ما هو الأمان؟ ومتى نشعر به؟ وكيف يتسلل إلى أرواحنا؟

سعد عبد المجيد ابراهيم

ما هو الأمان؟ ومتى نشعر به؟ وكيف يتسلل إلى أرواحنا؟

الأمان هو غياب الخوف، وتجلّي السكينة في أبهى صورها؛ هو ذلك الشعور العميق بالطمأنينة والاستقرار الداخلي الذي يتيح للإنسان أن يمارس إنسانيته دون وجل، وأن يمضي في دروب الحياة بمعزل عن هواجس التهديد المستمر. الامان هو حاجة غريزية لا تقل أهمية عن الماء والهواء؛ فالنفس البشرية أرض سبخة لا تزهر في بيئة مضطربة، والأمان هو الأساس الذي تُبنى عليه صروح الاستقرار النفسي والإنساني، والركيزة التي تمنح المرء القدرة على مجابهة عاتيات الأيام دون ارتياب من الغد أو تخوّف ممن حوله.
المظلة الأولى للأمان هو الوطن والوطن يعني الأمان، فهو من يصون كرامة مواطنيه، ولا يتذوق الإنسان طعم الأمان الحقيقي إلا حين يحتضنه وطن يحفظ كرامته ويصون وجوده؛ فالوطن هو المظلة الجامعة التي تهِب المرء هويته وانتماءه. وحين يستشعر المواطن أن حقوقه مكفولة بقوة القانون، وأن أمنه ليس رهناً للمصادفة أو التقلبات، يدرك آنذاك المعنى الأسمى للاستقرار. فالوطن الآمن نعمة لا تدانيها نعمة، بها يطمئن الإنسان على يومه، ويستشرف مستقبله ومستقبل عائلته بثقة ويقين. إن ذروة الأمان الاستراتيجي تتبدى حين تتبدد هواجس القلق على مستقبل الأبناء؛ فعندما يغدو الوطن قادراً على توفير التعليم الذي يبني العقول، ويفتح مسارات واعدة لفرص عمل كريمة تثمر عن غد مستقر، تنزاح عن كاهل الإنسان أثقل الهموم. إن الطمأنينة إلى أن أرض الوطن قادرة على احتضان طموحات الجيل القادم، بما يغنينا عن عناء التفكير والبحث عن أوطان بديلة تؤمن لهم العيش الكريم، هي الضمانة الحقيقية التي تهب الروح سكينة غامرة، وتجعلنا نوقن أن جهودنا وأحلامنا مغروسة في تربة صالحة ومستدامة.
ومن أبهى صور هذا الأمان الوطني، تكافؤ الفرص لجميع أبناء الوطن حتى يتمكن الإنسان من ان يتبوأ المكانة التي تليق بعلمه وخبرته، وأن يرى جهده وتضحياته محل تقدير وإنصاف وبذلك لا ينزع المواطن الشاب الكفوء الى الهجرة وترك البلاد بحثا عن بلد يقدر علمه وكفاءته؛ فالعدالة الاجتماعية هي الترياق الذي يقي النفس غوائل الإحباط وتمنحهم الرضا الداخلي. ومما يتمم هذه النعمة، أن يظل الوطن رحباً قادراً على جمع شمل أبنائه، لا سبباً في منافيهم وتشتتهم في بقاع الأرض؛ فما أقسى الغربة حين تتمزق الأواصر وتفرق بين الآباء والأبناء حتى غدا أبناء العائلة الواحدة يصبحون كالغرباء لا يعرفون بعضهم. إن أسمي معاني الأمان هي أن يجتمع الأحبة في وطن واحد يتشاركون الحياة بحلوها ومرها ويجدون السند والمدد في بعضهم البعض مطمئنين من هواجس الفراق القسري والمستقبل المجهول.
ويتأصل هذا الشعور بالأمان ويتجذر عندما يمن الله علينا بساسة ومسؤولين يتحلون بالنزاهة وبالحكمة والرويّة، ويغلبون صوت العقل والتعقل على نزعات التهور والانفعال؛ ولا يقامرون بمستقبل ابناءنا، فكم من ثروات تبددت ودماء أُريقت نتيجة قرارات طائشة جرّت الويلات والحروب على وطننا وما زلنا نعاني من اثارها حتى اليوم. إن الحكمة في إدارة البلاد هي صمام الأمان الحقيقي لحماية أحلام الأجيال وصيانة أرواحهم في وطن امن.
وإذا كان الوطن هو الحصن الأكبر، فإن العائلة هي الملاذ الأقرب الذي يفيض بدفء لا يعوضه شيء؛ ففي خريف العمر ومراحل الضعف الإنساني، يغدو الأمان متجسداً في وجوه الأبناء وشريك الحياة، وفي رعاية تحف المرء بالمحبة والاهتمام. إن الطمأنينة إلى أن المرء لن يُترك وحيداً في غيابات المرض أو العجز تهب النفس راحة لا توصف؛ فالوحدة في أواخر العمر كسر لا يجبر، وما أشد لوعة العلة حين يكابدها المرء بلا سند يشد أزره أو وعاء حانٍ يحتويه.
إننا نشعر بالأمان في تفاصيل بسيطة لكنها بالغة العمق؛ حين تتوفر لنا مقومات العيش الكريم من مسكن وارف، ودخل يكفي العوز، ورعاية صحية تحفظ هيبة الجسد وكرامته. نشعر به حين نغلق باب بيتنا خلفنا دون ان نخشى طارقاً يروع آمننا. كما يتجلى الأمان في بعده الاجتماعي حين نثق بمن حولنا، فلا نتوجس غدراً من قريب ولا خذلاناً من صديق؛ فالأمان هو حماية الروح من الانكسار، والقلب من الارتياب. وحين تفقد المجتمعات الثقة، تتحول إلى ساحات من الترقب والحذر، يخشى المرء فيها الكلمة ويتوجس من النوايا، فتغيب الألفة وتغيب الطمأنينة.
ويتخذ الأمان صوراً وأبعاداً متداخلة؛ فهناك الأمان الجسدي المعني بحماية البدن وتوفير المأوى والمأكل والرعاية الصحية، وهناك الأمان النفسي والعاطفي وهو الأبعد أثراً، ويتمثل في أن يكون الإنسان مقبولاً في بيئته، قادراً على التعبير عن معتقداته وأفكاره بحرية تامة، دون الحاجة إلى ارتداء أقنعة مزيفة أو التظاهر بغير حقيقته خوفاً من الأحكام القاسية أو السخرية او ربما أكثر من ذلك.
ومع ذلك، يضعنا الواقع أمام مفارقة عجيبة فقد نجد ان البعض يفتقدون الى الأمان رغم توفر كل العناصر السابقة من المال والمنصب ويظل قلقاً مضطرباً، بينما نجد شخصاً بسيطاً يعيش مطمئناً لأنه متصالح مع نفسه، راضٍ بما قسم الله له، ومحاط بمن يحبهم ويحبونه، فالأمان الحقيقي لا يأتي كله من الخارج.

ورغم ما جاد به العصر الحديث من رفاهية مادية وتقنيات مذهلة، إلا أنه أورث الإنسان عزلة موحشة وقلقاً وجودياً؛ ذلك أن التكنولوجيا لا تمنحنا الطمأنينة، وعلينا ان نصنعها نحن بالمحبة، والعدالة، والرحمة، وإدراك الغاية من الوجود.
ويبقى البعد الروحي هو الموئل الأعظم والأبقى؛ فالشعور بالأمان يتفاوت بين البشر: فالطفل يجده في حضن أمه، والفقير في قوت يومه، والمريض في كف حانية ترعاه. أما المؤمن، فأمانه موصول بمدد السماء، يوقن أن الله لن يتركه سدى مهما عصفت به رياح الحياة، وأن خلف كل قدر حكمة تدبره.
الشعور بالأمان هو نتاج تفاعل بين بيئتنا الخارجية وقناعاتنا الداخلية: نحن نشعر بالأمان عندما نكون محاطين بأشخاص نثق بهم، ونعلم يقينًا أنهم سيقفون معنا في أوقات الشدة. العلاقات العميقة والمستقرة هي أكبر مصدات القلق. الأمان يبدأ من الداخل؛ حين يتقبل الإنسان نقاط ضعفه وقوته، ويتحرر من جلد الذات المستمر، ينشأ لديه أمان داخلي لا تهزه العواصف الخارجية بسهولة. العقل البشري يرتاح لما هو واضح ومعلوم ويقلق من المجهول. وجود نظام يومي، وعادات ثابتة، وتواصل مستمر مع الأحباء يعطي العقل إشارة بأن "كل شيء يسير على ما يرام". ولعل أقوى روافد الأمان هو البُعد الروحي؛ الإيمان بأن هناك قوة عليا تدبر الأمر، وأن ما أصابنا لم يكن ليخطئنا، يمنح النفس طمأنينة لا تملكها الماديات.
كذلك فأننا نشعر بأمان كبير عند زوال التهديد أو القلق بعد المرور بأزمة صحية، أو مالية، أو اجتماعية، وتجاوزها بسلام؛ تلك "الأنفاس العميقة" التي نأخذها بعد النجاة هي تجسيد حي للأمان. عندما نملك القدرة على التنبؤ (بحدود معقولة) وحين تكون حياتنا مستقرة، مستندة إلى قيم ثابتة وروتين عائلي أو اجتماعي متماسك، يحمينا من التخبط. في لحظات التواصل الصادق عندما نجد أذنًا صاغية تفهمنا دون أن نضطر لتبرير تصرفاتنا، هنا نشعر بأمان الكلمة والمشاعر.

إذن وباختصار الأمان هو المظلة الإنسانية الشاملة التي نغزل خيوطها معاً بالكلمة الطيبة والوفاء والرحمة، وهو السلام الذي يسكن القلب قبل أن يسكن المكان. وقد اختزل البيان الإلهي هذا المبتغى الإنساني الأسمى في آية محكمة تلخص منتهى السكينة، قال تعالى:
﴿الَّذِينَ آمَنُوا وَتَطْمَئِنُّ قُلُوبُهُم بِذِكْرِ اللَّهِ ۗ أَلَا بِذِكْرِ اللَّهِ تَطْمَئِنُّ الْقُلُوبُ﴾، صدق الله العظيم.

  

إذاعة وتلفزيون‏



الساعة حسب توقيت مدينة بغداد

الأبراج وتفسير الأحلام

المتواجدون حاليا

940 زائر، ولايوجد أعضاء داخل الموقع