عندما تتحول اللقاءات الإعلامية الفردية إلى الكذب والافتراء

د علوان العبوسي
14 / 9 / 2026

عندما تتحول اللقاءات الإعلامية الفردية إلى الكذب والافتراء

تُعدّ اللقاءات التلفزيونية الفردية والحوارات الإعلامية من أهم الأدوات التي تسهم في تشكيل الوعي المجتمعي، ونقل الخبرات الوطنية والعلمية والمهنية والأخلاقية والاجتماعية البناءة عبر الأجيال. فالإعلام المسؤول ليس مجرد وسيلة لنقل الأخبار أو عرض الآراء، وإنما هو رسالة تؤدي دوراً مهماً في توعية المجتمع، وترسيخ القيم، وتعريف الأجيال بتاريخ أوطانها ورموزها وتجاربها.

إلا أن المشهد الإعلامي الحالي، ومع الانتشار الواسع لوسائل الاتصال والتواصل الحديثة، شهد في بعض جوانبه انحرافاً ملحوظاً عن هذه المهمة السامية، إذ تحولت بعض اللقاءات من منابر للحوار الهادئ وتبادل المعرفة إلى منصات للسطحية والإثارة، وأصبح بعض المحاورين يتعاملون مع ضيوفهم بوصفهم مادة لتحقيق نسب مشاهدة مرتفعة، بدلاً من التعامل معهم باعتبارهم أصحاب تجارب وخبرات تستحق الاحترام والاستماع.
للمتامل لما تقدمه بعض الشاشات اليوم يلمس تراجعاً في عدد من المعايير المهنية والأخلاقية، فقد استُبدلت أحياناً القضايا الجوهرية التي تمس واقع الأمة ومستقبلها بأسئلة هامشية وموضوعات شخصية لا تضيف شيئاً إلى المعرفة العامة، بل قد تُصاغ بطريقة تستهدف إثارة الشكوك حول شخصيات وطنية وتاريخية كان لها موقعها ودورها المميز في خدمة شعوبها .
ولعل أكثر ما يبعث على الأسف أن ينزلق بعض الإعلاميين، ممن عُرفوا في مراحل سابقة بالكفاءة والتميز والرزانة، إلى مثل هذه الممارسات، نتيجة تغير طبيعة النهج الاعلامي أو ضغط المنافسة أو البحث عن الانتشار والشهرة، دون التمسك باخلاقية المهنة التي اتسموا بها فيُعاد أحياناً فتح ملفات قديمة تجاوزها الزمن، ليس بهدف الوصول إلى الحقيقة أو تحقيق المصلحة العامة، وإنما لإعادة تقديمها بصورة منقوصة أو ساخرة أو مشوهة، بما يسيء إلى الأشخاص ويشوّش عقول المشاهدين ، عندما ينصرف المحاور إلى التركيز على تفاصيل شخصية وهامشية تتعلق بحياة بعض الشخصيات الوطنية أو تصرفاتها اليومية أو تنقلاتها أو أسلوب حياتها، ثم يقدمها للمشاهد بطريقة توحي بصورة سلبية ساخرة لما قدمته من جهود وتضحيات وخدمات لمجتمعاتهم .
إن تقييم الشخصيات العامة لا ينبغي أن يقوم على اجتزاء موقف عابر أو تفصيل شخصي، وإنما على مجمل مسيرتها الايجابية وسجلها المهني والوطني ، فالإنصاف يقتضي وضع الوقائع في سياقها التاريخي والموضوعي، وعدم تحويل الجزئيات إلى أحكام كلية، أو استخدام الإعلام وسيلة لإصدار الأحكام المسبقة والتشهير بالآخرين ، ولا يتوقف الأمر عند حدود الطرح السطحي، بل قد يتطور في بعض الحالات إلى ممارسة نوع من الضغط الإعلامي والنفسي على الضيف أثناء الحوار، فيتعمد المحاور مواجهته بمعلومات غير دقيقة، أو بأسئلة ملغومة صيغت بطريقة أشبه بالمصيدة، بهدف دفعه إلى مواقف أو إجابات يرتضيها هذا المحاور لاغراض نفعية عند استخدامها خارج سياقها.
وهنا يتحول الحوار من وسيلة للاستفسار والتحقق والوصول إلى الحقيقة إلى مواجهة غير متكافئة، يكون هدفها أحياناً تحقيق الإثارة وجذب انتباه الجمهور ورفع نسب المشاهدة، على حساب كرامة الضيف وحق المشاهد في الحصول على معلومات مهمة مفيدة .
إن خطورة هذه الظاهرة لا تقتصر على الإساءة إلى الضيف وحده، وإنما تمتد آثارها إلى المجتمع بأسره، فحين تُزرع الشكوك باستمرار حول الشخصيات الوطنية والرموز العامة، وحين تصبح السخرية والتشهير والإشاعة جزءاً من الخطاب الإعلامي اليومي، فإن ذلك يؤدي تدريجياً إلى إضعاف مفهوم القدوة لدى الأجيال الجديدة، وإلى فقدان الثقة بالقيم والتجارب الوطنية.
كما أن الاعتياد على هضم السخافات وتصديق الشائعات من دون تمحيص يؤدي إلى إضعاف قدرة المواطن على التمييز بين الحقيقة والادعاء، وبين النقد الموضوعي والتشهير، وبين حق الإعلام في طرح الأسئلة وواجب الإعلامي في احترام الحقيقة وكرامة الإنسان.
وعليه، فإن الحاجة أصبحت ملحة إلى إعادة الاعتبار للإعلام المسؤول، والتمسك بمواثيق الشرف الإعلامي، وترسيخ قواعد التحقق من المعلومات، والتمييز بوضوح بين النقد المشروع والافتراء، وبين حرية التعبير والإساءة إلى الآخرين.
الخاتمة
ختاماً، فإن النتائج المترتبة على سوء إدارة المشهد الإعلامي لا تقف عند حدود الإساءة إلى شخص أو إسقاط رمز، وإنما قد تمتد آثارها إلى بنية المجتمع الفكرية والأخلاقية برمتها، فاستمرار التضليل والافتراء وإعادة إنتاج الشائعات يؤدي إلى تشويش الوعي العام، ويجعل المواطن حائراً بين الحقيقة والادعاء وبين المعلومة والشائعة وبين النقد الموضوعي والتشهير المتعمد، وقد ينتهزها البعض لاعتمادها مرجعاً والترويج بها ، وحينما يفقد المواطن ثقته بكل الشخصيات والرموز نتيجة حملات التشويه المتواصلة، فإن الخاسر الحقيقي لا يكون الفرد المستهدف وحده، وإنما المجتمع والدولة والمصلحة الوطنية العليا.
إن الأمم لاتتقدم ولا تتطور ولا يكون لها شان بين الامم من خلال تزييف تاريخها أو تشويه رموزها، كما أنها لا تبني مستقبلها بإسقاط كل قدوة أو التشكيك في كل تجربة وطنية، وإنما تتقدم عندما تضع الحقيقة والموضوعية فوق الانحياز، والاحترام فوق الإساءة، والمصلحة الوطنية فوق المكاسب الشخصية.

 

  

إذاعة وتلفزيون‏



الساعة حسب توقيت مدينة بغداد

الأبراج وتفسير الأحلام

المتواجدون حاليا

725 زائر، ولايوجد أعضاء داخل الموقع