العراق الذي سُرق … واللصوص الذين أصبحوا خبراء في النزاهة

بدري نوئيل

العراق الذي سُرق … واللصوص الذين أصبحوا خبراء في النزاهة

هناك لصٌّ قديم الطراز، يضع قناعًا على وجهه، يكسر قفلًا، يدخل البيت، يأخذ ما يستطيع حمله، ثم يركض!

وهناك لصٌّ عراقي حديث الطراز… أكثر تطورًا وأناقة.
لا يركض. بل يمشي بهدوء. لا يكسر قفلًا. فالمفتاح موجود في جيبه. ولا يخشى كاميرات المراقبة.
فقد يكون هو الذي وقّع على شرائها!
أما القناع، فقد استبدله بربطة عنق، وبدل أن يحمل كيسًا أسود، يحمل حقيبة مليئة بالملفات والأختام والتواقيع.
وبهذه الطريقة انتقلت السرقة من الشوارع إلى المكاتب، ومن الأزقة إلى المؤسسات، ومن الخوف من الشرطة إلى الاحتماء بالقوانين واللوائح واللجان.
وهكذا وُلد في العراق نوع جديد من اللصوص:
لصٌّ قانوني!
لا تقل: سرق… قل: اختفى المال!
في العراق، يبدو أن اللغة نفسها أصبحت متهمة بالتستر على الفساد. لا أحد يقول: سرقوا.
يقال: "هناك أموال لم تُعرف وجهتها."ولا أحد يقول: اختلسوا.
يقال: "حدثت مخالفات مالية."ولا أحد يقول: ضاعت المليارات.
يقال: "الأموال قيد التدقيق."
وهذه العبارة الأخيرة جميلة جدًا؛ لأنها تمنح المال المسروق فرصة طويلة للحياة.
قد يدخل المال إلى التدقيق شابًا، ثم يخرج من التدقيق وقد بلغ سن التقاعد!
أما المواطن، فعليه أن ينتظر. ينتظر الكهرباء. ينتظر الماء. ينتظر الوظيفة. ينتظر الخدمات. ينتظر الراتب. وينتظر نتائج التحقيق في الأموال التي اختفت. وقد ينتظر حتى ينسى لماذا كان ينتظر أصلًا.
أغنى بلد… وأفقر مواطن
العراق ليس بلدًا فقيرًا. هذه الجملة نسمعها منذ عقود.
العراق بلد غني. العراق يمتلك النفط. العراق يمتلك الأراضي الزراعية. العراق يمتلك الأنهار. العراق يمتلك الثروات الطبيعية. العراق يمتلك تاريخًا وحضارة وشعبًا متعلمًا. لكن هناك سؤالًا صغيرًا جدًا يزعج هذه الصورة الكبيرة:
إذا كان العراق غنيًا إلى هذا الحد، فلماذا يعيش المواطن وكأنه ينتظر صدقة من بلده؟
هنا تبدأ الكوميديا السوداء. بلد غني… ومواطن يشكو من الغلاء. بلد نفطي…ومواطن يشكو من الكهرباء. بلد لديه جامعات… وشبابه يبحثون عن وظيفة. بلد لديه أطباء ومهندسون وأساتذة ومثقفون… ثم نسمع من يقول: "لا توجد إمكانيات."
إذن أين ذهبت الإمكانيات؟ ربما سافرت. فالأموال العراقية، كما يبدو، أكثر حرية من المواطن العراقي.
المليار دولار مهاجرٌ ممتاز
المواطن العراقي عندما يريد الهجرة يحتاج إلى جواز سفر، وتأشيرة، وإثبات دخل، وحجز فندق، وتأمين صحي، وأسئلة كثيرة. أما المليار دولار؟ فما شاء الله عليه! يعرف طريقه. يعبر الحدود. يدخل الحسابات. يشتري العقارات. يستثمر في الخارج. ويعيش حياته بهدوء. المليار دولار لا يحتاج إلى تأشيرة. والمفارقة أن الذين بقوا داخل العراق هم الذين يدفعون ثمن الأموال التي غادرت العراق!
الجميع يحارب الفساد والعراقي يمتلك موهبة سياسية نادرة: الجميع ضد الفساد! المسؤول يقول:
نحن نحارب الفساد. والحزب يقول: نحن مع النزاهة. ومجلس الشعب يقول: سنحاسب الفاسدين.
واللجنة تقول: سنفتح تحقيقًا. والتحقيق يقول: سنشكل لجنة. واللجنة الجديدة تقول: سنراجع نتائج اللجنة السابقة. ثم تأتي لجنة أخرى لتبحث لماذا لم تنتهِ اللجنة الأولى من عملها! وهكذا يتحول الفساد إلى كرة قدم إدارية. كل جهة تركلها إلى الجهة الأخرى.وفي النهاية…
لا أحد يعرف أين ذهبت الكرة، ولا أين ذهب المال!
الفاسد الذي يرفع شعار النزاهة
ربما أجمل ما في المشهد أن بعض الذين يتحدثون عن النزاهة يفعلون ذلك بحماس شديد.
وهذا شيء يستحق الإعجاب. إنه يشبه شخصًا يحمل مظلة في يوم مشمس، ثم يصرخ:
"احذروا المطر!"
وقد تجد الفاسد نفسه يكتب مقالًا عن محاربة الفساد، ويلقي خطابًا عن الشفافية، ويتحدث عن مستقبل الأجيال!
الأجيال؟ أي أجيال؟ الجيل الذي يبحث عن وظيفة؟ أم الجيل الذي يبحث عن بيت؟ أم الجيل الذي يبحث عن سبب يجعله يبقى في العراق؟ لقد أصبح بعض الشباب ينظرون إلى وطنهم كما ينظر المسافر إلى محطة قطار: مكان جميل… لكن يجب أن أرحل.
اللص الصغير والفاسد الكبير
المشكلة أن المجتمع أحيانًا يطارد اللص الصغير بقسوة، بينما يتعامل مع الفاسد الكبير بشيء من الاحترام. من سرق شيئًا بسيطًا يُمسك به بسرعة. أما من تسبب في ضياع الملايين، فقد يحتاج الناس إلى سنوات حتى يسمعوا اسمه في قضية، ثم سنوات أخرى لمعرفة أين وصلت القضية.
والسؤال هنا ليس دفاعًا عن اللص الصغير. بل هو سؤال عن العدالة:
هل قيمة الجريمة تُقاس بحجم الشخص الذي ارتكبها؟ إذا سرق فقيرٌ رغيفًا أصبح لصًا.
وإذا اختفت ملايين من المال العام، أصبحت القضية:
"ملفًا ماليًا معقدًا يحتاج إلى تدقيق."يا لها من لغة جميلة!
فقط في عالمنا العربي يمكن أن يتحول اللص إلى "متهم"، والمال إلى "مبلغ"، والسرقة إلى "تجاوزات"، والفضيحة إلى "ملف"، والملف إلى "لجنة"، واللجنة إلى "أرشيف"!
مَن سرق العراق؟ السؤال ليس فقط: من سرق المال؟ بل: من سرق المستقبل؟ فالمال يمكن استعادته، ولو بعد سنوات. لكن كيف نستعيد عمر شاب قضاه يبحث عن فرصة؟ كيف نعوض عائلة عاشت بلا خدمات؟
كيف نعوض مريضًا لم يجد علاجًا مناسبًا؟ كيف نعوض طالبًا تخرج ولم يجد مكانًا في سوق العمل؟
كيف نعوض مواطنًا فقد ثقته بأن القانون يمكن أن يحميه؟ الفساد لا يسرق المال فقط.
الفساد يسرق الوقت، والفرص، والثقة، والأمل. وهذه أموال لا تظهر في ميزانية الدولة.
العراق لا يحتاج إلى معجزة
العراق لا يحتاج إلى معجزة كي يصبح بلدًا أفضل.
يحتاج إلى شيء أكثر بساطة: قانون يُطبق على الجميع. ومؤسسات لا تخضع للمحسوبية. ومحاسبة لا تعرف اسمًا ولا حزبًا ولا منصبًا. ومال عام يُعامل فعلًا على أنه مال الشعب. فالمال العام ليس مال الحكومة. وليس مال الحزب. وليس مال المسؤول. وليس مال الوزير. وليس مال الموظف.
إنه مال المواطن العراقي. وكل دينار يُسرق من خزينة الدولة ليس مجرد رقم ناقص في دفتر حسابات.
إنه مدرسة لم تُبنَ. ومستشفى لم يُجهز. وطريق لم يُعبد. وفرصة عمل لم تُخلق. وبيت لم يُبنَ.
وحلم شاب لم يتحقق.
الخاتمة: آخر من يغادر العراق… فليطفئ النور
في نهاية هذه المسرحية الطويلة، يبقى المواطن العراقي جالسًا أمام شاشة التلفزيون، يستمع إلى خطاب جديد عن مكافحة الفساد.
يصفق المذيع. ويصفق المسؤول. ويصفق الجمهور. ثم ينتهي الخطاب. وينطفئ التلفزيون. ويعود المواطن إلى بيته. يدفع فاتورته. يحسب راتبه. يفكر في أولاده.
ثم يسأل نفسه: إذا كان الجميع يحاربون الفساد… فمن الذي يموّله إذن؟
ربما نحتاج إلى لجنة للإجابة عن هذا السؤال. لكن قبل تشكيل اللجنة، هناك اقتراح بسيط:
لنضع على باب خزينة الدولة لافتة جديدة:
"هذا المال ليس غنيمة." وتحتها:
"العراق ليس شركة خاصة." وتحتها، بخط أكبر:
"ومن يسرق المال العام لا يسرق الدولة فقط… بل يسرق من عمر العراقيين ومستقبل أبنائهم."
أما العراق… فما زال واقفًا. رغم كل الذين سرقوا منه. ورغم كل الذين أتعبوه. ورغم كل الذين ظنوا أن الوطن يمكن أن يتحول إلى حساب مصرفي. وسيأتي يوم يسأل فيه التاريخ سؤالًا بسيطًا جدًا:
كان العراق غنيًا… فأين ذهبت ثروته؟ وعندها لن تنفع اللجان. ولا الخطب. ولا الشعارات. فالمال قد يختفي…
لكن التاريخ لا ينسى.

 

  

إذاعة وتلفزيون‏



الساعة حسب توقيت مدينة بغداد

الأبراج وتفسير الأحلام

المتواجدون حاليا

1110 زائر، ولايوجد أعضاء داخل الموقع