كواليس جريمة "الزيدي" للتبرع بالمال وتوأمة بغداد العباسية ودمشق الأموية؟

كواليس جريمة "الزيدي" للتبرع بالمال وتوأمة بغداد العباسية ودمشق الأموية؟

(*) بغداد / المنطقة الخضراء / من كافتيريا مجلس النواب، حيث تولد بعض التسريبات قبل القرارات، وتُعقد بعض التحالفات بين فنجان قهوة وآخرى ، قبل أن تصل إلى المكاتب الرسمية بثوب "المصلحة الوطنية" ؟ .

(*) إن "الجامع الأموي" ليس ملكاً لطائفة أو مذهب ، كما أن مرقد السيدة "زينب ع " ليس حكراً على فئة دون أخرى ، بل هما جزء من ذاكرة حاضرة المنطقة وعبق تاريخها الممتد عبر قرون.

في مستهل الحديث، لا بد من التوقف أمام حالة الارتباك في المشهد السياسي التي رافقت زيارة السيد رئيس الوزراء العراقي السيد “علي الزيدي” اليوم الاربعاء 28 ت1 إلى حاضرة الخلافة الأموية دمشق، ولقائه التاريخي بالرئيس السيد "احمد الشرع" وحسب ما أورده سيادة النائب في مداخلته العاجلة قبل ساعات قليلة ، وما قدمه من معلومات مهمة موثقة يرى بدوره أنها تستحق أن يطّلع عليها الرأي العام ، فإن ما يتعرض له رئيس الوزراء "الزيدي" ومنذ تسلمه للمنصب الدستوري من ضغوط واعتراضات داخل بعض أروقة احزاب السلطة يفتح الباب أمام تساؤلات مشروعة حول حجم التباين بين مشروع الدولة ومشاريع الولاءات العابرة للحدود . فالتبرع للجامع الأموي ومرقد السيدة زينب، وكذلك الحديث عن توأمة بغداد ودمشق، لا يُنظر إليهما من قبل البعض بوصفهما خطوة ثقافية وحضارية مشروعة ، بل باعتبارهما خروجاً عن معادلات وخطوط حمراء اعتادوا احتكارها لسنوات والتخوين بجريمة كبرى من يقوم بمثل هذه الأعمال من قبيل السعي حثيثا لعودة العراق لحاضنته العربية .ويوضح سيادة النائب بأن :" الاعتراض الذي أبداه بعض أعضاء الوفد المحسوبين على الفصائل الولائية حيال أي توجه للتوقيع على اتفاقية توأمة العاصمتين بين بغداد ودمشق. وكأن المشكلة المزمنة التي يعاني منها العراق لم تعد تفشي الفساد ولا البطالة ولا تراجع الخدمات، بل تحولت فجأة إلى هاجس اسمه توأمة العاصمتين " ويضيف سيادته :” فقد انبرى المعترضون للتمسك بحجة إجرائية مفادها : أن مثل هذه الاتفاقيات تدخل ضمن صلاحيات مجلس المحافظة، وأعضائه، وليس من اختصاص السلطة التنفيذية العليا , وحتى لو سلمنا جدلاً بصحة هذا الرأي، وهو أمر قابل للنقاش قانونياً ودستورياً، فمتى أصبحت هذه القوى الولائية فجأة ومن دون سابق أنذار بهذا القدر من الغيرة على الاختصاصات الإدارية والتفاصيل البروتوكولية !؟ ومتى تحول حرّاس المحاور الإقليمية الولائية العقائدية إلى فقهاء في القانون واللامركزية الإدارية وصلاحيات المجالس المحلية؟ ولو كان الهدف فعلاً احترام الأطر القانونية، لكان بالإمكان اللجوء إلى التوقيع بالأحرف الأولى بوصفه إعلان نوايا وتمهيداً مستقبلياً لإبرام اتفاقية تجمع بين بغداد، حاضرة الخلافة العباسية، ودمشق، حاضرة الخلافة الأموية، في خطوة تحمل من الرمزية الحضارية والتاريخية ما يفوق في أهميته كثيراً من المناكفات السياسية العابرة " ويعقب سيادة النائب بأن :" الأكثر إثارة للدهشة أن بعض المعترضين اختاروا الاحتماء خلف متاريس “الصلاحيات الإدارية” و”الاختصاصات المحلية” وكأن العائق الحقيقي أمام تقارب بغداد ودمشق هو مادة قانونية غامضة أو توقيع بروتوكولي ناقص، لا إرادة سياسية مترددة. فحين تعلق الأمر بمحاور السياسة الولائية الكبرى كانت الحدود الإدارية تتبخر بين ليلة وضحاها، أما عندما طُرحت فكرة توأمة بين بغداد ودمشق، استُنفرت فجأة جيوش الخبراء الدستوريين وفقهاء الاختصاص المحلي ؟ ولو سلمنا جدلاً بأن الصيغة النهائية تحتاج إجراءات محلية أو موافقات إدارية لاحقة، فما الذي كان يمنع التوقيع بالأحرف الأولى أو إعلان إطار تفاهم سياسي يمهد لتلك الخطوة؟" ويعقب سيادة النائب مشكورآ :" هكذا تحوّل النقاش المحتدم من مستقبل العلاقات بين بغداد ودمشق إلى محاكمة كل من يحاول كسر الاحتكار السياسي للجغرافيا والهوية. وكأن المطلوب من العراق أن يبقى معلقاً بين الولاءات والمحاور، لا أن يكون دولة تمتلك حرية اختيار أصدقائها وشركائها وفق مصالحها الوطنية العليا ".
ولكن بالمقابل نقول وباعلى الصوت ومعنا الرأي العام العراقي :" فلو أن الأمر كان يتعلق بتوأمة بين (بغداد وطهران) لما سمعنا كل هذا الضجيج الدستوري ، ولا هذا الحرص المفاجئ على الصلاحيات والاختصاصات والإجراءات البروتوكولية!؟ يومها لو حدثت لرأينا كيف كانت البيانات ستُكتب قبل التوقيع ، وخطب التأييد ستُلقى قبل انعقاد الاجتماع، وربما لتحولت الخطوة إلى "إنجاز تاريخي" و"انتصار استراتيجي" و"فتح سياسي مبين" أما حين يتعلق الأمر بدمشق وبعودة بغداد إلى فضائها العربي، فإن فجأة يخرج من بين الصفوف خبراء القانون الدستوري، وحراس اللامركزية الإدارية، وفقهاء الاختصاصات المحلية، وكأن مستقبل الدولة العراقية برمته أصبح مرهوناً بمادة قانونية لم يتذكرها أحد طوال السنوات الماضية ".
أن المشكلة لم تكن يوماً في الصلاحيات، بل في الحساسية من أي مشروع يعيد وصل بغداد بعمقها العربي بعيداً عن حسابات المحاور الولائية ومزاج غرف التخوين؟ فالغريب أن البعض لم يعثر على الدستور إلا عند بوابات دمشق ، ولم يتذكر حرمة الاختصاصات إلا عندما أصبح الحديث عن تعاون بين عاصمة الخلافة العباسية وعاصمة الخلافة الأموية , وكأن المشكلة ليست في الإجراء، بل في الفكرة نفسها، وليست في التوقيع، بل في المصافحة التي سبقته.
لقد برزت مبادرة السيد رئيس الوزراء العراقي بالتبرع من ماله الخاص بمبلغ عشرة ملايين دولار، مناصفةً بين مرقد السيدة زينب والجامع الأموي في دمشق، بوصفها رسالة سياسية وثقافية تتجاوز حدود الجدل التقليدي. فهي لم تكن دعماً لمَعْلَمٍ ديني على حساب آخر، ولا انتصاراً لرواية مذهبية على أخرى، بل محاولة للتأكيد أن التاريخ والحضارة والتراث المشترك أوسع من الخنادق التي حفرتها سنوات الصراع والاستقطاب ولعل ما أزعج بعض المنتقدين ليس قيمة التبرع بحد ذاتها، بل الرمزية التي حملها. فأن يمتد الجسر بين أحد أبرز المعالم الإسلامية الشيعية وأحد أهم الرموز التاريخية السنية في قلب دمشق، فهذا يعني عملياً كسر الصورة النمطية التي اعتادت بعض خطابات التفرقة الطائفية العيش داخلها . وهي صورة تقوم على تقسيم التاريخ والجغرافيا والهوية إلى مربعات مغلقة لا يسمح بالخروج منها.فبينما ما يزال ينشغل البعض بإعادة إنتاج الخصومات القديمة، جاءت هذه المبادرة لتقول إن المحافظة على الإرث الحضاري لا تخضع لمقاييس الولاء والخصومة، وإن "الجامع الأموي" ليس ملكاً لطائفة، كما أن مرقد السيدة "زينب" ليس حكراً على فئة دون أخرى، بل هما جزء من ذاكرة المنطقة وتاريخها الممتد عبر قرون. وربما لهذا السبب أثارت الخطوة كل هذا الجدل؛ لأنها وضعت كثيراً من الخطابات المتشددة أمام الرأي العام ؟ فكيف يمكن الاحتفاء بالتراث عندما ينسجم مع القناعات السياسية، ثم التشكيك فيه عندما يتحول إلى جسر للتقارب والتلاقي؟ وكيف يصبح ترميم صرح تاريخي عملاً مستفزاً لدى البعض، في وقت يفترض أن يكون الحفاظ على الإرث الحضاري موضع اتفاق لا خلاف؟إن الرسائل الكبرى لا تُقاس أحياناً بحجم الأموال بقدر ما تُقاس بما تكشفه من مواقف. وما كشفته هذه المبادرة هو أن معركة بعض القوى لم تعد حول التاريخ نفسه، بل حول حق الآخرين في قراءته بعيداً عن الانقسامات الضيقة والحساسيات السياسية المتراكمة.

عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته.

  

إذاعة وتلفزيون‏



الساعة حسب توقيت مدينة بغداد

الأبراج وتفسير الأحلام

المتواجدون حاليا

1029 زائر، ولايوجد أعضاء داخل الموقع