‏المثقف في مواجهة خطاب الكراهية

 ‏بقلم إبراهيم المحجوب

المثقف في مواجهة خطاب الكراهية

‏نتحدث اليوم عن موضوع بالغ الأهمية، اختلطت فيه الأوراق من كل جانب، وأصبح من الضروري أن نعيد النظر في مفهوم الثقافة والمثقف في مجتمعنا. فكثير من الناس يعتقدون أن كل من ظهر على شاشات التلفزيون أو وسائل الإعلام، أو استطاع التقاط صورة مع هذا المسؤول أو ذاك، هو بالضرورة يكون رجل اعلام او إنسان مثقف، وهذا مفهوم خاطئ لا بد من تصحيحه.

‏فالثقافة ليست شهادة معلقة على جدار، ولا ظهورا إعلاميا، ولا علاقة بمسؤول أو شخصية معروفة، وإنما هي وعي وسلوك وأخلاق ومعرفة وقدرة على فهم المجتمع واحترام الإنسان. وقد يحمل الإنسان أعلى الشهادات العلمية، لكنه يفتقر إلى أبسط مقومات الثقافة الاجتماعية والإنسانية.

‏إن المثقف الحقيقي هو الذي يشعر بمسؤوليته تجاه مجتمعه، ويستخدم الكلمة من أجل البناء لا الهدم، ومن أجل التقريب لا التفريق، ومن أجل نشر الوعي لا إشاعة الجهل. ولذلك فإن الثقافة اليوم تقف أمام تحد خطير يتمثل في انتشار خطاب الكراهية الذي أصبح يجد له منابر متعددة، بعضها عبر وسائل الإعلام وبعضها عبر منصات التواصل الاجتماعي.

‏وللأسف، نجد بعض الفضائيات والبرامج التي يفترض أن تكون وسائل للتوعية والتثقيف، تتحول أحيانا إلى منابر لبث التوتر وتأجيج الخلافات، بدلا من أن تدعو إلى وحدة الشعب ورص الصفوف وتوحيد النيات. فتطرح خطابا يقوم على التخوين والتشكيك والتجريح، وكأن اختلاف الرأي أصبح سببا للعداء والكراهية.

‏وهنا يأتي دور المثقف الحقيقي؛ فالمثقف ليس متفرجا على ما يحدث حوله، ولا صامتا أمام الكلمات التي تزرع الحقد بين أبناء المجتمع، بل عليه أن يكون صوتا للعقل والحكمة، وأن يواجه خطاب الكراهية بخطاب أكثر قوة وتأثيرا، خطاب يقوم على المحبة والاحترام وقبول الآخر.

‏إن أخطر ما يمكن أن يصيب أي مجتمع هو أن تتحول الاختلافات الطبيعية في الرأي إلى خصومات اجتماعية، وأن يتحول النقاش إلى شتائم، والحوار إلى تخوين، والاختلاف السياسي أو الفكري إلى كراهية بين الناس. وعندما تصل المجتمعات إلى هذه المرحلة فإن الخاسر في النهاية هو الجميع.

‏كما أن مسؤولية المثقف لا تقتصر على الكتابة وإلقاء المحاضرات، بل تبدأ من سلوكه اليومي ومن طريقة حديثه عن الآخرين. فلا يمكن لمن يطالب الناس بالسلام أن يكون أول من يشعل الخلاف، ولا يمكن لمن يدعو إلى التسامح أن يمارس الإقصاء بحق من يختلف معه.

‏نحن بحاجة اليوم إلى مثقف يمتلك الشجاعة ليقول كلمة الحق دون إساءة، وينتقد دون تجريح، ويختلف دون أن يكره، ويعترض دون أن يحرض. نحتاج إلى مثقف يعرف أن الكلمة مسؤولية، وأن جملة واحدة قد تبني جسرا بين الناس، كما يمكن لجملة أخرى أن تهدم سنوات من المحبة والتعايش.

‏إن وسائل الإعلام ومنصات التواصل أصبحت تمتلك تأثيرا كبيرا في تشكيل وعي المجتمع، ولذلك فإن استخدامها يجب أن يكون بعيدا عن التحريض وبث الكراهية. فالإعلام المسؤول هو الذي يفتح أبواب الحوار، ويمنح مساحة للرأي والرأي الآخر، ويبحث عن المشتركات التي تجمع الناس بدلا من التركيز على نقاط الخلاف.

‏وفي مجتمع مثل مجتمعنا العراقي، الذي مر بسنوات طويلة من الظروف الصعبة، نحن أحوج ما نكون إلى خطاب يجمع ولا يفرق، ويزرع الأمل بدلا من الخوف، ويعيد الثقة بين أبناء الوطن. فالعراق أكبر من خلافاتنا، وأعمق من انقساماتنا، ومستقبله لا يبنى إلا بتكاتف أبنائه.

‏وفي النهاية، تبقى الثقافة الحقيقية موقفا قبل أن تكون معرفة، وأخلاقا قبل أن تكون شهادة، ومسؤولية قبل أن تكون شهرة. والمثقف الحقيقي هو من يجعل من قلمه ومنبره وسيلة لإطفاء الحرائق الاجتماعية، لا لإشعالها.

‏فهل نحتاج اليوم إلى مزيد من الأصوات التي ترفع سقف الخلاف، أم إلى أصوات عاقلة تعيد للكلمة قيمتها وللحوار احترامه؟

‏إن مواجهة خطاب الكراهية ليست مسؤولية المثقف وحده، لكنها تبدأ منه؛ لأن الكلمة الواعية قادرة على أن تكون جسرا للمحبة، وأن تجعل من الاختلاف فرصة للتفاهم، ومن التنوع مصدر قوة، ومن المجتمع المتعدد الأطياف وطنا يتسع للجميع.

  

إذاعة وتلفزيون‏



الساعة حسب توقيت مدينة بغداد

الأبراج وتفسير الأحلام

المتواجدون حاليا

864 زائر، ولايوجد أعضاء داخل الموقع