
د. وَائِلْ اَلْقَيْسِي
رؤية ورأي
يوم غدٍ ستشهد وسائل الإعلام المحلية والعربية والدولية تغطية واسعةً ونقاشاتٍ حادةً حول حدثٍ تاريخيٍّ يبدو أقرب إلى الأسطورة منه إلى الواقع المعاصر، حيث سيسارع الكتّاب والمحللون والمؤرخون والسياسيون إلى استحضار هذا اليوم العظيم الذي يُعدّ مصدر فخرٍ واعتزازٍ لكل عراقيٍّ وعربي، وهو يوم الانتصار في الملحمة الكبرى التي صنعها العراقيون الأحرار بجميع أبعادها، حين واجهوا إيران الفارسية بشرفٍ وفروسيةٍ عربية، محققين النصر في معركة "قادسية صدام المجيدة" في الثامن من آب عام 1988، وهو انتصارٌ لا يُضاهى إلا بانتصار العرب المسلمين الأوائل في عهد الخليفة الراشد عمر بن الخطاب في معركة القادسية الأولى عام 15 للهجرة الموافق 636 للميلاد.
وقد أصبح العربي اليوم، من الخليج العربي حتى المحيط الأطلسي، يتغنى بهذا الانتصار، رغم أن البعض ممن يعانون من عقدة في صدق الانتماء للأمة العربية يستحضرونه على مضض، إلا أنهم لا يملكون إلا الإقرار بأن العراق انتصر على إيران وسحقها، وأذاق الخميني مرارة الهزيمة في حربٍ ضروسٍ استمرت ثماني سنوات، قاتل فيها العراق بجيشه وشعبه وقائده الفارس النبيل صدام حسين المجيد، الذي ختم حياته بالصعود إلى منصة التتويج باللقب المشرف، لنيل شرف الشهادة دفاعًا عن العراق والأمة وفلسطين المحتلة.
عند استذكار هذا اليوم بكل اعتزازٍ وشوق، ينبغي ألا نكتفي بالتأبين والتباكي عليه واعتباره مجرد حدثٍ تاريخي، بل يتوجب على كل عراقيٍّ صادق الانتماء لوطنه وأمته أن ينفض عن نفسه غبار الغزو الأمريكي والاحتلال الإيراني الذي تعرض له العراق منذ عام 2003 حتى اليوم، وأن يتجاوز الجراح العميقة التي أصابته، وأن يجعل من هذه الذكرى المقدسة في تاريخنا المعاصر جسرًا ومرحلة عبور نحو استعادة الوطن وإصلاح ما تصدع من وحدة الشعب، والخروج من حالة الضعف والانكسار التي أصابت البعض.
مما لا شك فيه أن هذا الخطاب موجّه إلى العراقيين الشرفاء، أما الخونة والعملاء والجواسيس والفاسدون والمجرمون وذووهم من الذيول، فرغم استفحال شرورهم في الوقت الراهن، إلا أنهم حالةٌ شاذة وفقاعةٌ ستنتهي عاجلًا أم آجلًا.
إن سيطرة شذاذ الآفاق على العراق في الوقت الحالي لا تمثل العراقيين الأصيلين، وإن استنهاض الهمم لرفض الواقع المرير وتغييره هو مسؤولية كل عراقيٍّ وطنيٍّ غيور على بلده، وفي مقدمتهم أهل الرأي السديد وأصحاب الفكر والمناضلون الحقيقيون، بغض النظر عن الألقاب والعناوين والمسميات.
إن أول من يقع على عاتقهم مسؤولية تحرير وطننا المحتل هم البعثيون الذين آمنوا قولًا وفعلًا بمسؤولية النضال الوطني والقومي، ومن سوء حظ الخونة والعملاء أنهم يطلقون صفة "بعثي" على كل عراقيٍّ يرفض الاحتلال الحالي ويتصدى له بكل مخرجاته، فهل هناك شرفٌ وفخرٌ للبعثيين أكبر من هذا؟!.
لقد أصبحت صفة "البعثي" ظاهرةً طاغيةً وكأنها تهمةٌ أو سبةٌ تُقلق الذين اصطفوا مع إيران ضد وطنهم العراق، بينما ترفع من شأن ومكانة البعثي الحقيقي بين الجماهير.
إن الثامن من آب عام 1988 يحقّ علينا أن نعيد له مجده وتألقه، وأن نجعل منه واقعًا معاصرًا نستمد منه القوة وروح المبادرة للتغيير والإصلاح والتحرير، لا أن يظل مجرد ذكرى تُستحضر للتأمل والاحتفال فقط وتُهمل في خضم انشغالات الحياة اليومية ومتاعبها.
تشير جميع شواهد التاريخ، قديمه وحديثه، إلى أن الشعوب مهما امتلكت من دوافع للثورة والمقاومة والتحرر، فإنها تظل بحاجة ماسة إلى نخبة تتنازل عن ملذات الحياة، وتضحي بكل غالٍ ونفيس من أجل الوطن والشعب، وتقود الجماهير وتكون قدوة في التضحية والكفاح والنضال. وقد تتجسد هذه النخبة في مجموعة أو في فرد واحد يأخذ بيد الجماهير ويتصدر مشهد القيادة، والتاريخ حافل بمثل هذه الشواهد. فلا يمكن لأي شعب أن ينجح في ثورته ما لم تتقدم صفوفه قيادة رشيدة تضبط إيقاع الثورة، وتحقق أهدافها، وتؤدي إلى انتصارها. وإذا كان البعض يلوم الشعب على سكوته وعدم خروجه بثورة عارمة ضد الاحتلال والظلم وسوء الأحوال، وقد يصفه أحيانًا بالجبن أو التخاذل، فإن هناك حالات كثيرة تؤكد فشل معظم الثورات الشعبية العفوية، إذ غالبًا ما تتعرض للاختطاف، وتستغل أطراف انتهازية غير وطنية أكتاف الثوار للتسلق عليها، فتنحرف الثورة عن مسارها، وتضيع جهود وتضحيات الثوار الحقيقيين. والأخطر من ذلك هو سرقة الثورة في لحظاتها الأخيرة من قبل قوى خارجية، وتنصيب أتباع لها، فتضيع بذلك الأهداف السامية وتذهب هباءً.
إن الشعب العراقي ثائر ومفعم بالحماس للخروج بثورة حقيقية، لكنه يفتقر إلى القيادة التي تأخذ بيده نحو بر الأمان والانتصار، والأمل مرهون بقيادة بعثية تتصدر المشهد وتقود الجماهير حتى لو كانت باسم غير اسم البعث، وكان حديث الإعلامي العربي عبد الهادي المجالي قبل أيام عن أن البعث هو الوحيد الذي استطاع توحيد صفوف الشعب العربي تحت راية واحدة جعلت كل أطياف الشعب العراقي موحدًا في قتال الإيرانيين والانتصار عليهم في حرب القادسية الثانية، كان توصيف المجالي صحيحا ودقيقا في هذا الوقت الحساس من تأريخ الأمة، ولابد من كسر الجمود وتحشيد البعد الجماهيري من جديد لمواجهة المد الفارسي الذي يستهدف وجود وحاضر الأمة العربية، ولا يصلح لهذا المهمة إلا البعثيون، وهم اهلها.

489 زائر، ولايوجد أعضاء داخل الموقع