
د. خالد زغريت – سوريا – حمص
يا ظلالاً وراءَ الجبل
(أصداء سيرة ذاتية بالرمادي)
( لعل تلك الظلال لا تنسى أن الماضي لا يعود لكنه لا يموت ، ولا أحداث عابرة ثمة تاريخ للسر كالجمر تحت الرماد)
.... إلى مَن ينسى أنه أرخ للضلال....
عدتُ وحدي
(1)
عدتُ وحدي
معي لا طيورٌ مشتْ
لا غيومٌ ظلَّلتْني
ولا اتبعتني جبالْ
ما انتظرتُ بليلٍ عيونكِ
خيطَ البياضِ
ولا طلْعةً للهلالْ
ما الذي سيَلُمُّ المياهَ
بعيدُ انكسارِ الجرارِ
وكانَ عليَّ نداءُ الظلالْ
لا لتمشي معي بلْ لتطْلعَ وحشى وراءَ الجبالْ
كم تنامُ حكايا بتلك الظِّلالْ
ليسَ حبْري بعِدَّانِ ورْد الفضيحةِ
ليسَ القصائدُ ثأرَ جمالْ
ليسَ عدَّانُ خلْعَ القناعِ
ولا فتْحِ صناديقَ سوْدٍ لتلكَ الظِّلالْ
إنَّما القلبُ أصبحَ ناياً
و لا بدَّ منْ بوحِ آهٍ تغصُّ بها كالجبالْ
يَبسَ الحبرُ و العمرُ و الصَّوتُ
ماذا تفيده آهُ الغناءْ
ضاقت الأرضِ بي غصَّني النَّبعُ بي
غصَّ كلُّ الفضاءْ
ليسَ من يبْسِها بلْ كثرُما خنقتْني ورودكِ بالعطرِ
والعطرُ لا خيمةٌ تسْتظلُّ، ولا وطناً فيَقيني العراءْ
بلغَ القلبُ في التَّراق سدىً واسْتواني الهباءْ
ليسَ للحكيِ عنْ سيرةِ الظَّلِ معنىً
سوى الرُّوحِ كانتْ تنظِّفُ فيها مرايا البكاءْ
علَّه درَجاً سوف يُفضى بها لرضىً بالقضاءْ
.
خريف التُّوت
(2)
سقطتْ كلُّ أوراقِ توتاتِكم
لم يعدْ يتخفَّى بهيئة صخرٍ ولا حجرٍ حجلْ
نسوةٌ جمَّةٌ لا غزالٌ ، ولا مدنٌ لا نوارسُ لا ليلكٌ ظلهنَّ وراءَ الجبلْ
وعلى ذراه صدى كلُّ حرفٍ قميصٌ شفافٌ
وكلُّ الطُّيوب لتنْشيْفه منْ ندايَ حبلْ
اِطلعي من ظلالٍ وراءَ الجبلْ
فدخانُ الرُّموز انجلى
والنّساءُ تلوحُ مناديلَ أعلى علاه بلون المُقلْ
جلُّنار دربِ الوعر
(3)
كالنَّخيلِ تشامخُ تحصي ارتجافَ طيورٍ
تحطُّ على سعْفها حين مسّتْ أناملُها
جلِّنار هواها
انحنتْ لاحمرار دُمى النَّفسِ ، هاجَ فيها اللعبْ
نادمتْ زيْزفوني سياجاً تساقي الندى وعرها
وتشاركُ حبري متون الكتبْ
قرأتْ لي فناجينَ قهوةٍ صاحِبتِها وحكتْ بُنُّ أعينِها منْ حطبْ
والإناثُ تبررُ معرفةَ القلبِ سرَّ العناقيدِ إنْ هي حامضةٌ .. حلوةً
ليس في عينِها كلُّ داليَّةٍ
سوف يحلوَ فيها العنبْ
ودَّعتْ قلبَها جلَّناراً تعَشَّقَ في وعْرها،
للطَّريق مقلْ
بِلْعاسُها خضَّرَ بشوارعي العتبَ
صمتُها طافَ كلَّ شوارعَ حمصَ ببلْعاسِهِ
بحياءٍ يُخضِّر فيها العتبْ
وصديقتُها وضعتْ أمس في جيبِ قلبي يديها
و جسرَ الفراتِ المُعلَّقَ تقْطفه ليْ
لنمشي على ريحِ هالٍ بروْضة حمصَ
شربْنا حنانَ رؤانا قديماً
حديثاً علانا بعلوْ أنينِ القصبْ
راودتْ بقبابِ الإمامةِ ردَّتَها
جدلتْ بضفائرها كلَّ نعناعِ قرمطَ
هاءَ حليبُ الخوارجِ بأثدائها
حصرماً وعنبْ
كم تخثَّر في جفنها الدَّمع
شالاً لنائلةٍ وإساف
حريٌّ بها مماجنة الشِّعرِ
لا استبراء اللعوبِ بطهْر اللعبْ
بعدُ ما ماتَ فيها لقرْط الخيانة وسْواسُه
لا تراهُ افتراطاً لعِقْد العفافِ
ولا غايةً لا تسوِّغ للحبِّ كلَّ سببْ
.
.
امرأة كيباسِ الذَّهب
(4)
ودَّعتْ حمصُ قلبي لامرأةٍ
عبرتْ طرقي حلمتْ أن تسوِّيَ الغبارِ فيه ذَّهبْ
وغوتْ حين روحي همتْ سدْر وحشتها يابساً
أيُّ ماءٍ يحْي يباس الذَّهبْ
هرعتْ لرياحي تعدُّ سروجاً
وقالت : أنا فرسٌ لكَ من فضَّةٍ بكَ قلبي اكتملْ
كسرتْ قلبَها فوقَ طاولتي الأمس
كأساً وكأساً لبانَ لآلئِ حلمٍ عليَّ انهملْ
لمْ تظلَّ شناشيلُ منزلِها ما تعرَّى منَ الرُّوحِ
لا سَترتْ ما تعرَّشَ ملحَ الفضيحةِ وسْط الجروحِ
وما التبستْ في التَّساوم
من فضَّةِ النَّسبِ العائليِّ كريمَ حِلَلْ
أسفتْ كيفَ يُأبى سريرٌ من السَّواسنِ
أرجوحةً للنُّجومِ
طوتْ كسْرَ عينِ الخواطرِ في الرُّوحِ
قد ودّعتْني على طيْبِ يأسٍ
فما منْ مياه تُحي يباسَ الأملْ
.
مزهريَّةُ مريم
(5)
بعدُ ما زالَ قلبي زجاجَ الكؤوسِ التي كُسرتْ
غافلتْ آهتي بموشَّحها الأندلسْ
هي سبحانَ مَن صوَّرَ الحلوَ في مزْهريَّةِ مريمَ
أعذُبَ من قداديسَ أنضْرَ من نرجسْ
لا غزالٌ ولا رشأٌ مرمرٌ صارَ ريماً بتولاً
وأحسنَه قدْسُه في جمالِه كان بهِ يحترسْ
همستْ: ما بوادي النَّضارةِ ألْماسةٌ
قد صفتْ شجراً
غيرَما خلتُها مُقلةً لكَ والنَّجمُ أخضرُ لؤلؤِه
كان منها على مهَلٍ ينعكسْ
لستُ أدري على أيِّ تفَّاحةٍ أتَّكي جنَّة
أُشْرك القلبَ في حبِّها كلَّ حبٍّ
وما شرْكُ حبٍّ سوى النُّور من نوره يقتبسْ
لحظةً ما ذوتْ غابةُ الكستنا
بعيون الغزالِ وراحَ لها الخريفُ سدىً يختلسْ
ودّعَ الكروانُ بقلبي بقيَّةَ أقفاصِه ..
لم تزلْ نظرةٌ في عيوني على شكْلِ توليبها الحلوُ
رانيةً إنْ ذوى أو يبسْ
.
نحلةُ أزاهير الشَّر
(6)
كلُّ أنثى تُزلُّ السُّروجَ
وإنْ كان خَيَّالُها جلدَها لا يُشقُّ له فارساً بمَثلْ
طبْعُها زهوُها في المرايا رعايةْ تفّاحِها لتشاغلُ إبليسَ عن جنَّةٍ
غيرَ فردوسِها من حنانِ الأنوثةِ
أنْ تتداعى خياماً لمن تتقطًّعُ فيه السُّبلْ
كلُّ أنثى كنحْلٍ تحبُّ التنقُّلُ
منْ زهرة لأخرى ليحْلوَ جنْيَ العسلْ
إنْ يكنْ من أزاهير شرٍّ،فكلُّ جمالٍ كؤوس تعيذُ الغوى بالثَّملْ
وإلى آخر الليلِ كانت تلاعبُ صوتي بأمِّ خُزام تدلَّه أينَ طريقُ دمشقَ، إلى أبعدِ من شفتيْها ولا طريقٍ يصلْ
وإلى آخرِ الليلِ كانت تحايلْ أضعفَ إيمانها بالزِّنى
وتصوِّرني، وإلى آخر الليل تزني بلوْنِ التّصاوير
تخشى الحرامِ ولكنْ فقطْ بالحبَلْ
بضفائرِها تغَّطي سريري وتُلبسني جلدَها في الشتاء حللْ
لم تنمْ ليلةً دونَ أنْ تكسرَ الأغنياتِ على جسدي تتَّقي فيَّ فجْرَ المللْ
هي كانتْ تفوقُ الملاكَ برقّةٍ روحٍ
و تغلبُ إبليسَ حينَ ينافسُها في بديعِ الحيَلْ
ورقٌ أبيضُ المتنِ و الهوامشُ نسْخُ قبلْ
ودّعتني على شرَكٍ ثمَّ عادتْ لتنْقضَ غزْلاً به روحها تشتملْ
رابعةٌ والمحرابُ حيَلٌ
(7)
لستُ أدري القصيدةُ كيفَ إلى الآن لم تكتملْ
كلُّ أنثى ولو هي من إثْمها تبْتتلْ
عينُها فوقَ سجَّادة الصَّلوات تهجِّدُ
والطَّرْفُ أكثرُ نسْكه وسْط مرايا الغزَلْ
تكذبُ العينُ في عشقِها ذاتَها ما تراه وميضَ بتولٍ
فيما بعدُ تعرفُ أنَّ صلاةَ العيون منْ نظرٍ للقبلْ
والتَّسابيح وسْط الشِّفاه دعاءُ التَّواعدِ سرّاً
لتفسيرِ حمْرةِ رمَّانةِ السِّرِّ وقتَ العملْ
خانَها صوتُها أكثرُ الصَّمتِ ضحْكٌ، وأكثرُ ما في الدُّموعِ قميصُ أملْ
هي تنشرُ نصفَ سواد الليالي على حبْل صوتي إذا نجمُه ما اكتملْ
نبضُها مثلَ هاتفها يتبادلانِ ضرَّ العطّلْ
وعلى هاجسِ الشَّكِّ قد جبلتْ طينُها ليس إلّا منَ النَّارِ
لفتْنتها قد أناختْ علينا سرابَ البسوس لتقْتلَ كلَّ جَمَلْ
وتوزِّعَ ريشَ طواويسها ديَّةً للأملْ
لم تزلْ تشعلُ النَّار في شجرٍ وتسمِّي الدُّخانَ
استخارةَ خفْيَ الظِّلال وراءَ الجبلْ
ما ترمَّدَ جمْرُ فتْنتها ألبستْنا الضَّياعَ حِلَلْ
تتوضَّأُ من كيدِها تتعبَّد رابعةً والمحرابُ حيَلْ
إنَّما نظراتُ العيون شحاريرُ عطشى لماءِ القبلْ
539 زائر، ولايوجد أعضاء داخل الموقع