، والعشائر السنية في أعالي الوسط والشمال" مثلث الجزيرة" وطبيعة المهام الأمنية الموكلة، جاءت دفاعاً عن مفهوم خاص للوطن ضيق وانتقائي، يخدم الحاكم فقط.
كان هذا مفهوماً ضيقاً للوطن، لم يفلح في الحيلولة دون حصول الحرب التي هَدَمَتْ بعض اركان الوطن، ولم ينجح في الحيلولة دون القاء القبض عليه في المكان الذي عده هو الوطن، وبدلالة من اعتقد انهم حماته كرمز للوطن، وتسبب حتى بعد انتهاء زمنه في ابقاء بعض مشاعر التجزئة الفكرية للوطن ماثلة في عقول البعض بحدود مهدت لحدوث اضطرابات هددت وحدة الوطن لما بعد التغيير مباشرة.
...........
يتبع...

للراغبين على الأطلاع على الفصل الأول:

http://algardenia.com/2014-04-04-19-52-20/thaqafawaadab/27922-2017-01-13-18-25-30.html

إذاعة وتلفزيون‏



الأبراج وتفسير الأحلام

المتواجدون حاليا

715 زائر، ولايوجد أعضاء داخل الموقع