
بقلم إبراهيم المحجوب
الموصل... مدينة تصنع الحضارة
الموصل ليست مدينة عابرة في صفحات التاريخ، ولا مجرد مكان جغرافي تحيط به الجدران والطرقات، بل هي مدينة صنعت لنفسها مكانا في ذاكرة الحضارة، وكتبت اسمها عبر قرون طويلة بحروف من العلم والثقافة والعمل والابداع.
منذ القدم، كانت الموصل ملتقى للحضارات والطرق والقوافل، تعاقبت عليها الأزمنة والامبراطوريات، لكنها بقيت محتفظة بروحها الخاصة، تلك الروح التي جعلت منها مدينة للعلماء والادباء والشعراء والحرفيين والتجار، وموطنا للتنوع الذي لم يكن يوما عائقا امام وحدتها الاجتماعية.
وحين نتحدث عن الموصل، فإننا لا نتحدث عن مبان وشوارع وأسواق فقط، بل عن ذاكرة انسانية عميقة. ففي ازقتها القديمة كانت الحكايات تولد، وفي مدارسها تعلمت أجيال، وفي جوامعها وكنائسها ومساجدها بقي صوت التاريخ حاضرا، وفي اسواقها القديمة ازدهرت الحرف والمهن التي توارثها الابناء عن الآباء.
والموصل مدينة تعرف قيمة التراث، لان التراث عند أهلها ليس حجرا قديما ولا قطعة اثرية فحسب، بل هو طريقة حياة. هو في لهجتها، وامثالها، وموسيقاها، وازيائها، ومطبخها، وحرفها، وعادات اهلها في الكرم والنجدة واحترام الضيف.
ولعل أجمل ما في الموصل أن حضارتها لم تكن صناعة القصور وحدها، بل صناعة الانسان. فكم من عالم خرج من هذه المدينة، وكم من شاعر ومفكر وطبيب ومهندس وفنان ترك أثرا تجاوز حدودها. ولهذا فإن الموصل كانت دائما اكبر من جغرافيتها، لان ابناءها حملوا اسمها معهم حيثما ذهبوا.
لقد مرت المدينة بسنوات قاسية، تعرض فيها تراثها واهلها ومعالمها للكثير من المحن، لكن المدن العريقة لا تموت حين تهدم بعض حجارتها، لان الحجر يمكن اعادة بنائه، اما روح المدينة فتبقى في اهلها وذاكرتهم.
واليوم، تحتاج الموصل الى ان تستعيد ليس فقط مبانيها، بل صورتها الحضارية الكاملة، وان نحافظ على ما بقي من تراثها، ونوثق حكايات كبار السن، ونحفظ أسماء الحرف القديمة والاسواق والمهن والعادات، حتى لا يصبح ما نعرفه اليوم مجرد سطور في كتب المستقبل.
الموصل تعلمنا درسا مهما: ان الحضارة لا تصنعها الاموال وحدها، ولا تبنيها الحكومات وحدها، بل يصنعها الانسان حين يحترم العلم والعمل والتاريخ، ويحافظ على ذاكرة المكان، ويترك للاجيال القادمة شيئا يستحق ان يفتخروا به.
لهذا ستبقى الموصل مدينة تصنع الحضارة، لا لانها تتحدث عن ماضيها كثيرا، بل لان تاريخها يشهد لها، ولان أبناءها قادرون على تحويل الذاكرة الى مستقبل، والركام الى بناء، والحكاية القديمة الى حياة جديدة.
الموصل ليست مدينة عاشت الحضارة فقط... بل مدينة ساهمت في صناعتها، وستبقى قادرة على صناعة المزيد.

502 زائر، ولايوجد أعضاء داخل الموقع