التمايز في تماثيل ملوك بلاد الرافدين

غريب دوحي

التمايز في تماثيل ملوك بلاد الرافدين

ازدهر فن النحت في بلاد الرافدين في عصر فجر السلالات السومرية والعصور اللاحقة له : الأكدية ، البابلية ، الآشورية ويأتي في المقدمة منها تماثيل الآلهة والملوك ولم تصنع هذه التماثيل اعتباطاً فقد كانت لها دلالاتها الفكرية والدينية والسياسية وقد شمل فن النحت في العراق القديم تماثيل للرجال والنساء والأطفال وبأشكال وأوضاع مختلفة وهي تملآ متاحف العالم الآن ,.

لقد اكتشفت بعض التماثيل وهي تمثل الرجال وهم عراة وذلك لإبراز قوتهم الذكورية والجسمانية وكذلك تماثيل النساء لإبراز المظهر الجمالي للمرأة كذلك تعبر عن فكرة تحمل معنى الخصوبة والولادة وتعكس اهتمام النحات بالقيم التعبيرية مثل ( الوشم ) على الجلد وبعض الممارسات السحرية .
أما تماثيل الملوك سواء كانوا سومريين او أكديين او بابليين فقد عرض النحات العراقي القديم تماثيلهم بنشاطاتهم الحربية وانجازاتهم العمرانية واحتفالاتهم الدينية وقد ظهر الملك السومري (كوديا) ملك مدينة لكش في الناصرية وهو يرتدي ( تنورة ) طويلة مثبتة بحزام عريض وسط الجسم مع غطاء للرأس يشبه ما يسميه اهل بغداد خاصة ( الجراوية ) ويوجد هذا التمثال اليوم في متحف اللوفر في باريس .
ويعد تمثال الملك سرجون الأكدي وتمثال ابنه من أقدم تماثيل الملوك في العراق بالإضافة الى تمثال حفيد سرجون الأكدي ( نرام سين ) والذي انجز بتقنية عالية تلك التقنية التي عرفت منذ العصر السومري والتي مثل فيها الملك الخامس للوركاء ( الملك كلكامش) وهو البطل الأسطوري الذي خلدته ملحمته المشهورة حيث ظهر هذا الملك في المصورات الآشورية والسومرية وهو يحمل قرنين اللذين يعدان من شارات الألوهية باعتبار ان كلكامش تلثاه من إلهه وثلته انسان كما صور بالنحت البارز وبحجم كبير وهو يحمل بإحدى يديه ساطور وفي الثانية اسد للتأكيد على قوته ، ان كل هذا يعكس ابداع الفنان العراقي الفطري في ذلك الوقت ,
أما لماذا كل هذا الاهتمام من قبل قدماء العراقيين بتماثيل الملوك من الطبيعي ان هذه التماثيل توضع في المعابد الى جانب تماثيل الآلهة التي يتم وضعها في مكان يسمى ( قدس الأقداس ) كما هو الحال في الحضارة المصرية التي تراعي نفس اهتمام حضارة العراق في هذا المجال .
وكان الهدف من صنع هذه التماثيل واضح اذ ان سكان وادي الرافدين قد وجدوا في هذه التماثيل عبارة عن معبودات ( اصنام ) وهو ما تؤكده بعض العبارات المنقوشة على هذه التماثيل مثل ( انك تمنحني الصلاة ) ووجد في تمثال في مدينة ( لكش) منقوش عليه عبـــارة ( ايها التمثال الملكي انك الهي )
فقد كان الملك في بلاد الرافدين يمثلا قمة العدالة حيث ان معظم الملوك في كتاباتهم يلقبون انفسهم بـ ( ملوك العدل) وظل هذا الوضع هكذا حتى قيام الإمبراطورية الآشـــــورية اذ كان بوسع المواطن ان يقف في مجلس المدينة المحلي ويناشد الملك مباشرة باعتبار ان الملك وكيلاً للإله ومسؤولاً امامه عن كل شيء ويعد تطبيق العدل التزاماً دينيا واخلاقياً، لذلك اعلن الملك حمورابي ان الإله ( مردوخ) منحه العرش الملكي لكي يطبق العدالة في البلاد بحيث لا يستغل القوي الضعيف . وكان حمورابي جاداً في تثبيت اسعار المواد الغذائية لتحقيق استقرار اقتصادي وقد اثبتت الرسائل المكتشفة ان ملوك العراق القدامى كانوا نشطاء في الإدارة اليومية الرسمية وكانوا يعتمدون على هيئة من الموظفين الماهرين والذين هم بمثالة ( عيون ) ينقلون اليهم الأخبار وخاصة أخبار الموظفين المرتشين والتي تؤدي اعمالهم الى حالات السخط والتذمر من قبل المواطنين او قيام ثورة تقلب نظام الحكم .
بقي عليّ أن أشير الى بعض الملاحظات حول هذه التماثيل فقد اجتهد الفنان العراق القديم ان يظهر تمثال الملك بعينين واسعتين واذنين كبيرتين وكذلك قدمين كبيرتين وبحجم اطول من الحجم الاعتيادي للإنسان كما صور الملك الآشوري وهو يحمل حقيبة صغيرة أشبه بحقائب النساء فلكل هذه الأمور رمزيتها ودلالتها الفكرية والأجتماعية فالعيون الواسعة لم يجامل بها الفنان العراقي الملك لكــــــــــــــي يسمونه ( ابو عيون الوسيعة ) وانما اراد بها ان الملك يرى كل صغيرة وكبيرة في مدينته وبين افراد شعبه وقد ترنم الشاعر السومري بهذا في بداية ملحمة كلكامش حينما قال واصفاً الملك كلكامش ( هو الذي رأى كل شيء فتغنى بذكره يا بلادي ) .
أما الأذنين الكبيرتين فترمز الى أن الملك يسمع كل شيء حيث تأتيه الأنباء من كل حدب وصوب وترمز القدمان الكبيرتان الى الثبات ويرمز طول التمثال الى السيطرة على المدينة ، اما الحقائب الصغيرة المعلقة على الملك فهي تعني ان الملك يحمل الأسرار الإلهية باعتباره نائباً عن الاله ، فقد عثر بين آثار مملكة ( اشنونا) في ديالى على عدد من التماثيل الملكية وهي بقامات طويلة بشكل غير مألوف وربما يرمز الطول الى هيمنة الملك وسيطرته على شعبه ولكل من هذه التماثيل الملكية عيون واسعة .
( وفي العصر الأكدى دخل تقديس الملوك لأول مرة وقد صور الملك نرام سين في المنحوتات بالقرنين على خوذته وهي اشارة الألوهية كما سبق ان ذكرت عن الملك كلكامش الذي سبقه في التقديس.
ومثلما أبدع الفنان العراقي القديم فعلى الفنان العراقي المعاصر أن يبدع في نحته هو الآخر ، عليه اذا أراد ان ينحت تمثالاً لرئيس عراقي او رئيس وزراء ان يجيد مواصفاته فيكون التمثال قصير القامة دليلاً على عدم سيطرته على الأوضاع السياسية والأمنية وان يكون صغير الأذنين والعينين لأنه لا يرى ولا يسمع ماذا يدور في بلاده لايرى الفساد ولا يسمع به لا يرى التظاهرات الاحتجاجية ولا يسمع بها ، ويرى الحرائق التي تفتك بألاف الدونمات من الحنطة ، لا يرى جيوش الشباب العاطلين عن العمل لا يرى ولا يسمع بماء البصرة الأجاج الذي يعاني منه اهل البصرة وعلى النحات اليوم ان يصنع تمثال الرئيس وهو صغير القدمين لأنه لم يكن ثابتاً على الدوام ولم يملك حقيبة الأسرار الإلهية . لكن عليه ان يصنع تمثال الرئيس بكرش كبير وجيوب كبيرة تستوعب أكبر كمية من المال ، هذه هي مواصفات تمثال الرئيس وهي على العكس من تمثال ملوك سومر وأكد وآشور وبابل .
هذه هي مواصفات تماثيل رؤساء اليوم وملوك اليوم وهذه هي أخلاقهم فحكامنا اليوم ليسوا كمثل الأمام علي بن أبي طالب ولا مثل الخليفة عمر بن عبدالعزيز وكذلك ليسوا مثل الملك فيصل الأول ولا مثل الزعيم عبدالكريم قاسم , انهم مجرد طحالب ظهروا علينا بعد ليلة ممطرة .

  

إذاعة وتلفزيون‏



الساعة حسب توقيت مدينة بغداد

الأبراج وتفسير الأحلام

المتواجدون حاليا

818 زائر، ولايوجد أعضاء داخل الموقع