محاكمة التاريخ بين فعل السلطة وحكم الذاكرة العراق نموذجاً

بقلم : اللواء الملاح الركن المتقاعد فيصل حمادي غضبان
17 أب 2026

محاكمة التاريخ بين فعل السلطة وحكم الذاكرة العراق نموذجاً

١.المقدمة : السؤال الفلسفي ليس ماذا حدث بل من يملك حق الحكم على ما حدث…هناك ثلاث محاكم متنافسة:

أ. محكمة الفعل: وهي لحظة وقوع الحدث، تحكمها موازين القوة والمصلحة الآنية. الحكومة التي تقوم بالفعل تبرره بأنه ضرورة حتمية.
ب. محكمة التاريخ: وهي محاكمة المؤرخين والمنتصرين. التاريخ لا يكتبه الشهود، بل يكتبه من بقي ليروي. كما قال ابن خلدون ( التاريخ في ظاهره لا يزيد عن الإخبار، وفي باطنه نظر وتحقيق ).
ج. محكمة الدهر: وهي محكمة الشعوب والنتائج طويلة المدى. ما أفسده قرار سياسي في 1920 قد لا يظهر عفنه إلا في 2020.
٢. الإشكالية الكبرى: هل يمكن للأسام ( أي الأيام اللاحقة والإصلاحات المتأخرة ) أن تصلح ما أفسده الدهر ( أي تراكم الظلم والبنية الفاسدة…الفلسفة تقول ( الزمن لا يصلح بذاته، بل يصلح الفاعل الجديد الذي يفهم سلبيات الدهر ).

٣. أحداث تاريخية : آلية الحكم على التاريخ..( التاريخ لا يحاكم الحكومات بأخلاقها، بل بنتائجها ). وهناك قاعدة تتكرر هي :
ا.الشرعية التأسيسية: كل حكومة جديدة تحاكم الحكومة السابقة لتبرر وجودها. الجمهوريون حاكموا الملكية بوصفها "عميلة"، والملكيون حاكموا العثمانيين بوصفهم "متخلفين".
ب. مفارقة المؤرخ: نحن نحاكم فعلاً حدث في سياق 1950 بأخلاق 2026. هذا ظلم منهجي، لكنه ضروري لنتعلم.
ج. الدهر هو الفاعل: الدهر ليس زمناً مجرداً، هو تراكم بنية. عندما تزرع حكومة نظاماً طائفياً أو ريعياً، الدهر يحوله إلى ثقافة.
إذن من يحاكم من ( الفعل يحاكم لحظته، والتاريخ يحاكم الفعل، والشعب يحاكم التاريخ عندما يدفع الثمن ).

٤. أمثلة تاريخية:
أ. الثورة الفرنسية 1789: في لحظتها كانت فعلاً دموياً فوضوياً. الحكومة الملكية حاكمتها بانها جريمة . بعد 100 عام، التاريخ حاكمها بصفتها ولادة للحداثة. الدهر أصلح جزءاً من فسادها عبر الجمهورية الخامسة.
ب. تجربة محمد علي باشا في مصر 1805-1848: بنى دولة حديثة بالحديد والنار. في وقته كان مستبداً. التاريخ اليوم يحاكمه بأنه مؤسس لمصر الحديثة، رغم أن مشروعه انهار لأنه بنى جيشاً ولم يبنِ مجتمعاً.
ج. الاتحاد السوفيتي 1917-1991: فعل ثوري بدعوى العدالة. التاريخ حاكمه بعد 70 سنة ليس بنواياه، بل بمجاعة أوكرانيا ومعسكرات سيبيريا.
د.الأيام لم تصلح ما أفسده الدهر لأن البنية كانت فاسدة من الأساس ( حزب واحد يحكم باسم الشعب).
د. الخلاصة الفلسفية: الأيام لا تصلح ما أفسده الدهر تلقائياً. الدهر لا يصلح نفسه. الذي يصلح هو قطيعة معرفية ( فعل جديد يكسر المنطق القديم ).

٥. الاستنتاج الفلسفي ..لا أحد يحاكم أحداً بموضوعية مطلقة بل :
أ. الحكومة تحاكم التاريخ لتصنع الشرعية.
ب. التاريخ يحاكم الحكومة لصنع عبرة.
ج. أما الحكم الحقيقي فهو للواقع: هل الناس بعد 50 سنة يعيشون أفضل أم أسوأ بسبب ذلك الفعل..وهل تصلح الأيام ما أفسده الدهر.الجواب :
أولاً. ( كلا ) : إذا كانت الأيام مجرد امتداد للدهر.
ثانياً. ( نعم ) إذا كانت الأيام ثورة على منطق الدهر. إصلاح الفساد بنفس أدوات الفساد هو إعادة إنتاج للفساد نفسه.

٦. العراق بين حكمين: ملكي ديمقراطي وجمهوري دكتاتوري وتأثير الدين على الأيديولوجيات هذه هي جوهر محاكمة التاريخ العراقي وكما يلي :
أ. الحكم الملكي 1921-1958 مثل الديمقراطية النخبوية ماله وما عليه :
اولاً. لم يكن ديمقراطياً بالمعنى الشعبي، لكنه كان دولة مؤسسات. برلمان، أحزاب، صحافة حرة نسبياً، قضاء مستقل، ومجلس إعمار خطط لبناء العراق حتى 1980.
ثانياً. أخطاؤه: تأسس على تحالف مع البريطانيين ، وأهمل الريف، وحاصر الشيوعيين والإسلاميين.
ثالثا: انجازاته بنى بنية دولة.
رابعاً.حاكمه الجمهوريون في 1958 بأنه رجعي وعميل، وأعدمه في ساحة الأهواء والانحراف.

ب. الحكم الجمهوري 1958-2003 كانت الجمهورية شعارات ديكتاتورية بدأ كانه فعل تحرري ( إسقاط حلف بغداد وإصلاح زراعي ) لكنه سرعان ما دخل منطق الدهر الفاسد ( كل حاكم يحاكم من قبله بالإعدام ) :
أ.عبد الكريم قاسم حاكم الملكية، عارف حاكم قاسم، البعث حاكم عارف، صدام حاكم البعث نفسه الحكومة الاسلامية حاكمت البعث والدولة تحولت من مؤسسات إلى شخص.

ج. النتيجة التاريخية تحكم اليوم: الملكية رغم عمالتها المفترضة تركت خزينة عامرة ومشاريع، والجمهورية رغم وطنيتها المفترضة تركت حروباً وحصاراً وديون 130 مليار دولار.

د. ما بعد 2003 - جمهورية دينية محاصصاتية: هنا يأتي تأثير الدين على الأيديولوجيا. الدين في العراق لم يدخل كإيمان، بل هوية سياسية بديلة بعد فشل القومية والشيوعية والبعث :

اولاً.الإسلام السياسي الشيعي والسني لم يقدم مشروع دولة، بل مشروع تقاسم غنيمة. حول الدين من قيمة أخلاقية مطلقة تحاكم السلطة، إلى سلطة تحاكم الناس باسم الدين.

ثانياً. الأيديولوجيا الدينية لم تنتبه لافة الفساد: الفاسد يحتمي بالطائفة، فيصبح انتقاد الفاسد هو نقداً للدين كما يفسره أصحاب الاغراض .
ثالثا. النتيجة: دولة ريعية بلا مواطنة. نفس منطق الدهر ( الولاء للزعيم ).

٧.خلاصة حال العراق: العراق لم يفشل لأنه ملكي أو جمهوري، بل لأنه لم يحدث قطيعة مع منطق الدولة الغنيمة. الملكية كانت تبني دولة، الجمهورية الأولى كانت تبني زعيماً، والجمهورية الثانية تبني طوائف. الفعل نفسه تكرر بلباس مختلف.

٨. التوقعات المستقبلية للعراق نحن الآن في لحظة محاكمة جديدة. الظرف الراهن 2025-2026 يقول:
أ.نهاية صلاحية الأيديولوجيا: جيل كامل ولد بعد 2003 لا يؤمن لا بالقومية ولا بالإسلام السياسي. ثورة تشرين 2019 كانت أول محاكمة شعبية للتاريخ كله، ملكي وجمهوري وإسلامي. شعارها "نريد وطن" .
ب. الدهر الاقتصادي سيحاكم الجميع: النفط لن يبقى يغطي الرواتب إلى الأبد. الدولة التي يعيش 8 ملايين موظف منها على الريع ستواجه لحظة إفلاس بنيوي خلال 10-15 سنة. هذه هي المحكمة الحقيقية التي لا ترحم.
ج .السيناريوهات :
اولاً. سيناريو إصلاح الدهر: وهو صعب، يحتاج دولة مواطنة لا محاصصة، قانون أحزاب يتبنى المساواة والاعمار بمنطق مجلس الإعمار الملكي لا بمنطق المقاول المسنود. وهذا يتطلب جيلاً سياسياً جديداً غير مرتبط بذاكرة 1958 و 2003.
ثانياً. سيناريو تكرار الدهر: وهو الأرجح حالياً، بقاء نظام المحاصصة مع تغيير الوجوه، حتى يأتي انهيار اقتصادي أو انتفاضة جديدة أكثر راديكالية.
د. هل تصلح الأيام ما أفسده الدهر في العراق :
الجواب الفلسفي الأخير: العراق لا يحتاج من يصلح ما أفسده الدهر، بل يحتاج من يوقف الدهر الفاسد. أن نكف عن ترقيع بيت بني على خطأ هندسي. التاريخ لن يحاكم الحكام بل سيحاكم هذا الجيل .
ه. هل فهمنا أن المشكلة ليست في الأشخاص بل في الفكرة التي تجعلنا نقدس الشخص ونحتقر المؤسسة..وهنا تكمن المعضله..الاجابة نعم. .نحن لا نعاني من أزمة رجال، نحن نعاني من أزمة فكرة الرجل.المعضلة كما هي الفكرة التي تحكمنا منذ 100 سنة هي المؤسسة فاسدة بطبيعتها ( والشخص المخلص هو الحل ) :
أولاً. الحكم الملكي قال: الأحزاب فوضى، لنقدس الملك فهو فوق الجميع.
ثانياً. الجمهوري قال: الملك خائن، لنقدس الزعيم الأوحد .
ثالثا. الإسلامي قال: الزعيم العلماني كافر.
د. في كل مرة نغير اسم المقدس، ونبقي على فعل التقديس نفسه. ونحتقر المؤسسة لأنها تذكرنا بالقانون، والقانون يمنع المقدس من أن يفعل ما يشاء.

٩. لماذا نقدس الشخص :
أ. عقدة الأب القبلي والديني: تربينا على أن الأمان لا يأتي من نظام مجهول، بل من رجل معلوم. الشيخ يحمي، السيد يشفع، الزعيم يرزق. المؤسسة فكرة باردة، الشخص فكرة دافئة. في مجتمع خائف، الدفء أهم من العدالة.
ب. المؤسسة في العراق كانت دائماً أداة قمع: الشرطي في مراحل زمنيه :
اولاً. العهد الملكي كان للاحتلال البريطاني ،
ثانياً. في العهد الجمهوري كان للحزب .
ج. اليوم الولاء خليط داخلي وخارجي ..النتيجة الناس كرهت المؤسسة لأنها لم تكن يوماً محايدة. فهربت إلى الشخص ليحميها من المؤسسة.
د. تقديس الشخص يلغي المسؤولية: إذا كان الحاكم مقدساً، فأنا غير مسؤول عن خراب البلد. أنا مجرد تابع. هذه راحة نفسية خطيرة. بناء المؤسسة يتطلب أن أكون مواطناً يحاسب ويدفع ضريبة ويحتج. تقديس الشخص يتطلب مني فقط أن أصدح بالهتافات والشعارات..
ه. ماجاء اعلاه هو الفخ الذي وقع فيه ابن خلدون قبل 600 سنة وسماه العصبية ( الجماعة تلتف حول شخص قوي لتحمي نفسها، ثم ذلك الشخص يلتهم الجماعة باسم حمايتها.
كيف نحتقر المؤسسة عملياً ).

١٠. الخلاصة: يتضح ان الاغلبيه لا ترغب بدولة قوية، بل تريد رجلاً قوياً في دولة ضعيفة. لأن الدولة القوية تحاسب والرجل القوي يحابي الجماعة…السؤال هل هناك مخرج لهذه المعضلة:
أ. الأيام لا تصلح ما أفسده الدهر، إلا إذا قتلنا الفكرة الأصلية.
ب. الفكرة لا تموت بخطاب، تموت بممارسة عكسية.
ج. المؤسسة لا تبنى بالحب، تبنى بالكراهية .
د. المنظمة للشخصنة. أن تضع قانوناً لا يستثني حتى من تحبه.

١١. الثمن الاصعب :
أ.بريطانيا لم تصبح ديمقراطية لأن ملوكها صاروا طيبين، بل لأنها قطعت رأس ملك ( تشارلز الأول ) وقالت ( لا أحد مقدس ).
ب. العراق لن يتغير حتى يأتي جيل يقول ( لا سيد ، لا زعيم ،لا شيخ ، لا رمز ) هناك قانون، وإذا لم يعجبني أغيره في البرلمان، لا أغير البرلمان من أجل الرجل.

١٢. مشكلتنا هي : نحن نريد نتائج المؤسسة ( كهرباء، أمان، جواز محترم ) لكننا نرفض أن ندفع ثمنها النفسي ( أن نتوقف عن تقديس الأشخاص ونمنح التضحية للوطن ).
السؤال الأخير هو الحكم النهائي للتاريخ ( هل نحن مستعدون أن نكون أيتاماً بلا أب مقدس، من أجل أن نكون مواطنين احرار في دولة محترمة )….أرجع واقول من يحاكم من ( التاريخ أو الدهر ).

  

إذاعة وتلفزيون‏



الساعة حسب توقيت مدينة بغداد

الأبراج وتفسير الأحلام

المتواجدون حاليا

572 زائر، ولايوجد أعضاء داخل الموقع