
د. نزار گزالي, أربيل
مدير مركز الاستشارات النفسية والاجتماعية في EPU
الاعلام بين الرسالة والمسؤولية: قراءة نفسية في واقع بعض المنصات الاعلامية الكوردية
يعد الاعلام أحد أهم أدوات بناء الوعي الجمعي وتشكيل القيم والاتجاهات الاجتماعية، ولذلك فان مسؤوليته تتجاوز حدود نقل الأخبار وتحقيق نسب المشاهدة إلى الاسهام في حماية الأمن الفكري والثقافي والأسري للمجتمع. فالإعلام، في جوهره، رسالة تربوية وثقافية قبل أن يكون صناعة تجارية أو وسيلة للترويج وجمع الإعجابات والمشاهدات.
لكن المتابع للمشهد الإعلامي الكوردي يلحظ وجود تحولات مقلقة في أداء بعض المؤسسات الإعلامية، سواء كانت قنوات فضائية تمتلك إمكانات مادية كبيرة أو منصات إعلامية رقمية تنشط عبر شبكة الإنترنت. ففي كثير من الأحيان لم يعد معيار النجاح الإعلامي مرتبطاً بجودة المعلومة أو أثرها التوعوي، بل بقدرتها على إثارة الجدل وجذب الانتباه وتحقيق أعلى معدلات التفاعل.
فعلي سبيل المثال، تنشر بعض القنوات خلال فترات زمنية متقاربة محتوى يركز على قضايا مثيرة للجدل، مثل تعدد الزوجات أو العلاقات الشخصية، ثم تقدم برامج يُفترض أنها توعوية أو طبية، لكنها تتضمن أساليب عرض لا تنسجم مع طبيعة الرسالة الإعلامية الهادفة. إن الإشكالية لا تكمن في موضوع البرنامج بحد ذاته، بل في الطريقة التي يقدم بها، إذ تستخدم أحيانا أساليب بصرية وإخراجية تركز على الاشخاص اكثر من المعلومة، وعلى الإثارة أكثر من القيمة المعرفية، فيتحول المحتوى من أداة للتثقيف إلى وسيلة لاستقطاب الانتباه.
ومن منظور علم النفس الإعلامي، فإن هذه الممارسات ليست مجرد خيارات تحريرية عابرة، بل تدخل ضمن اليات التأثير النفسي التي تستهدف الانتباه والإدراك والذاكرة. فالعقل البشري يميل بطبيعته الى الاستجابة للمثيرات العاطفية والبصرية أكثر من استجابته للمعلومات المجردة. وعندما يعاد تقديم المحتوى وفق هذا النمط بصورة متكررة، يبدأ المتلقي تدريجياً بربط الاعلام بالإثارة والانفعال بدلا من المعرفة والتفكير النقدي.
ومع مرور الوقت تنشأ حالة يمكن وصفها بـ"إدمان الاستثارة الاعلامية"، حيث يفقد الجمهور اهتمامه بالمحتوى الرصين والمتزن، ويصبح أكثر ميلاً إلى متابعة المحتوى الذي يثير الفضول أو الجدل أو الصدمة. وهنا لا يقتصر التأثير على الذوق الإعلامي فحسب، بل يمتد إلى إعادة تشكيل الاولويات والقيم الاجتماعية، بحيث تتحول الشهرة والتفاعل إلى أهداف بحد ذاتها، حتى وإن كانت على حساب الجودة أو المسؤولية.
وتبرز المشكلة بصورة اوضح في بعض منصات (الويب ميديا) التي تعتمد على مراسلين يفتقرون احياناً الى التدريب المهني والأخلاقي اللازم للعمل الإعلامي. ففي العديد من المناسبات العامة والمهرجانات والفعاليات الشعبية، تتحول الكاميرا إلى أداة للبحث عن المواقف المثيرة بدلا من توثيق الحدث أو تحليل أبعاده الاجتماعية والثقافية. وغالبا ما يتم توجيه أسئلة شخصية أو عاطفية لا تمتلك قيمة اخبارية حقيقية، وانما تهدف الى إثارة فضول الجمهور وتحقيق الانتشار الرقمي.
وقد لوحظ في أكثر من مناسبة تركيز بعض المنصات على نساء أو كبار في السن او أفراد من شرائح اجتماعية بسيطة، وتوجيه أسئلة تتعلق بتاريخهم العاطفي او تفاصيل حياتهم الخاصة دون مراعاة للاثار النفسية والاجتماعية المترتبة على ذلك. فالشخص الذي يتحدث أمام الكاميرا بصورة عفوية قد لا يدرك حجم الانتشار الذي سيحققه المقطع لاحقاً، ولا حجم التعليقات والاحكام الاجتماعية التي قد يتعرض لها هو او أفراد أسرته.
ومن الناحية النفسية، فإن هذه الممارسات قد تؤدي الى انتاج ما يعرف بالوصمة الاجتماعية، حيث يتحول الفرد إلى موضوع للتقييم والسخرية أو التصنيف المجتمعي بناءً على تصريح عابر او موقف عفوي. كما ان الضرر لا يصيب الشخص المستهدف وحده، بل يمتد الى محيطه الاسري والاجتماعي، الامر الذي قد ينعكس في صورة ضغوط نفسية او شعور بالاحراج أو تراجع في الشعور بالامان الاجتماعي.
وتشير نظريات التعلم الاجتماعي الى ان الأفراد لا يكتسبون القيم والسلوكيات من خلال التوجيه المباشر فقط، بل من خلال الملاحظة والتكرار. ولذلك فان التعرض المستمر لمحتوى يقوم على استغلال الخصوصية او تقديم الاثارة باعتبارها معياراً للنجاح الإعلامي يؤدي تدريجياً الى تطبيع هذه الممارسات داخل الوعي الجمعي، حتى تصبح أمورا مألوفة بعد أن كانت مرفوضة او مستهجنة.
كما ان استخدام الإيحاءات الجنسية او الالفاظ غير اللائقة في بعض البرامج او الفقرات الإعلامية لا يمكن النظر إليه بوصفه مجرد اسلوب ترفيهي، بل هو جزء من عملية اعادة تشكيل للمعايير الثقافية والاجتماعية عبر التكرار. فالدراسات النفسية تؤكد أن الرسائل الاعلامية المتكررة تسهم في بناء التصورات الذهنية وتوجيه المواقف والسلوكيات، خصوصاً لدى فئة الشباب والمراهقين الذين ما زالت منظومتهم القيمية في طور التشكل.
إن الخطر الحقيقي لا يكمن في برنامج واحد او تقرير منفرد، بل في التراكم البطيء والمستمر لهذه الرسائل. فحين تصبح الإثارة بديلا عن المهنية، والفضول بديلاً عن المعرفة، والمشاهدات بديلا عن المسؤولية، يتحول الإعلام من أداة لبناء المجتمع إلى عامل يساهم في إضعاف مناعته الفكرية والثقافية والنفسية.
ولذلك فإن مفهوم الأمن الفكري لا يقتصر على مواجهة الافكار المتطرفة او الخطابات العنيفة، بل يشمل أيضاً حماية المجتمع من المحتوى الذي يفرغ الوعي من مضمونه ويضعف المعايير الأخلاقية والاجتماعية بصورة تدريجية. فالمجتمعات لا تتعرض للتغيير المفاجئ بقدر ما تتعرض لتغيرات تراكمية تحدث بصمت عبر الرسائل والصور والرموز التي تتكرر يومياً أمام الجمهور.
إن حماية الاسرة الكوردية والتجربة الكوردية تتطلب إعلاماً مهنياً يدرك حجم تأثيره النفسي والاجتماعي، كما تتطلب وجود مواثيق أخلاقية وهيئات مهنية مستقلة تضمن احترام كرامة الإنسان وخصوصيته. فحرية الاعلام لا تعني التحرر من المسؤولية، وحرية التعبير لا تعني تحويل الإنسان إلى مادة للاستهلاك الجماهيري او أداة لتحقيق التفاعل الرقمي.
وفي النهاية، فإن مستقبل أي مجتمع يرتبط بنوعية الخطاب الذي ينتجه ويستهلكه. وكلما ارتفعت مهنية الإعلام ارتفع مستوى الوعي المجتمعي، وكلما تراجعت المسؤولية الإعلامية اتسعت الفجوة بين الرسالة الاعلامية الحقيقية ومتطلبات السوق الرقمي. ومن هذا المنطلق، فان إصلاح الخطاب الاعلامي لم يعد قضية مهنية فحسب، بل اصبح ضرورة نفسية واجتماعية وثقافية وقومية لحماية الاجيال القادمة وتعزيز تماسك المجتمع واستقرار هويته.

907 زائر، ولايوجد أعضاء داخل الموقع