
الموسيقي والباحث حسين مسلم
2026/6/7
الآخ التي لا تنوّط:عندما مرت (فضيلة) في مخيلة سعدي البياتي
يقال أن (العذاب) هو أحد أسباب كون الإنسان فناناً، ولذلك فلكل فنان عذابه الخاص، فأحياناً يكون العذاب على هيئة (حبيب) أو (فقد) أو (اشتياق)، ونتيجة لهذا التعذيب نتج الكثير من المغنين والشعراء والملحنين والكُتاب، وكانت نتاجاتهم ترجمة حقيقية لما عانوه، فيولد العمل ليحاكي مشاعرهم، وبالحقيقة أنهم محظوظون كونهم استطاعوا أن يفرغوا مابداخلهم، فكيف بالذي لا يستطيع حتى التعبير عما بداخله، وبصدد ذلك يُروى أنه كانت هنالك فتاة تركها حبيبها ولم يعد لها، وخوفاً من معرفة الأهل بتلك العلاقة فكانت لا تستطيع حتى البكاء ، فقالت:
خلالي ونـــــه وراح آ يـــا ولــــيـــفي
مامش عزيز يموت وابچي إعله كيفي .
أي أنها أرادت أن يموت أحد الأعزاء لديها كي تبكي من دون أن يسألها أحد لماذا تبكين.
وفي هذا السياق فإن أكثر الأغاني العراقية مبنية على مواقف ومشاعر حقيقية عاشها صُناع الأغنية، ومن تلك الأغنيات (يمدلولة) التي ترنم بها المطرب سعدي الحلي بحبيبته التي تزوجت في مدينة البصرة، أو أغنية المطرب عبادي العماري (بت جبّار) ولهذه المرأة حكاية وحدها، فهي كانت حلاوية الأصل وسكنت مدينة البصرة فالتقاها العماري صدفة وعشقها.
بالعودة إلى مطربنا الكبير (سعدي البياتي 1943-1996) فأنه أحد أهم مطربي العراق كونه عازفاً على آلة العود ومتمكناً في شتى الوان الغناء العراقي لأنه رافق المطربين عوادًا في حفلاتهم قبل أن يكون مطرباً، فأخذ منهم أصول الغناء وراح يصنع له مجداً خاصاً بهِ.
إبان فترة الستينيات لحن وسجل الملحن الكبير سعيد العجلاوي (1935-2020) أغنية (خلصت ياحبيبي وهاي هيه) والتي سرعان ما تحولت إلى (خصمت ياحبيبي) وانتشرت انتشارًا باهرًا فغناها الكثير من المطربين أمثال سعدي الحلي وسعدي البياتي، ومن ميزة هذه الأغنية أن مذهبها ثابت والكوبليه متكرر ومتغير على شكل أبوذية مما اتاح للمطرب أن يضع الأبوذية التي يحبها أو التي تحاكي مشاعره.
سجل المطرب سعدي البياتي هذه الأغنية عدة مرات، وفي أحدى التسجيلات والتي كانت لحفلة، أخرج البياتي من حنجرته (آآآآآخ) لم يسبق لها مثيل، كانت ممزوجة بالحسرة والأسى.
يقول الشاعر يزيد بن معاوية:
ولا تَقتُلوها إن ظَفَرتُم بقَتلِها
ولكن سَلوها كيفَ حَلَّ لها دَمِي؟!
فجاراه الشاعر حمزة آل ياگوت الفتلاوي بأبوذية مولدة:
روحي بسگم ونياحه سلوهه
احبابي الي يودوهه سلوهه
(سلمى) لو ظفرتوهه سلوهه
بيا مذهب تحل دماي هيه .
وظف البياتي هذه الأبوذية في الأغنية وانشد قائلاً:
روحي بسگم ونياحه سلوهه
احبابي الي يودوهه سلوهه
روحي بسگم ونياحه سلوهه
احبابي الي يودوهه سلوهه
(فلانة) لو ظفرتوهه سلوهه
(آآآآخ) سلوهه .
فمازحه الحضور (هاااا؟)
فأجاب البياتي: اگول؟
أحد الحضور: انته تتحمل العواقب مو اني.
عاد البياتي للغناء
آآآآخ روحي بسگم ونياحه سلوهه
احبابي الي يودوهه سلوهه
روحي بسگم ونياحه سلوهه
احبابي الي يودوهه سلوهه
(فضيلة) لو ظفرتوهه سلوهه
(فضيلة) لو ظفرتوهه سلوهه
بيا مذهب تحل دماي هيه .
هذه العاطفة الكبيرة وعذاب الفراق والاشتياق جعلت من البياتي مطرباً كبيرًا، فكلما مر إسم فتاة في شعر أو أغنية تحضر (فضيلة) في دماغه، فضيلة التي لا أعرف ما هي مشاعرها حينما سمعت البياتي يناجيها، البياتي الذي قاسى الفراق والاشتياق بقيت فضيلة تراوغ دماغه كلما غنى.

916 زائر، ولايوجد أعضاء داخل الموقع