محمود يونس (أبو ليلى) .. من رواد الرياضة العراقية

الأستاذ الدكتور باسل يونس ذنون الخياط
أستاذ مُتمرِّس/ جامعة الموصل


محمود يونس (أبو ليلى).. من رواد الرياضة العراقية

من الأمور الشائعة في المجتمع العراقي مسألة (تشابه الأسماء). لقد نشرنا مؤخرا في (الگاردينيا) عن رائد الرياضة والتربية البدنية في الكلية العسكرية في بغداد؛ محمود يونس خلف زيدان العنّاز العُبيدي (1901-1983)؛ والذي تدرّب على يديه جميع رؤساء العراق وقياداته من العسكريين؛ فضلا عن عدد من الرؤساء العرب؛ في القرن العشرين.

واليوم نتكلم عن شخصية أخرى من الموصل في مجال الرياضة، ويحمل الاسم نفسه (محمود يونس)، وعاصر محمود يونس العُبيدي: إنه رائد الرياضة الموصلية ومدرب نجوم المنتخب العراقي بكرة القدم محمود يونس (أبو ليلى).

محمود يونس (أبو ليلى) (1919-2006):
أنجبت الموصل العديد من القيادات الرياضية ونجوم الرياضة والألعاب. ففي مجال كرة القدم أنجبت مدربي منتخب العراق عادل بشير وعبد الإله محمد حسن، كما أنجبت لاعبين دوليين أفذاذ أمثال محمود خرطنة ومحمود يونس وموفق عبد المجيد ورحومي جاسم وحارس محمد وهوار ملا محمد؛ فضلا عن نوري البارودي الذي قدَّم للساحات الكروية أولاده الخمسة: موفق نوري ومظفر نوري وصباح نوري ورياض نوري وأسامة نوري؛ بالإضافة إلى أختهم العداءة الذهبية إيمان نوري.

لقد كان يقود الحركة الرياضية والكشفية في الموصل شخصيات مرموقة أمثال محمود يونس (أبو ليلى) وشفيق الجليلي وعبد الجبار المصري وعبد العزيز الطالب وعبد الإله الفركاحي وضياء يونس وباسم جميل وآخرون.

ومن الأندية الرياضية التي أسهمت في الحركة الرياضية في الموصل قبل سنة 1958: (النادي الهاشمي) الذي كان مقره في منطقة (سوق التبن) بجوار بناية المحافظة ومقابل سينما الجمهورية، ومن أعضاء النادي حيدر يونس ومحمود يونس أبا ليلى وغازي أحمد أبا باسل. وكان هناك أيضا (نادي الهواة) الذي كان مهتما برياضة كمال الأجسام ورفع الإثقال وكان مقره في شارع حلب مقابل سينما الملك فيصل الثاني (سينما السعدون).

وكانت ولادة (النادي الأهلي) عام 1947م، وتحول اسمه إلى (نادي الموصل الرياضي) عام 1957م، وهو النادي الأشهر في محافظة نينوى. كما يُعد نادي الموصل الرياضي أحد أبرز وأعرق أندية العراق، حيث يعود بالتسلسل التاريخي كرابع أندية العراق من حيث التأسيس. وكان منتسب إليه الراحل محمود يونس (أبو ليلى) أقدم حَكَم عراقي كروي، وأيضاً والد فعالية رفع الأثقال في الموصل ومن أبرز مؤسسيها في العراق ياسين محمد الحمداني (أبو طه).

محمود يونس (أبو ليلى) (1919-2006):
الأستاذ محمود يونس من الشخصيات الرياضية العراقية المرموقة على مستوى العراق: لاعبا ومدربا وصانعا ماهرا للرياضيين الأعلام. أتذكره في طفولتي بشخصيته الأنيقة وشياكته وكان يحظى باحترام وتقدير المجتمع الموصلي.

كان محمود يونس معروفا في الموصل بكنيته (أبو ليلى)، حيث لم يُرزق بولد وله خمس بنات فاضلات أكبرهن (الدكتورة ليلى محمود)/ دكتوراه في الكيمياء الحياتية؛ رحمها الله.

يُعد محمود يونس أول رياضي موصلي ينضم إلى منتخب عراقي بكرة القدم، وهو أول عراقي يحمل الشارة الدولية في التحكيم، فضلا عن ذلك فهو يُعد بحق مدرسة كروية تخرّج على يديها إتنان من أشهر مدربي العراق هما عادل بشير وعبد الإله محمد حسن، فضلا عن العديد من الرياضيين البارزين أمثال حارس مرمى المنتخب العراقي موفق عبد المجيد ومحسن إسماعيل وعبد الجبار خضير وصالح سيد أمين وعبد الإله رحاوي وعزيز كشموله وطارق فصّولة.

ونظرا للسمعة الطيبة التي يتمتع بها الأستاذ محمود يونس، فقد أجرى معه المرحوم الأستاذ الدكتور عمر الطالب لقاءا سنة 1995 تحدث فيه عن العديد من التفاصيل المتعلقة بسيرته الشخصية والرياضية والوظيفية.

ولادته ونشأته:
ولد محمود يونس في محلة شيخ أبي العلا بالموصل عام 1919، وبدأ توجهه نحو الرياضة منذ أن كان طالباً في المدرسة العراقية: ونتج هذا التوجه الرياضي لديه عند مشاهدته اللاعبين يمارسون لعبة كرة القدم في ساحة (فانشو): وهي ساحة عامة أنشأها الإنكليز للألعاب وكانت أصلا ساحة يتدرب فيها الجيش العثماني، وقد أنشئت مكانها (حديقة الشهداء) الحالية.

بعد أن اشتد عود محمود يونس انتقل إلى المتوسطة الشرقية وانضم إلى فرق رياضية في المدرسة وشارك في المباريات الرياضية واشتهر في لعبة كرة القدم إلى جانب كنعان الملاح (ضابط) وإسماعيل الملاح ومحمد إسماعيل مصطفى وأمجد الملاح وعبد الوهاب حديد (طبيب جراح) وخليل جاسم وسعيد صالح القطان (عسكري).

الرياضي محمود يونس:
مارس محمود يونس مختلف الألعاب الرياضية، في البدء كانت كرة السلة ما بين عامي 1937 و 1938 ولعبة الموانع؛ وقد فاز فيها بالمرتبة الثالثة بين عامي 1939-1940، وسباق المائتي ميل. وقد استقر أخيراً على لعبة كرة القدم وترأس فرق منتخبات الموصل لكرة القدم بين سنتي 1940-1956.

مَثَّل محمود يونس فريق منتخب معارف (تربية) العراق لكرة القدم عام 1944 ضد فريق سوريا ولبنان وكانت المباريات في كرة القدم ستستمر مع الأردن ومصر، إلا أن ظروف الحرب العالمية الثانية حالت دون ذلك.

الجانب الوظيفي:
وبعد أن أنهى محمود يونس دراسته الإعدادية في إعدادية الموصل عام 1944 دخل الدورة التربوية وتخرج منها عام 1946. عُيِّن في السليمانية عام 1947 ثم انتقل إلى الموصل مدرساً للرياضة في الإعدادية الشرقية عام 1950 وكان مديرها آنذاك بكر صدقي . ثم انتقلت إدارة المدرسة إلى محمود الجومرد، كما انتقلت بناية المدرسة من النبي شيت إلى إعدادية الموصل، والتي انتقلت بدورها إلى بناية جديدة قرب المستشفى عام 1952. ثم انتقلت إدارتها إلى سعيد الملاح، وبعد حركة الشوّاف في الموصل عام 1959 تسلم إدارتها كل من سعيد سليمان وعبد الإله سعيد وحازم عمر.

انتقل محمود يونس من الإعدادية الشرقية عام 1965 وأصبح مديرا لمدرسة الاستقلال الابتدائية وكان معاونه عبد الإله رحاوي؛ وهو من طلبته الرياضيين الذين يعتز بهم. وتقع المدرسة قرب متوسطة الحدباء ويأتي هذه المدرسة أشرس الطلبة من أحياء شعبية: المشاهدة، الشفاء، والشيخ فتحي، وقد زاره نجيب الخفاف- وكان مديراً للتربية في محافظة الموصل آنذاك- واعجب للانضباط الذي كان يسود المدرسة.

ومضات:
□ من الوثائق التي حصلنا عليها مقطع مُصور من جريدة الحدباء التي من هيئة تحريرها بشرى البستاني وحيدر محمود عبد الرزاق و د. ذو النون الأطرقجي، حيث هناك مقالة عنوانها (محمود يونس أول لاعب موصلي في منتخب عراقي).


□ يقول الأستاذ محمود يونس: كانت الإعدادية الشرقية أفضل مدرسة في مدينة الموصل أيام مديرها المربي المقتدر محمود الجومرد الذي نقل إليها أفضل المدرسين في المحافظة فضلاً عن رويته التربوية العالية وتجربته المتقدمة في النواحي التربوية. ويذكر أن مدير الشرقية عبد الإله سعيد قُطع راتبه ثلاثة أيام عندما كُلف بتدريب فريق الشباب، إلا أن مدير التربية آنذاك سعيد سليمان الغى قطع الراتب عندما علم بالأمر.

□ لقد كان محمود يونس من أنجح مدرسي الرياضة في الموصل واحبهم إلى قلوب الطلبة، ويعلل سبب ذلك بقوله: كنت أساعد الطلبة عندما يخضعون للعقاب نتيجة لمشاكستهم مع بعض المدرسين بصورة خاصة وبطريقة ودية مع المدرس نفسه قبل أن تتعقد المشكلة وتأخذ بعداً جديداً. وهو يعاملهم معاملة أخوة له ومرشد ويوقف المشاكس منهم عند حده في الوقت المناسب، وهو جدّي مع الطلبة وعلى الرغم من الود الذي يربطه بهم وكان يضع دائماً حداً بينه وبينهم لا يتعداه الطالب ويحاسب المخطئ منهم. كما كان يساعدهم عندما يحسنون ويجتهدون.

□ يعد محمود يونس الأندية الرياضية العرق النابض لكل حركة رياضية، ويؤكد أن أحسن الوسائل للنهوض بالمستوى الرياضي جلب المدربين الأخصائيين في مختلف الألعاب وترجمة الكتب الأجنبية واللعب مع الفرق العربية والأجنبية ذات المستوى الرفيع على نطاق واسع والاهتمام بالأندية الرياضية وتشجيعها ومؤازرتها بكل ما تحتاجه من معونة مادية ومعنوية، والإكثار من الملاعب والساحات، والأدوات الرياضية.

□ من المُقابلات التي أجريت معه تلك التي أجراها معه فاضل الشكرة في جريدة (فتى العرب) عام 1950.


□ جاء في جريدة (الشعلة الرياضية) التي نشرت زيارة الوفد الرياضي العراقي إلى لبنان عام 1944 وجاء في برامج الرحلة الرياضي ما يأتي: "يتبارى اليوم (الثلاثاء) بعد الظهر في تمام الساعة الرابعة على ملعب (ال ب.د.د) فريق البعثة ضد منتخب المدارس الثانوية في كرة السلة ويتشكل الفريق من السادة: محمود المولى، ميخائيل سالم وعلي محسن وعداوي خلف وصالح فرج.

ويتبارى بعد الظهر (الخميس) في كرة القدم ضد منتخب الجامعة الأميركية على ملعب الجامعة ويتكون الفريق من حارس المرمى: إسماعيل حمودي والدفاع الأول: هاشم عبد الجليل وأحمد حميدي، والدفاع الوسيط: محمود يونس، أحمد عبد الرزاق وحسن كنه..الخ. وبعد ظهر الجمعة يتبارى ضد الجامعة أيضاً في كرة السلة على ملعب الجامعة. ويتبارى ضد منتخب المدارس الثانوية في كرة القدم على ملعب الجامعة الكبير بعد ظهر الأحد".

"تكريم" الأستاذ المتميز:
على الرغم من اعتزازنا الكبير لانتمائنا إلى المجتمع الموصلي، إلا أن ما يؤسف له حقا أن هذه المدينة تتميز عن غيرها من المدن العراقية بصفة "عدم الوفاء لمن يُخلصوا لها"، وسبحان الله فإن هذه الصفة ملازمة لهذه المدينة جيلا بعد جيل، حيث يتكرر السيناريو بصور مختلفة ولكن باتجاه واحد هو: الإيذاء.

من يتبع سِيرة الأستاذ محمود يونس يجد حالة التميَيّز فيه واضحة وجليّة، ومن الناحية الوظيفية يشهد عليه أقرانه وكل من عرفه بأنه أفضل مُدرس تربية رياضية في تاريخ محافظة نينوى، وربما هو الأفضل على مستوى العراق.

في السنة الأخيرة من خدمة الأستاذ محمود يونس 1980، كان مديراً للمركز الإمتحاني في مدرسته، وبعد يوم انتهاء الامتحان كُلف بتنظيم القاعة لغرض إجراء الانتخابات. فقام بذلك على أحسن ما يكون وبما يتلاءم مع البيئة الموصلية وبحيث يكون دخول وخروج النساء من مكان مختلف عن مكان دخول وخروج الرجال.

وفي المساء زار القاعة وكيل المحافظ (كامل مسعود) بمصاحبة مسؤول حزبي للاطلاع على تهيئتها للانتخابات، فلم تعجبهم الطريقة التي رتّب بها الأستاذ محمود يونس القاعة، فغضب عليه وعنِّفه، وقد أجابه محمود يونس بقناعاته الخاصة. وبعد ثلاثة أيام من انتهاء الانتخابات وجد محمود يونس كتاب الإحالة على التقاعد على مكتبه براتب تقاعدي مقداره (161) ديناراً!!!.

لقد كان باستطاعة محمود يونس تمديد خدمته مدة ستة أشهر أخرى، وهذا حق يقره القانون؛ وبخاصة لمثل هذا النموذج الفذ، إلا أنهم رفضوا طلبه للتمديد متناسين كل ما قدمه هذا الرجل لبلده.

لقد أحيل محمود يونس على التقاعد سنة 1980، وكان قَدَره أنه لو حصل على تمديد خدمته ستة أشهر أخرى لكان عندئذ سيُشمل بقانون التقاعد الجديد ويتحسن راتبه كثيرا، وقد عاش بعدها أكثر من ربع قرن يعاني من شحة رتبه التقاعدي بعد أن حُرم من قانون التقاعد الجديد.

لقد اشغل محمود يونس بعد التقاعد في بيع المواد الإنشائية بين عامي 1980-1982، إلا أنه ما لبث أن ترك العمل وآثر الانزواء والعناية بتربية بناته الخمس.

لا تَظلِمَنَّ إِذا ما كُنتَ مُقتَدِراً ... فَالظُلمُ مَرتَعُهُ يُفضي إلى النَدَمِ
تَنامُ عَينُكَ وَالمَظلومُ مُنتَبِهٌ ... يَدعو عَلَيكَ وَعَينُ اللَهِ لَم تَنَمِ

رحم الله الأستاذ محمود يونس على ما قدمه لبلده وأسكنه فسيح الجنان: (مِنَ الْمُؤْمِنِينَ رِجَالٌ صَدَقُوا مَا عَاهَدُوا اللَّهَ عَلَيْهِ فَمِنْهُمْ مَنْ قَضَى نَحْبَهُ وَمِنْهُمْ مَنْ يَنْتَظِرُ وَمَا بَدَّلُوا تَبْدِيلًا) (الأحزاب: 23).

المصدر:
كتاب " الرياضة الموصلية وبعض من روادها في القرن العشرين"، تأليف الأستاذ الدكتور باسل يونس ذنون الخياط، الشاملة، 2021.

 

  

إذاعة وتلفزيون‏



الساعة حسب توقيت مدينة بغداد

الأبراج وتفسير الأحلام

المتواجدون حاليا

2715 زائر، ولايوجد أعضاء داخل الموقع