
د.رعد البيدر
التَنكيل بالعراق دراسة في سبع حلقات الحلقة الثانية: تَرِكَة الحرب
لم تبدأ محنة العراق بالعقوبات الاقتصادية، فقد سبقتها حرب واسعة النطاق تركت وراءها دمارًا أصاب قطاعات أساسية من الدولة والمجتمع. في الفصل الأول من كتابه «التنكيل بالعراق - تركة الحرب» تناول جيف سيمونز جانبًا من آثار العمليات العسكرية على البنية الأساسية والخدمات وحياة المدنيين العراقيين. ارتكزنا على الكتاب في دراستنا، ثم عززنا ما تطرق إليه الكاتب، حيث تقتضي الضرورة، بوثائق أمريكية ودولية وشهادات عراقية، لا للانتقاص مما أورده المؤلف أو لإضعافه، وإنما لإضافة وقائع وأرقام لم ترد في الكتاب، وإضاءة جوانب أخرى تساعد على اكتمال الصورة.
احتلت منشآت الكهرباء اسبقية أولى في قائمة أهداف جدوى الضرر الأعظم (السوقية – الاستراتيجية) لصفحة العدوان الجوي. لم تكن الغاية من استهداف الكهرباء تعطيل الإنارة فحسب، بل تعطيل اشتغال محطات المياه والصرف الصحي والمستشفيات ومرافق إنتاج وخزن الغذاء والاتصالات وغيرها من الخدمات؛ كون تشغيلها يعتمد على وجود الطاقة الكهربائية. لذلك امتد أثر الضربة من المنشأة المستهدفة إلى قطاعات مدنية واسعة.
بلغت القدرة التوليدية للكهرباء في العراق قبل الحرب نحو 9295 ميغاواط. وتعرضت منظومات التوليد لضربات واسعة خلال الأيام الأولى من الحرب، فأصيبت 13 محطة توليد من أصل 20 بالتعطيل أو التدمير، ولم يبق في نهاية صفحة القصف الجوي سوى محطتين عاملتين تنتجان أقل من 4% من إنتاج ما قبل الحرب. وبحلول أوائل أيار 1991 ارتفعت القدرة التوليدية إلى نحو 23 % من مستواها السابق.
تضمن تقرير بعثة الأمم المتحدة برئاسة مارتّي أهتيساري شهادة مبكرة على وضع العراق بعد توقف العمليات العسكرية. أعدت البعثة تقريرها عقب زيارتها العراق بين 10 و17 آذار 1991، وصدر في 20 آذار بالوثيقة S/22366، ورفع إلى مجلس الأمن عبر رسالة الأمين العام. تناول التقرير تدهور الكهرباء والمياه والصرف الصحي والصحة والنقل والاتصالات، وحذر من استمرار أزمة إنسانية واسعة إذا بقيت المنظومات الأساسية معطلة.
أجرى فريق بحثي من جامعة هارفارد معاينة ميدانية في العراق بين 27 نيسان و6 أيار 1991، ففحص 11 محطة لتوليد الكهرباء و10 محطات تحويل، إلى جانب مرافق للمياه والصرف الصحي ومستشفيات ومراكز صحية. سجل الفريق خلال الزيارة تعطلًا واسعًا في منظومات المياه والصرف الصحي، ومشكلات أصابت المستشفيات والمراكز الصحية نتيجة انقطاع الكهرباء والمياه، كما لاحظ ارتفاعًا في الأمراض المنقولة بالمياه وانتشار سوء التغذية بين الأطفال المرضى في عدد من المستشفيات، وانخفاض عدد المرضى الذين كانت المستشفيات تستقبلهم للعلاج، وارتفاع معدل الوفيات بين الأطفال في المستشفيات مقارنة بالأعوام السابقة. ونشرت نتائج الدراسة بعنوان «تأثير أزمة الخليج في أطفال العراق» في مجلة إنجلترا الجديدة الطبية، المجلد 325، العدد 13، الصفحات 977–980، بتاريخ 26 أيلول 1991. ربط الباحثون بين تدمير البنية الأساسية وبين آثار صحية تجاوزت الإصابات المباشرة الناتجة عن العمليات العسكرية، مؤكدين أثر انقطاع الكهرباء في توفير المياه ومعالجتها، وتشغيل مرافق الصرف الصحي والمستشفيات والخدمات الصحية.
لم يتوقف العراقيون إزاء الدمار من دون محاولات معالجة. تمكن المهندسون والفنيون من إعادة تشغيل أجزاء من المنظومة المتضررة، فعادت القدرة الكهربائية إلى نحو 23 % من مستوى ما قبل الحرب بحلول أوائل أيار 1991. بقيت العودة إلى مستوى ما قبل الحرب مرتبطة بإعادة تأهيل المنشآت وتأمين المعدات وقطع الغيار، في وقت كانت فيه العقوبات الاقتصادية قد بدأت تفرض قيودًا مشددة على الاستيراد وتمويل إعادة البناء.
امتد الاستهداف الأطلسي في العدوان الجوي ليشمل شبكة المواصلات. يُقصَد بشبكة المواصلات في المفاهيم العسكرية لتصنيف لأهداف: الطرق والجسور والسكك الحديدية والمنشآت المرتبطة بحركة القوات والمعدات والإمدادات، وتأخذ الجسور اسبقية متقدمة؛ لكون إعادة جاهزيتها يتطلب جهود عالية، ووقت طويل، وإمكانيات مالية. لم تكن الغاية من تعطيل شبكة المواصلات مرتبطة بالجانب الخدمي فحسب، لكون الجسور تربط مناطق العراق فيما بينها، إضافة لكونها تسهل حركة تنقل الإمداد أمام القوات العراقية وحركة الأشخاص ومواد تموين القتال (الأرزاق، والعتاد ، والوقود ) خصوصاً أن معظم القطعات العسكرية كانت منفتحة في الكويت وجنوب العراق .
أوضح المهندس محمود ذياب الأحمد المشهداني، وزير الإسكان والتعمير العراقي عام 1991، أن عدد الجسور التي استهدفها التحالف بلغَ 133 جسرًا، تركز معظمها في المنطقة الجنوبية. ولم يكن استهدافها منفصلًا عن سير العمليات العسكرية؛ فقد كانت غاية العدو، وفق المفاهيم العسكرية، «تجريد ميدان المعركة» بقطع طرق إمداد القطعات العراقية المتواجدة في الكويت، ومنع وصول العتاد والأرزاق والوقود إليها، فضلًا عن الاستباق لإعاقة حركتها في حال انسحابها تحت ضغط العدو في المراحل اللاحقة. تكشف شهادة الوزير العراقي أن استهداف الجسور جاء ضمن تكامل عسكري ارتبط ببقية نشاطات دول التحالف في إدارة الصفحتين الجوية والبرية من العدوان على العراق، وكانت غايته شل حركة القوات العراقية وقطع شرايين إمدادها.
قدم المهندس عدنان أحمد مظلوم اللهيبي، المدير العام للطرق والجسور في العراق آنذاك، أرقامًا أكثر تفصيلًا عن الضربات التي تعرضت لها جسور الطرق الرئيسية. تشير الإحصائيات المتوفرة إلى أن 12 جسرًا تعرضت لـ 126 ضربة؛ 4 ضربات في الأسبوع الأول، و21 ضربة في الأسبوع الثاني، و27 ضربة في الأسبوع الثالث، ثم بلغت الضربات ذروتها في الأسبوع الرابع بين 7 - 13 شباط، فوصلت إلى 33 ضربة، قبل أن تنخفض إلى 20 ضربة في الأسبوع الخامس و12 ضربة في الأسبوع السادس، مع تسجيل 9 ضربات أخرى بعد وقف إطلاق النار الرسمي في 28 شباط 1991.
تكتسب الجسور أهمية تتجاوز بنيتها الإنشائية، لأن تدميرها أو تعطيلها يقطع مسارات الحركة ويعيق انتقال القوات والإمدادات والأشخاص والسلع، ويؤثر في انتظام الحياة الاقتصادية والخدمية. ولا تتطابق التقديرات الأمريكية والدولية في عدد الجسور المتضررة، ويرتبط الاختلاف بتوقيت التقييم ومعايير تصنيف الأضرار، لكن اختلاف الأرقام لا يلغي اتساع الضرر الذي أصاب شبكة الطرق والجسور.
تنفيذًا لتوجيه الرئيس العراقي المبلغ بكتاب ديوان الرئاسة المرقم م .خ/1/172 في 30 كانون الثاني 1991، شُكلت اللجنة العليا للجهد الهندسي للدولة، واستمرت في أداء مهمتها، فعقدت 104 اجتماعات حتى نهاية عام 1992 مخصصة لأعمال إعمار الجسور، ثم بلغ مجموع اجتماعاتها 203 اجتماعات قبل انتهاء أعمالها في 20 آب 1995 بموجب كتاب مجلس الوزراء المرقم 7647 في 14 آب 1995. تولت اللجنة أعمال الإعمار، إضافة إلى إنشاء بدائل ومشاريع خففت من آثار تدمير الطرق والجسور.
تتوافر تفاصيل أخرى عن استهداف الجسور ومراحل الإعمار والبدائل التي نفذتها الحكومة العراقية، لا يتسع مجال الحلقة لاستيعابها، وفضلنا الاحتفاظ بها لموضوع أوسع في كتاب أو دراسة لاحقة.
يكشف استهداف العدوان للكهرباء والجسور جانبًا من طبيعة الحملة الجوية، لكن صورة الحرب لا تكتمل بالصفحة الجوية وحدها. بقيت الصفحة البرية وما رافقها من انسحاب القطعات العراقية من الكويت جزءًا مؤثرًا من تركة الحرب.
لم تنتهِ الحرب بالقصف الجوي، فقد أعقبتها الصفحة البرية التي انتهت بانسحاب القطعات العراقية من الكويت تحت ضغط العمليات العسكرية، في ظروف اتسمت بفوضى انسحاب غير منظم ، تحت تأثير قدرات وكثافة نيران العدو ، دون مراعاة موافقة العراق على قبول وقف اطلاق النار ، وقبول الانسحاب من الكويت، وخلفت خسائر بشرية كبيرة وفقدانًا واسعًا للمعدات والآليات. لم تكن الخسارة عسكرية فحسب؛ فقد تركت آثارًا عميقة في المؤسسة العسكرية وفي نفوس العراقيين، ولا سيما عائلات الذين فقدوا أبناءهم خلال الانسحاب وبقي مصير بعضهم مجهولًا. زادت صور الآليات المحطمة على الطريق من وضوح حجم الكارثة المادية، بينما بقيت الخسائر البشرية للضباط والجنود ومآسي عوائلهم أقل حضورًا في التوثيق العلني. يمثل «طريق الموت» جانبًا من تركة الحرب جمع بين الخسارة العسكرية والإنسانية والنفسية، وامتد أثره إلى ما بعد توقف العمليات العسكرية.
الجانب الإنساني من تركة الحرب يلزمنا بضرورة الإشارة إلى واقعة أخرى تختلف في طبيعتها عن تدمير المنشآت وقطع طرق الإمداد، هي قصف ملجأ العامرية في بغداد بقنبلتين ذكيتين خارقتين للتحصينات ، قبيل فجر يوم الأربعاء 13 شباط 1991. قُتل في القصف مئات المدنيين، وكان معظم الضحايا من النساء والأطفال وكبار السن. تفتح الواقعة مسألة تتصل بطبيعة الهدف، والمعلومات المتوافرة عنه، والاحتياطات المتخذة لحماية المدنيين. لا يكفي نوع السلاح لحسم مشروعية الضربة، كما لا تعفي دقة الإصابة من مسؤولية القرار المتعلق باختيار الهدف.
خلال نحو ستة أسابيع من القصف الجوي نفذت قوات التحالف أكثر من 116 ألف طلعة قتالية، وألقت نحو 88,500 طن من القنابل، وفق بيانات رسمية أمريكية. أوردت وزارة الدفاع الأمريكية الرقمين في مادة توثيقية عن حرب الخليج، كما أوردتهما القوات الجوية الأمريكية في مادة لاحقة. أشار سيمونز إلى نحو 88 ألف طن، بفارق محدود لا يغير من تقدير حجم القصف وكثافته. ولا تقيس كمية القنابل وحدها مستوى الدمار؛ فطبيعة الأهداف وتوزيع الضربات والنتائج المترتبة عليها أكثر دلالة في فهم تركة الحرب.
كشفت وثائق التخطيط الأمريكي أن الحملة الجوية صنفت الأهداف السَوقية (الاستراتيجية) في اثنتي عشرة فئة، شملت القيادة والسيطرة والاتصالات، والمراكز الحكومية، ومنشآت الكهرباء، والمواصلات، والمنشآت الصناعية العسكرية، والمنشآت البحرية، والمنشآت النووية والبيولوجية والكيميائية، والدفاعات الجوية، ومنشآت النفط، ومواقع صواريخ سكود، والقوات البرية والحرس الجمهوري. وأورد مكتب المحاسبة الحكومي الأمريكي الفئات نفسها في تقريره «عملية عاصفة الصحراء: تقييم الحملة الجوية»، رقم NSIAD-97-134، الصادر عن قسم الأمن القومي والشؤون الدولية في مكتب المحاسبة الحكومي الأمريكي في 12 حزيران 1997، ونشره مكتب الطباعة الحكومي الأمريكي.
الوثائق الأمريكية تمنح الدراسة وسيلة لمراجعة حجم النجاح الذي أعلنته الجهات العسكرية الأمريكية بعد الحرب. خلص تقرير مكتب المحاسبة الحكومي إلى تحقيق نجاح في عدد كبير من الأهداف، مع تفاوت واضح بين القطاعات، وأشار إلى أن بعض تقديرات وزارة الدفاع الأمريكية لأداء الأسلحة وحجم الأضرار لم تكن مدعومة بما يكفي من البيانات المتاحة. تظهر المراجعة أهمية التمييز بين ما أعلنته القيادة العسكرية عن نتائج الحملة وما أمكن إثباته بعد الحرب بالوثائق والمعاينات.
لا يمكن تفسير تركة الحرب بالقصف وحده. الحرب أحدثت الدمار المباشر، والصفحة البرية خلفت خسائر بشرية وعسكرية، ثم جاءت العقوبات لتفرض قيودًا على التجارة والاستيراد وإعادة التأهيل، بينما ظلت السياسات الداخلية وقدرة مؤسسات الدولة على الإصلاح والتوزيع عوامل مؤثرة في مستوى الخدمات. فصل العوامل لا يعني تبرئة طرف أو تحميل طرف آخر المسؤولية كاملة، بل يتيح قراءة مسار الأحداث كما وقع، من مصدر الضرر إلى النتائج التي تراكمت بعده.
أظهرت حصيلة تَرِكَة الحرب، تراجع قدرة الدولة والمجتمع على العمل بالمستوى السابق للحرب. أصاب الدمار الكهرباء والمياه والصرف الصحي والنقل والاتصالات والجسور، وأصاب القوات العراقية في معداتها وأفرادها، وترك آثارًا إنسانية ونفسية امتدت إلى عائلات فقدت أبناءها. بقيت مهمة إعادة البناء أمام دولة خرجت من حرب واسعة، ثم دخلت مباشرة في مرحلة من القيود الاقتصادية والسياسية.
كان كتاب سيمونز نقطة الانطلاق في قراءة المحنة العراقية، وبقيت مادته الأصل الذي تقيس الدراسة عليه ما ذُكر وما تطلب تعزيز موثق. جاءت الوثائق الأمريكية والدولية والشهادات العراقية لاختبار ما أورده المؤلف، وتصحيح ما يحتاج إلى تصحيح، وإضافة ما لم يتناوله. قيمة المصادر الخارجية في الدراسة تأتي من قدرتها على توسيع الصورة ومقارنتها، لا من إحلالها محل الكتاب.
تَرِكَة الحرب، في مجموعها ومحصلتها، تمثل حجم الانهيار الذي أصاب قدرة الحكومة العراقية والمجتمع العراقي على العمل بالمستوى السابق للحرب. أصاب الدمار الكهرباء والمياه والصرف الصحي والنقل والاتصالات والجسور، وأصاب القوات العراقية في معداتها وأفرادها، وترك آثارًا إنسانية ونفسية امتدت إلى عائلات فقدت أبناءها. واجهت الدولة مهمة إعادة البناء بعد حرب واسعة، ثم وجدت نفسها أمام قيود اقتصادية وسياسية جعلت استعادة ما دُمّر أكثر تعقيدًا وأطول زمنًا.
انتهت العمليات العسكرية، لكن آثارها لم تنتهِ. إذ انتقل العراق من مرحلة الدمار المباشر إلى مرحلة أخرى ارتبطت بالقيود المفروضة على إعادة البناء والحياة الاقتصادية. ومع بدء نظام العقوبات أخذت العلاقة بين قرارات مجلس الأمن والواقع العراقي مسارًا جديدًا، وهو المسار الذي سنتناوله في الحلقة الثالثة، «تسلسل العقوبات»، من خلال بدايات النظام، وأهدافه المعلنة، وآليات تطبيقه، والتحولات التي جعلته نظامًا بدأ على خلفية أزمة الكويت واستمر بعد انتهاء الأزمة سنوات طويلة.

790 زائر، ولايوجد أعضاء داخل الموقع