
أحمد العبداللّه
صدّام حسين؛(حصانة البعثي بقدر حصانة عمر بن الخطاب)!!
في حزيران 1982, يقرّر النائب الضابط في الجيش العراقي(هشام النورسي)؛الكردي الأصل والبغدادي النشأة والعراقي الولاء والانتماء, والذي كان يخدم في قاعدة الوليد الجوية في أقصى غرب العراق, يقرّر ترك مهنته التي أحبّها بعد 15 سنة من تطوّعه في سلك العسكرية, والالتحاق بـ(الثورة الكردية), بسبب مضايقات تعرّض لها من قبل الضابط المسؤول الحزبي في القاعدة لإجباره على الانتماء لصفوف حزب البعث العربي الاشتراكي.
ثم قادته الأقدار الربّانية ليقضي عدة أشهر في أقفاص الأسرى العراقيين في طهران, بسبب تهمة لُفّقت له, وهي إنه(جاسوس للاستخبارات العسكرية العراقية). قبل أن يُطلق سراحه ويعود لمسقط رأسه في مدينة السليمانية, ويقدّم استقالته من الفصيل الكردي الذي انتسب له. ثم لينفّذ ما أسرّه في نفسه بالعودة لحضن الوطن, ومهما كانت النتائج التي ستترتب على قراره هذا. وذلك بعد ستة أشهر من(رحلة العذاب), كما يصفها.
وهناك في طهران اطّلع(النورسي)على أمور تشيب لها الرؤوس, وتعبّر عن الخيانة بأبشع أشكالها, واكتشافه إن العديد من الضباط العراقيين من البعثيّين الشيعة(الأسرى)كان لديهم ارتباط سرّي بحزب الدعوة الفارسي. بالرغم إن بعضهم كان مسؤولا حزبيا لوحدته العسكرية قبل أسره, أو الأصحّ(هروبه), ويحملون درجات متقدّمة في حزب البعث!!.
وفي(الأسر)؛أسفر أولئك الأوغاد الحثالة عن وجوههم القبيحة وولائهم لإيران الخمينية, والذي كانوا يخفونه سابقا بـ(التقيّة), ممّا أدّى لانهيار الكثير من الأسرى العراقيّين الوطنيّين وإصابتهم بالصدمة, وهم يرون هؤلاء الخونة, والذين كانوا في العراق من(أزلام النظام)و(يذبحون بالقطنة), ويزايدون على الآخرين. وكانوا يكتبون التقارير ويسعون بالوشايات ضد كل من لا ينتمي لحزب البعث, ويشكّكون في وطنيته, ويتّهمونه بـ(عدم الولاء والإخلاص للقائد صدّام حسين)!!.
وكان الفرس المجوس يعاملون أولئك الخونة المرتدين معاملة خاصة, ويوفّرون لهم الكثير من الامتيازات والمزايا, ويُتيحون لهم الخروج من أقفاص الأسرى متى شاؤوا. بل إن بعضهم تزوّجوا نساءً إيرانيات كُنَّ يعملن في الدعارة سابقا, ثم صرن(توابات)بـ(بركة)ثورة خميني الدجال. وكان جهاز الاستخبارات الإيراني يوظّف هؤلاء المنافقين لجمع المعلومات عن الأسرى الصامدين, والتحقيق معهم وتعذيبهم, ومحاولة إسقاطهم في مستنقع الخيانة الآسن.
***
أما في بغداد.. وفي التاريخ نفسه؛(حزيران 1982),وتلك مفارقة حقًّا, فقد كان(الرفاق)يعقدون مؤتمرهم القطري التاسع, ويقرّرون إن المقياس الوحيد للوطنية هو أن تكون(بعثيًا)!!. بل إن صدّام حسين نفسه وبعظمة لسانه صرّح خلال إحدى جلسات المؤتمر, قائلا؛(إن البعثي لديه حصانة بقدر حصانة عمر بن الخطاب)!!!.
ومع ما في هذا القول من إفتِئات على مقام أمير المؤمنين وفاروق الأمّة عمر بن الخطاب, والذي لا يتقدّم عليه في المنزلة العالية من الصحابة الكرام سوى الخليفة؛أبو بكر الصِدّيق(رضي الله عنهما). ولكن في الوقت نفسه يكشف عن مستوى الأوهام والأحلام والتخيّلات التي كان يعيشها صدّام حسين وقيادات حزبه عن تلك(الحصانة)المزعومة, والتي بان هزالها خلال(الانتفاضة الشغبانية)في آذار 1991, وافتضاح ذلك الهيكل الكارتوني المُسمّى(حزب البعث)على حقيقته, وانهياره في غضون أيام قلائل. بل إن الكثير من البعثيّين الشيعة التحقوا مع الغوغاء, وآخرين منهم صاروا من(جماعة رفحا)!!.
أما بعد احتلال البلاد في 2003, فقد ثبت باليقين وبالوقائع الدامغة؛ إن حزب البعث, ليس أكثر من(ظاهرة صوتية), وإنه(حزب سلطة)زال بزوالها. وغدا بعد سنة 1991,(ملاذًا آمنًا)لكثير من الانتهازيين والمخادعين والمتلوّنين. وتبيّن إنه ليس له تأثير مهم في الميدان, وتشرذم وصار(شذرًا مذرا), وكل فئة تلعن الأخرى. واقتصر نشاطه على بيانات إنشائية مكتوبة بلغة خشبية أكل عليها الدهر وشرب, يُصدرها(الرفاق)المتوارون عن الأنظار في(المناسبات الوطنية والقومية)!!.
والمصيبة الأعظم؛ إن وبال سقوط الحزب المذكور قد وقع وزره الأكبر على السُنّة العرب, حتى على أولئك الذين لا تربطهم به أيّ صلة تنظيمية, بل إن بعضهم كانوا من ضحاياه, فأصبحوا(كالأيتام على مائدة اللئام). وتبقى التهم تلاحق البعثي السُنّي حتى القبر, وربما تمتد الملاحقات لأولاده وأحفاده!!. فالأكراد استوعبوا جماعتهم الذين(تبعّثوا)لأسباب مختلفة, وتعاملوا معهم وفق مبدأ(عفا الله عمّا سلف). وأما البعثيون الشيعة؛ فمعظمهم, حتى لا أُعمّم, خضع لـ(إعادة تدوير)وصاروا من(الموالين)!!, وتم اعتبار فترة بعثيتهم السابقة؛(خدمة جهادية), يستحقون عليها المكافآت والأعطيات!!.
***
في المقطع التالي؛ جزء من شهادة(هشام النورسي), يتبعها مقولة صدّام حسين, والتي هي عنوان هذا المقال..
https://www.youtube.com/shorts/Qxsm0hCdVgc
ولي عودة مستقبلا, إن شاء الله, في مقال آخر أو أكثر, لمذكرات هشام النورسي.. وهي شهادة شخصية مهمة جدا.

1048 زائر، ولايوجد أعضاء داخل الموقع