
العربي الجديد:رحل أمس السبت السياسي العراقي المخضرم نصير الجادرجي عن عمر 93 عاماً، بعد مسيرة حافلة جمعت بين العمل السياسي والثقافي وحضور بارز في المشهد العراقي، كان خلالها أحد الوجوه المرتبطة بتاريخ الحركة المدنية العراقية الحديثة، وامتداداً لعائلة تركت بصمتها في السياسة والثقافة والعمارة. والجادرجي هو نجل السياسي العراقي كامل الجادرجي، مؤسس "الحزب الوطني الديمقراطي"، وشقيق المعماري العراقي الراحل رفعة الجادرجي.
ولد نصير الجادرجي في بغداد عام 1933، في بيئة عائلية ارتبطت بشكل وثيق بالسياسة والفكر والثقافة، في منزل كان جزءاً من الحياة العامة العراقية خلال مراحل مهمة من تاريخ البلاد. وتولى الجادرجي الأمانة العامة للحزب الوطني الديمقراطي الذي أسسه والده عام 1946، محاولاً الحفاظ على حضور الحزب وإرثه السياسي، خصوصاً أن والده كان من أبرز الداعين إلى الديمقراطية والحياة البرلمانية في العراق خلال العهد الملكي وما بعده.
ولم يكن حضوره السياسي، مقتصراً على العمل الحزبي، إذ برز اسمه بصورة أوسع بعد العام 2003، عندما اختير عضواً في مجلس الحكم العراقي، الذي تشكل بعد الاحتلال الأميركي للعراق لإدارة المرحلة الانتقالية التي أعقبت سقوط نظام صدام حسين. بعد ذلك انتقل الجادرجي الى الجمعية الوطنية الانتقالية التي استمرت حتى العام 2005، وكان من بين أعضاء مجلس الحكم في البلاد في تلك المرحلة الحساسة من تاريخ العراق، غير أنه لم يستطع لاحقاً الحصول على مقعد في البرلمان العراقي الذي تم تشكيله بعد الانتخابات وإقرار الدستور في العام 2006، ومن ثم تراجعت فيما بعد مشاركته المباشرة في المؤسسات السياسية، من دون أن ينقطع نشاطه وحضوره في الحياة العامة، خصوصاً الثقافية.
ومجلس الحكم كان تجربة سياسية استثنائية ومثيرة للجدل في العراق، إذ ضم شخصيات تمثل مكونات وقوى سياسية مختلفة، في وقت كان العراق يواجه تداعيات الاحتلال الأميركي، والانهيار المؤسسي، وتصاعد التوترات السياسية والأمنية بشكل متسارع، وقد كان الجادرجي من الشخصيات التي مثلت التيار المدني في المجلس. وإلى جانب العمل السياسي، كان للجادرجي اهتمام واضح بالثقافة والفن، وحصل على تكريم رسمي تقديراً لدوره في المساهمة باستعادة لوحات لفنانين تشكيليين عراقيين فُقدت بعد عام 2003، في خطوة أشرت الى اهتمامه بالحفاظ على الذاكرة الثقافية العراقية.
وفي عام 2017، نشر مذكراته في كتاب حمل عنوان "مذكرات نصير الجادرجي: طفولة متناقضة وشباب متمرد وطريق المتاعب"، مقدماً شهادته على مراحل من حياته وعلى بلد عاش تحولات سياسية واجتماعية عميقة. ويرى عضو "الحزب الشيوعي العراقي"، حيدر العلواني، أن أهمية الجادرجي تجاوزت المناصب التي شغلها، قائلاً لـ"العربي الجديد"، إن الراحل "كان من الشخصيات التي حافظت على خطاب عراقي جامع، وتمسك بفكرة الدولة والحوار، بعيداً عن الاصطفاف الطائفي".
وأضاف العلواني أن "وجوده في مرحلة ما بعد العام 2003 إشارة إلى حضور جيل سياسي مدني حاول استعادة دوره في العراق الجديد"، مشيراً إلى أنه "كان ينتمي إلى مدرسة سياسية مختلفة عن القوى التي تصدرت المشهد بعد 2003، وأن تجربته كانت امتداداً لتاريخ طويل من العمل السياسي الذي لم يكن يرى العراق من خلال مكوناته فقط، بل كدولة ومجتمع متعددين".
وترك نصير الجادرجي بصمته في تأسيس المدرسة الديمقراطية العراقية التي لم تكتمل، وقد حمل الامتداد السياسي للعائلة، ليبقى اسمه مرتبطاً بمرحلة حاولت فيها شخصيات مدنية إعادة طرح فكرة الدولة والحوار والعمل الوطني وسط التحولات الكبرى التي شهدها العراق. ويطوي العراق مع رحيله صفحةً أخرى من جيل سياسي عاصر مراحل مختلفة من تاريخه، من إرث العهد الملكي والحركة الوطنية، مروراً بعقود الانقلابات والجمهوريات، وصولاً إلى مرحلة ما بعد 2003.

612 زائر، ولايوجد أعضاء داخل الموقع