مريم رجوي ترفع سقف المواجهة : من سيحكم إيران بعد الملالي؟

نزار جاف

مريم رجوي ترفع سقف المواجهة : من سيحكم إيران بعد الملالي؟

في رسالتها إلى مؤتمر «دعم الحل الديمقراطي في إيران» في ألمانيا، لا تقدم مريم رجوي مجرد قراءة جديدة لأزمة النظام الإيراني، ولا تكتفي بتعداد مظاهر انهياره السياسي والاقتصادي والاجتماعي. إنها تطرح، بصورة مباشرة، سؤالا أكثر خطورة: ماذا بعد النظام؟ ومن يملك القدرة على ملء الفراغ عندما تبدأ منظومة ولاية الفقيه بالتفكك؟
وهنا تحديدا تنتقل المعركة من مجرد صراع على السلطة إلى صراع على مستقبل إيران نفسها.
ففي رؤية رجوي، لم تعد المسألة مجرد مواجهة بين حكومة ومعارضين، ولا مجرد موجة احتجاج يمكن للنظام احتواؤها بالقمع ثم انتظار خفوتها. هناك، في جوهر المشهد، مجتمع يتآكل صبره في مواجهة نظام استنفد أدوات البقاء التقليدية، ولم يعد يجد أمامه سوى القمع والإعدامات والأجهزة الأمنية للحفاظ على سلطته.
وتضع رجوي الانتفاضات المتكررة والاحتجاجات ووحدات المقاومة في سياق معركة واحدة ممتدة، لا في خانة الأحداث المنفصلة. والأهم أنها تحاول انتزاع هذه المعركة من الرواية التي يقدمها النظام وحلفاؤه، والتي تختزل الأزمة الإيرانية في التوتر مع الولايات المتحدة أو في العقوبات أو في الصراع الإقليمي.
فحتى لو توقفت الحرب غدا، وحتى لو رفعت العقوبات، وحتى لو عادت المفاوضات، فإن السؤال الإيراني سيبقى قائما: ماذا يفعل نظام فقد القدرة على إقناع المجتمع بشرعيته؟
وهنا تصيب رسالة رجوي واحدة من أكثر نقاط الضعف حساسية لدى النظام: الخوف من الداخل.
فالنظام الذي يحول مدنه إلى فضاء أمني، ويعامل الاحتجاج باعتباره تهديدا وجوديا، ويستخدم الاعتقالات والإعدامات لإسكات المعارضين، لا يتصرف كسلطة واثقة من استقرارها، بل كمنظومة تدرك أن الخطر الحقيقي لم يعد يأتي من الحدود، وإنما من الشارع الإيراني نفسه.
ومن هذه الزاوية، تصبح دعوات التفاوض مع النظام موضع مساءلة جدية. فإذا كان النظام عاجزا عن معالجة أزمته الداخلية، فهل تستطيع المساومات الخارجية أن تمنحه حياة سياسية جديدة؟ أم أن التفاوض ليس سوى وسيلة أخرى لشراء الوقت؟
رجوي تقول بوضوح إن المشكلة ليست في نقص الوقت الذي يحتاجه النظام، بل في أن الوقت نفسه أصبح يعمل ضده.
لكن الرسالة لا تتوقف عند تشخيص مأزق السلطة. وهنا تكمن أهميتها السياسية. فهي ترفض فكرة أن إسقاط النظام يمكن أن يتم تلقائيا بمجرد انفجار الغضب الشعبي.
فالنظام الإيراني ليس سلطة هشة تنتظر دفعة صغيرة كي تسقط. إنه منظومة أمنية وعسكرية وسياسية واقتصادية متشابكة، راكمت خلال عقود أدوات القمع والسيطرة والاختراق. ولذلك فإن الاحتجاج، مهما كان واسعا، لا يتحول بالضرورة إلى تغيير سياسي ما لم توجد قوة قادرة على تنظيمه وتوجيهه وتحويله إلى مشروع سياسي.
ومن هنا يأتي تركيز رجوي على وحدات المقاومة وعلى الدور الذي تنسبه إلى منظمة مجاهدي خلق في الانتفاضات الإيرانية.
وهذه ليست تفصيلا ثانويا في خطابها، بل هي قلب الرسالة تقريبا: النظام قد يكون مأزوما، لكن سقوطه يحتاج إلى قوة تعرف ماذا تفعل في اللحظة التي يبدأ فيها السقوط.
وبهذا المعنى، لا تقدم رجوي نفسها بوصفها معارضة تنتظر انهيار النظام، وإنما بوصفها قوة تستعد للحظة الانهيار وتريد أن تكون حاضرة في اليوم التالي.
وهنا تحديدا يبدأ الاختبار الأصعب.
فامتلاك التنظيم والقدرة على التحرك شيء، وامتلاك الشرعية الشعبية لإدارة دولة بحجم إيران وتعقيداتها شيء آخر. وإسقاط نظام شيء، وبناء نظام سياسي بديل قادر على استيعاب التنوع الإيراني وإدارة مؤسسات الدولة وضمان تداول السلطة شيء مختلف تماما.
ولهذا فإن حديث رجوي عن حكومة مؤقتة وجمعية تأسيسية وانتخابات حرة ليس مجرد تفصيل دستوري، بل محاولة للإجابة عن السؤال الذي يرعب كثيرا من الإيرانيين والمراقبين في آن واحد: ماذا يحدث في الساعات والأيام التي تلي سقوط النظام؟
هل يكون السقوط بداية انتقال ديمقراطي، أم بداية فراغ وفوضى وصراع بين القوى المسلحة والسياسية؟
إن الإجابة عن هذا السؤال قد تكون أهم من السؤال المتعلق بإمكانية إسقاط النظام نفسه.
أما وضع نظام الشاه ونظام الملالي في الخانة نفسها بوصفهما نموذجين للاستبداد، فهو محاولة واضحة لإغلاق باب الثنائية التي حكمت جزءا كبيرا من النقاش الإيراني: إما الملكية وإما الجمهورية الإسلامية.
رجوي تريد أن تفتح بابا ثالثا: لا عودة إلى الماضي الملكي، ولا استمرار للجمهورية الدينية.
لكن هذا الطرح يصطدم بواقع سياسي لا يمكن تجاهله؛ فأنصار الملكية يشكلون، بصرف النظر عن حجمهم الحقيقي، جزءا من المشهد المعارض. ولذلك فإن معركة "اليوم التالي" قد لا تكون فقط بين النظام ومعارضيه، بل يمكن أن تتحول، بعد سقوط النظام، إلى صراع بين مشاريع المعارضة نفسها على شكل الدولة الإيرانية المقبلة.
وهنا تصبح المعركة أكثر تعقيدا بكثير.
فالخصم ليس النظام وحده؛ إنها أيضا معركة على من يملك حق تمثيل إيران بعد النظام.
واللافت أن رسالة رجوي لم توجه إلى الإيرانيين وحدهم. اختيار مؤتمر في ألمانيا، وبحضور سياسيين وبرلمانيين، يحمل رسالة أوروبية واضحة: لا تجعلوا الخوف من المجهول سببا للحفاظ على المعلوم، ولا تجعلوا هاجس "ماذا بعد النظام؟" ذريعة لقبول بقاء نظام يرى في المجتمع خصما دائما.
وهذا ربما هو جوهر الرسالة الموجهة إلى أوروبا:
إذا كان النظام عاجزا عن إصلاح نفسه، وقادرا فقط على تأجيل أزمته، فإن مساعدة النظام على شراء المزيد من الوقت ليست سياسة استقرار، بل تأجيل للانفجار.
في النهاية، قوة خطاب رجوي لا تكمن فقط في تصوير النظام الإيراني بوصفه نظاما مأزوما، وإنما في ربطها بين ثلاثة تطورات متزامنة: تآكل النظام من الداخل، قابلية المجتمع للانفجار، ووجود معارضة منظمة تقول إنها تستعد لمرحلة ما بعد ولاية الفقيه.
لكن هذه المعادلة ستظل ناقصة ما لم تحسم المسألة الأصعب: هل تستطيع المعارضة تحويل الغضب الشعبي إلى قوة سياسية جامعة، أم أن تعدد المشاريع المعارضة سيحول لحظة سقوط النظام إلى بداية صراع جديد؟
ذلك أن سقوط النظام، مهما كان مهما، ليس نهاية المعركة على إيران؛ بل قد يكون بدايتها الحقيقية.
ومن هنا يصبح السؤال أكثر إلحاحا من أي وقت مضى:
هل تقف إيران فعلا على عتبة نهاية نظام ولاية الفقيه، أم أن النظام، رغم كل ما يحيط به من أزمات وتصدعات، لا يزال قادرا على شراء المزيد من الوقت؟
والسؤال الأخطر ربما هو:
إذا انتهى زمن شراء الوقت، فمن سيكون مستعدا لامتلاك اللحظة التي تليه؟

  

إذاعة وتلفزيون‏



الساعة حسب توقيت مدينة بغداد

الأبراج وتفسير الأحلام

المتواجدون حاليا

878 زائر، ولايوجد أعضاء داخل الموقع