
بسام شكري
المافيا من صقلية الى بغداد تطابق الأساليب واختلاف مراكز القوى
لم تكن المافيا عبر التاريخ مجرد عصابات مارقة تطلق النار في الأزقة، بل كانت دائمًا "فلسفة سلطة موازية" تنتعش حيثما غابت الدولة وسقط القانون وتُشير الدراسات إلى أن الكلمة تعود لغويًا إلى سياقات شعبية في جزيرة صقليّة الإيطالية إبان الوجود العربي (من مصطلحات مثل "مرفوض" أو "المعافى" للحماية)، أو من التعبير الصقلي الذي يشير إلى الجرأة والاعتزاز بالنفس , تحول هذا المفهوم تدريجيًا ليعبر عن نمط يرفض السلطة ويقدم حماية ذاتية، حتى استقر في القرن التاسع عشر لوصف شبكات مسلحة نشأت لحماية الأراضي ومزارع الحمضيات مقابل إتاوات، قبل أن تتحول إلى منظمة إجرامية تُعرف بـ "الكوزا نوسترا" وتعني (قضيتنا).
مع موجات الهجرة الإيطالية أواخر القرن التاسع عشر وبداية القرن العشرين، انتقلت الظاهرة إلى المدن الأمريكية الكبرى مثل نيويورك وشيكاغو، وازدهرت إبان فترة حظر الكحوليات في العشرينيات. ولضبط النزاعات، أسس الزعيم التاريخي "لوتشيانو المحظوظ" عام 1931 نظام "المجلس" الذي أدار الجريمة عبر العوائل الخمس الكبرى، بالتوازي مع "منظمة شيكاغو" بقيادة آل كابوني, وتطورت الظاهرة عالميًا عبر نماذج متعددة كـ "الياكوزا" اليابانية القائمة على نظام طبقي صارم وطقوس كبتر الأصابع وتغطية الجسد بالوشم، و"الكارتيلات" اللاتينية في كولومبيا والمكسيك التي أدارت حروبًا شاملة ضد الدول، و"المافيا الروسية" التي صعدت عقب انهيار الاتحاد السوفيتي لتسيطر على شبكات السلاح وغسيل الأموال العابرة للقارات.
قامت المافيا التقليدية على أربعة أركان رئيسية: قانون الصمت - الأوميرتا – Omertà ، فرض الإتاوات البيتزو - Pizzo مقابل الحماية الوهمية، الهيكل الهرمي الصارم الممتد من العرّاب إلى المنفذين (والعراب مصطلح إيطالي تعني زعيم العصابة الأعلى أو الرأس المدبر للشارع) , والطقوس السرية التي تُلزِم العضو بالولاء للمافيا وأسرارها حتى الموت, ورغم محطاتها الدموية التاريخية كمجزرة يوم القديس فالنتين (1929)، واغتيال قضاة مكافحة المافيا الإيطاليين جوفاني فالكوني وباولو بورسيلينو (1992)، وتفجيرات فلورنسا وميلانو إلا أن القرن الحادي والعشرين شهد تحول المافيا إلى نموذج "الياقات البيضاء". فأصبحت منظمات مثل "الـندرانجيتا" تحول المليارات عبر العملات المشفرة، وتستولي على أموال التعافي الأوروبية عبر شركات وهمية بعد وباء كورونا، وتدير جرائم دفن النفايات السامة.
هندسة المافيا والسياسة في العراق
خلافًا للمافيا التقليدية التي تنشأ في الحواري والمناطق المهمشة ثم تتسلق نفوذ الدولة، نشأت المافيا في العراق بعد عام 2003 بآلية عكسية من أعلى هرم السلطة إلى الشارع, إذ شكل نظام المحاصصة الطائفية والسياسية البيئة الخصبة لنشوء "أخطبوط الفساد الممنهج"، وتجمعت أركانه عبر المكاتب الاقتصادية للأحزاب التي تقاسمت الوزارات كإقطاعيات مالية لفرض العمولات وتمرير المشاريع الوهمية, وقد تزامن ذلك مع تشكيل الذراع المسلحة (المافيا الفصائلية) التي وفرت الحماية العسكرية للمصالح الاقتصادية قبل أن تحصل على الغطاء الرسمي والتمويل الحكومي، متحولة إلى مافيا تمتلك حصانة الدولة وسلاحها, كما تحالفت القيادات الفاسدة مع عصابات الشارع الجنائية لتوفير الحماية القضائية لها مقابل تنفيذ عمليات الترهيب والتصفية بحق أي عراقي معارض للسلطة الميليشياوية التي تستمد قوتها وشرعيتها من مرجعية النجف الأشرف، امتدادًا لشبكات الاتجار بالبشر والأعضاء البشرية، والسيطرة الميدانية عبر الواجهات الاجتماعية والإعلامية.
أساليب إدارة شبكات الظل هذه في عدة محاور:
- تهريب الأموال وغسيلها: عبر "نافذة بيع العملة" في البنك المركزي لشراء الدولار بالسعر الرسمي بموجب فواتير استيراد مزورة، ثم تهريبه كاش أو غسله في العقارات الاستثمارية.
- شريان الجغرافيا اللوجستية وتجارة المخدرات: حيث تحول العراق إلى مركز إقليمي لتدفق الكريستال ميث عبر الحدود الشرقية، وحبوب الكبتاجون عبر الحدود الغربية نحو أسواق الخليج بالتنسيق مع شبكات عابرة للحدود.
- الدور العابر للحدود: الالتفاف على العقوبات الدولية لصالح نفوذ ايران الإقليمي، وتوفير التمويل المالي والعسكري، فضلاً عن شبكات تجنيد المرتزقة لإرسالهم الى روسيا وعراب تلك العمليات الميليشياوي مصطفى سند الذي ظهر في اكثر من ستة فيديوهات وهو يزور موسكو لعقد صفقات قالت أخبار الميليشيات إنها صفقات عسكرية في حين انه لا يملك أي رتبة أو خبرة أو منصب عسكري , وقد بثت عدة محطات اعترافات على قيام مصطفى سند بإرسال المرتزقة من عدد غير قليل من المرتزقة الذين تم القبض عليهم من قبل الجيش الأوكراني وإرسالهم للقتال في أوكرانيا مقابل ثلاثة الأف دولار شهريا, وقد شاركت المافيا في الحرب الأخيرة بين أمريكا وايران لصالح ايران وقصفت الكويت والبحرين والسعودية وصرح قادة الميليشيات علانية بانهم من قام بذلك خدمة للمذهب واتباعا لتعليمات الولي الفقيه في ايران.
تفرض المافيا الحاكمة في العراق هيمنتها بالحديد والنار، ممتدةً إلى مفاصل الاقتصاد إذ تُشلّ حركة القطاعات الصناعية والتجارية والزراعية أمام أي مستثمر أو صاحب عمل ما لم يخضع لابتزازها، سواء بفرض الإتاوات القسرية أو مشاركته في الملكية مقابل حمايته من جانب و التغاضي عنه وتقديم 'الحماية من جانب أخر, كما تفرض الميليشيات سيطرتها المطلقة على المعابر والمنافذ الحدودية البرية والبحرية والجوية لتحول الرسوم الجمركية والسيادية مباشرة إلى خزائنها الخاصة, ولا تقف هذه الهيمنة عند حدود الاقتصاد، بل تمتد لتصادر الفضاء العام والإعلام؛ حيث يُجبر الصحفيون والمحللون ومحللو الفضائيات الخارجية على الدوران في فلك الرواية الرسمية للجهاز الإعلامي الميليشياوي لخط الولي الفقيه في ايران ، دون أدنى هامش للخروج عن الخط المُرسم لها, وحتى الشركاء الممثلون للمكون السنّي في مؤسسات السلطة، يتم إخضاعهم لضوابط هذا النفوذ، لضمان بقائهم ضمن المظلة السياسية لـ 'الولي الفقيه' والالتزام الحرفي بتوجهاتها الإقليمية." وتقوم بعض السفارات العراقية بشراء المواد الممنوعة على ايران بسبب الحصار الدولي وأرسالها الى العراق ويتم تغيير أوراق الشحن في البحر, وفي سنة 2022 حدثت فضيحة حيث وجدت احد عشر حاوية مليئة بمواد كيمياوية خطرة في ميناء أم قصر العراقي ونشرت الصحف ذلك الخبر وتبين إن تلك المواد لا تستخدم في العراق , لكن سرعان ما اختفت تلك الحاويات وتبين إنها أرسلت الى ايران عن طريق البر ولو راقبنا نشاطات السفراء العراقيين نجد بعضهم يجتمع مع شركات تنتج مواد لا يحتاجها العراق كالطاقة الذرية وتكنلوجيا الصواريخ, المصيبة إن سعادة السفراء العراقيين يشترون تلك المواد ويتم دفع معظم أثمانها من الميزانية العراقية. وقبل أسبوعين تسربت أخبار عن دفن مخلفات نووية إيرانية في منطقة جرف الصخر وهذا مخالف للقانون الدولي إضافة الى إن تلك المنطقة التي يحتلها الحرس الثوري الإيراني وقد تم تهجير سكانها من العرب السنة تقع بين بغداد وبابل واذا ما حصل أي فيضان للأنهار أو أمطار غزيرة فان جنوب العراق سيطفو على إشعاعات نووية قاتلة.
خارطة الطريق لتفكيك مافيا السلطة
إن تفكيك المافيا الفصائلية المتغطية بالغطاء الديني والسياسي في العراق يتطلب إستراتيجية استثنائية تتجاوز الحلول الأمنية التقليدية، استنادًا إلى التجارب الدولية:
تجفيف الشريان المالي: أتمتة القطاع المصرفي وفرض المنصات الإلكترونية الشفافة (مثل سويفت) للسيطرة على حركة الدولار، وإخضاع المنافذ الحدودية والموانئ لإدارة إلكترونية مؤتمتة بحماية أجهزة أمنية نخبوية، مع تفعيل قانون "من أين لك هذا؟" ومصادرة الأصول غير المبررة.
الإصلاح الأمني وحصر السلاح: إنهاء وجود الأجنحة المسلحة للأحزاب، وتطبيق قانون الأحزاب بحظر أي كيان يمتلك ميليشيا، مع تجريم المكاتب الاقتصادية في الوزارات وخارجها وتفكيكها، ودعم الأجهزة السيادية كجهاز مكافحة الإرهاب والاستخبارات الوطنية.
الإصلاح المؤسسي والقضائي: تجريم استخدام الشعارات والمقدسات الدينية في العمل السياسي وفصل الدين عن الدولة، وإنشاء منظومة استثنائية لحماية القضاة والشهود والمخبرين على غرار التجربة الإيطالية، إلى جانب الخروج التدريجي من نظام المحاصصة.
الملاحقة والتعاون الدولي: تتبع الأموال والعقارات المهربة بالخارج عبر الإنتربول، وفرض عقوبات دولية ذكية على القادة المتورطين في غسيل الأموال وتجارة المخدرات وانتهاكات حقوق الإنسان.
على الرغم من أن الانتخابات الأربع الأخيرة في العراق تفتقر إلى الشرعية الدستورية لكون جلّ المشاركين فيها أحزابًا تمتلك فصائل وميليشيات مسلحة وهو ما يخالف الدستور صراحة إلا أن المشهد السياسي الحالي يشهد مفارقات لافتة، فرئيس الوزراء الحالي (الزيدي)، الذي جاء بترشيح مباشر من رئيس "الإطار التنسيقي" نوري المالكي (والذي يلقبه قطاع واسع من الشارع العراقي بـ "الهالكي" لكثرة ما ارتبط اسمه به من أزمات وجرائم)، قد بدأ مؤخرًا حملة ضد الفساد، وإن كانت لا تطال إلا النزر اليسير من شبكات الفساد المتشعبة, وأمام هذا الواقع، يبقى السؤال السياسي المطروح: هل سينقلب الزيدي على وليّ نعمته وصانعه السياسي نوري المالكي المتهم برعاية الفتنة ومافيات الفساد؟ أم أن المالكي نفسه سيفاجئ الجميع، على طريقة أفلام الدراما المصرية الكلاسيكية في الستينيات، فيصحو ضميره ويعلن توبته في الدقيقتين الأخيرتين من الفيلم؟
عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته.

572 زائر، ولايوجد أعضاء داخل الموقع