
د.سلام مسافر
في الذكرى العاشرة لرحيل زاجل الطيور الطايرة
برحيله الفاجع، أجهز زهير الدجيلي على آخر ما تبقى في الذاكرة من غنج يليق بالعراق؛ الأزقة والدرابين، الملفعات والسافرات، وقحات الجمال، خجلات المحيا. الإذاعة والتلفزيون، المباني والاستوديوهات، المجلة؛ رياض قاسم، وحسين الحسيني، واعتقال الطائي، وسهيل سامي نادر، ومهدي المصور، ومريم السناطي، ورياض عبد الكريم، وفالح عبد الجبار، وبسام فرج، ومؤيد نعمة، ويحيى الشيخ، وصبري الربيعي، وجاسم المطير، والفراش حميد «أبو تفلة»، وسيروان، وأديب مكي، ووو….
و140 صحفيًا قال «أبو علي» إنهم مروا من بين يديه، مثل آلاف الأبيات الشعرية؛ ومئات القصائد المغناة التي ما تزال الملايين في العراق وخارجه تترنم بها، ولا تعرف أن مؤلفها زهير الدجيلي كان يهدي المغنين والملحنين ليس الكلمات والأبيات فقط، بل واللحن؛ لأن شعره المموسق يولد ملحّنًا.
اجتمعت في زهير الدجيلي مواهب لم تجتمع في غيره إلا نادرًا. كان صحفيًا يجيد كل فنون الكتابة؛ مخبرًا ومحققًا وكاتب عمود، ومدبج افتتاحيات، ورئيس تحرير لا يترك حرفًا يفلت من بين يديه دون أن يوسمه بخطه الرشيق، وإن كان النص سليمًا. فزهير حين يقرأ، يدوس بقلمه المبلل بالحبر الأخضر على النصوص، وكأنه يربت عليها ويمنحها جواز المرور إلى المطبعة.
حتى الذين لا يخضعون «للرقابة» كان زهير يربت على مقالاتهم، فلا أحد يفلت من قلم أبي علي ولا من مسحاته! هكذا كنا نمزح حين نختلي بدونه، ويشبعنا رياض قاسم بنكات بطلها زهير، الذي كان يسمعنا في غرفته المغلقة؛ إذ لا كاتم لصوت رياض قاسم الملعلع في المبنى العتيق.
حتى سهيل سامي نادر، الذي علّم أجيالًا من الصحفيين في العراق المهنة، ولقّنهم الكتابة، وزرع في نفوسهم الثقة، وجعلهم لا يخشون ركوب القلم؛ لم يفلت من دوسات قلم أبي علي.
وفي الساعات الأخيرة من الليل، وقبل أن تُغلق آخر صفحات مجلة الإذاعة والتلفزيون، كان زهير يختلي بسهيل، بعد أن يفرغ المبنى المجاور للسفارة الإيرانية في الصالحية من العاملين، ليضعا اللمسات الأخيرة على «مياسة»، الصفحة الأخيرة من المجلة الأوسع انتشارًا في العراق سنوات الأمل، بعد مجلة ألف باء.
ومن «مياسة» يسمع القراء القيل والقال، ويغفون على القفشات، وينام العشاق على كلماتها العذبة وسطورها الرشيقة ودلعها المثير. فيبعثون برسائل الحب والشجن، وكم طلبوا يد مياسة اللعوب، لكن بابا زهير ما كان ليقبل لجميلته عريسًا، حتى لو جاء من كوكب آخر.
كتب زهير الدجيلي بالفصحى والعامية، وفي البحرين سبح مع أقحوانات اللغة الساحرة التي كانت تتفتح أزهارًا وأشواكًا، حملها أبو علي آهات وآلامًا ومعاناة في قلبه، وكان يحرق كل يوم علب السجائر، كأنه يبخر للأفكار كي تتجسد كلمات.
كل العاملين في مجلة الإذاعة والتلفزيون لم يكونوا منتمين إلى حزب البعث الحاكم. لا حماية لهم من عوادي الدهر غير الشيوعي السابق، نزيل السجون على مختلف العهود، زهير الدجيلي، المتفنن في تحاشي الضربات وإفشال الدسائس ضد المجلة والعاملين فيها، مخلصًا مع زملائه إذا أخلصوا معه. لم يطالبهم يومًا بموقف سياسي يخدم أهداف السلطة. وتحمل بسبب ذلك لطمات مؤلمة.
واستثمر علاقاته الحسنة مع مدير عام الإذاعة والتلفزيون آنذاك، محمد سعيد الصحاف، وجعلها مظلة تحمي المجلة والعاملين فيها من شرور المتربصين والأعداء. تلك كانت سبعينات قرن مضى، وانتهى الأمل بالموت.
كان شيوعيًا، كتب أجمل القصائد عن حزب فهد وسلام عادل، ورثى من سقط تحت التعذيب وعلى أعواد المشانق برصاص الانقلابات. ومع أن قادة الحزب لم يبادلوه الود على قاعدة أنه انخرط مع النظام، فإنه لم يكتب تزلفًا من قادة كانوا أنفسهم يفاوضون حزب البعث للحصول على حقائب وزارية، على قاعدة المحاصصة ضمن ما سمي بالجبهة الوطنية والقومية التقدمية.
كان زهير متعدد المواهب. إذاعيًا وتلفزيونيًا، مؤلف مسلسلات تاريخية وأخرى شعبية، كاتب أطفال، ومنتج برامج تعليمية وأخرى ترفيهية.
كان ساخرًا، مكتظًا بمرارة سنوات العسف والقمع والملاحقات والجوع والفاقة.
رضعته والدته الشعر مع حليبها. فأم زهير شاعرة و«كوالة» صدحت في التظاهرات وفي حفلات التأبين لضحايا الانتفاضات الوطنية وفي المآتم.
وأورثت شعرها الأنثوي العذب لنجلها البكر، وتوجته بنفحات من جمال وجهها الأخاذ وطلعتها البهية. ولا يمكن لذوّاق إلا أن ينبهر بمحيا السيدة الأم والمناضلة، حتى بعد أن عبرت عقود الشباب.
غنى زهير للعراق حتى الرمق الأخير من حياته العاصفة المديدة. دخل السجون في سن الصبا، ونهل من الحياة رحيقها الإبداعي. كان عاشقًا أبديًا للمرأة والجمال. وكانت أم علي، زوجته الوفية، تدرك بحسها الأنثوي أن المرأة تعني لزهير العراق، الوطن الذي لم يبح صوته من مناغاته. مناغاة كالنحيب.
كان يأمل في ولادة عراق حْنِين، عراق خوش ولد، عراق ابن حمولة. ولعله على فراش الموت لم ينطق إلا باسمه، وروحه الشفافة تطير.
مات طائر آخر من تلك الطيور الطايرة، وما ردّت لأهلها.
ليس أفضل من يتحدث عن زهير الدجيلي غير «أبو علي» نفسه. هذا الفيديو من بين تسجيلات نادرة على اليوتيوب للراحل، الذي لف العراق بجناحيه، ولا أدري إن كان الوطن وجد له قبرًا بين خرائبه.
مقابلة تلفزيونية، أجمل ما فيها أن المقدم، من شدة الانسجام والإعجاب بتدفق زهير الدجيلي، لا يكثر من الأسئلة، فأَتاح لنا أن نستمع إلى زهير الراوية والمنشد والمؤرخ. وفي المقابلة يكشف زهير عن نزر قليل من سجل حياته السياسية والصحفية والإبداعية الحافل.
ومثل زهير الدجيلي يحتاج إلى عشرات البرامج لتغطي سفره العميق.
رابط المقابلة؛
الصورة بعدسة الراحل جاسم الزبيدي

2948 زائر، ولايوجد أعضاء داخل الموقع