الطيران العراقي أمام اختبار أوروبي جديد .. كيف ستُنقل بعثة المنتخب؟

 فارس الجواري

الطيران العراقي أمام اختبار أوروبي جديد.. كيف ستُنقل بعثة المنتخب؟

في وقتٍ يتابع فيه العراقيون باهتمام بالغ استعدادات المنتخب الوطني للاستحقاقات المقبلة وما يرتبط بها من معسكرات ومباريات خارجية، برز الإعلان الرسمي الصادر في موقع وزارة النقل العراقية بشأن نقل وفد المنتخب الوطني إلى إسبانيا بوصفه حدثاً يتجاوز إطاره الرياضي والإعلامي ليفتح مجدداً ملف الحظر الأوروبي المفروض على الخطوط الجوية العراقية منذ أحد عشر سنة مضت ولحد الان وما يرتبط به من تعقيدات تشغيلية وقانونية لا تزال تلقي بظلالها الثقيلة على قطاع الطيران المدني العراقي وتحديدا ناقلنا الوطني شركة الخطوط الجوية العراقية . فالإعلان عن رحلة إلى دولة أوروبية لا يمكن التعامل معه بوصفه مجرد ترتيبات لوجستية تخص بعثة رياضية بل باعتباره اختباراً عملياً جديداً لحدود قدرة الناقل الوطني على التحرك ضمن بيئة تنظيمية أوروبية شديدة التعقيد والحساسية.

الواقع التنظيمي الحالي واضح من الناحية القانونية إذ لا تزال وكالة سلامة الطيران الأوروبية تبقي الخطوط الجوية العراقية ضمن قائمة الحظر الأوروبية وهي القائمة التي تشمل الشركات غير المستوفية لمتطلبات السلامة والرقابة وفق المعايير الأوروبية الخاصة بالمشغلين من الدول الثالثة، وعملياً فإن هذا الحظر يعني عدم السماح للطائرات العراقية المشغّلة بطواقم عراقية وبشهادات تشغيل عراقية بتنفيذ رحلات تجارية داخل أجواء الاتحاد الأوروبي أو الهبوط في مطاراته ما لم تكن هناك استثناءات محددة للغاية تخضع لموافقات خاصة ومقيدة بإطار قانوني صارم.
ومن هنا تحديداً تبدأ علامات الاستفهام فالإعلان الرسمي عن نقل بعثة المنتخب إلى إسبانيا أثار تساؤلات مهنية مشروعة حول الكيفية القانونية والفنية التي ستُنفذ بها الرحلة خصوصاً مع تداول فرضيات تتحدث عن إمكانية اللجوء إلى ما يُعرف بالرحلات الخاصة أو الاستثنائية المصنفة ضمن مخططات الطيران غير التجارية من نوع (Type G) غير أن هذا الطرح رغم انتشاره بين بعض المهتمين بهذا الشأن يصطدم بواقع تشريعي مختلف تماماً عمّا يتم تداوله في النقاشات العامة فالتشريعات الأوروبية المتعلقة بالاستثناءات التشغيلية لا تُمنح بصورة مفتوحة أو مرنة بل ترتبط حصراً بحالات سيادية أو إنسانية أو فنية محددة بدقة ولا تشمل بأي حال الرحلات ذات الطابع الرياضي أو الجماهيري أو الإعلامي حتى وإن كانت مرتبطة بمنتخب وطني يمثل الدولة
بل تشمل هذه الاستثناءات عادة الرحلات الحكومية والدبلوماسية المرتبطة بالمهام السيادية أو العسكرية والتي تخضع لإجراءات تخليص دبلوماسي خاص إضافة إلى رحلات الإخلاء الطبي والإنساني المرتبطة بالكوارث والطوارئ والحالات الحرجة وفق ترتيبات منصوص عليها ضمن لوائح المشغلين الأجانب فضلاً عن رحلات الصيانة الفنية أو ما يعرف بـ “Ferry Flights” وهي الرحلات التي تُنفذ بطائرات خالية تماماً من الركاب ومتجهة إلى مراكز صيانة معتمدة أو لأغراض فنية بحتة أما نقل منتخب وطني أو وفد رياضي فلا يندرج قانونياً ضمن أي من هذه التصنيفات الأمر الذي يجعل فرضية تنفيذ الرحلة بطائرة عراقية وبطاقم عراقي داخل المجال الأوروبي مسألة شديدة الحساسية من ناحية الامتثال التنظيمي.

هذه المعطيات تضع إدارة الناقل الوطني أمام احتمالين عمليين لا يكاد يوجد ثالث لهما. الاحتمال الأول يتمثل باللجوء إلى نظام التأجير الرطب أو ما يُعرف عالمياً بـ “Wet Lease” أي استئجار طائرة أجنبية بطاقمها الكامل وشهاداتها التشغيلية من شركة طيران تمتلك تصريح تشغيل أوروبي نافذ وغير خاضعة لأي قيود تنظيمية داخل الاتحاد الأوروبي ويُعد هذا الخيار الأكثر واقعية من الناحية القانونية لأنه يسمح بتنفيذ الرحلة تحت شهادة المشغل الجوي للشركة المؤجرة وليس تحت شهادة الناقل العراقي المحظور، وهو أسلوب تلجأ إليه شركات عديدة حول العالم عند مواجهة قيود تشغيلية أو نقص في الاعتمادات الدولية كما أن هذا الخيار يوفر غطاءً قانونياً واضحاً ويجنب الجانب العراقي الدخول في أي إشكالات تتعلق بمخالفة لوائح السلامة الأوروبية أو تجاوز تعليمات وكالة السلامة الأوروبية، أما الاحتمال الثاني فيتمثل بالاعتماد على رحلات مجدولة لشركات طيران أجنبية أو إقليمية تملك حق التشغيل داخل أوروبا سواء عبر النقل المباشر أو من خلال رحلات الربط (Transit) مع اقتصار دور الخطوط الجوية العراقية على الجوانب التنسيقية أو البروتوكولية المتعلقة بسفر الوفد ورغم أن هذا الخيار يبدو أقل جاذبية من الناحية الإعلامية لأنه لا يمنح الناقل الوطني حضوراً مباشراً في الرحلة إلا أنه يبقى الأكثر أماناً من زاوية الامتثال القانوني خصوصاً في ظل الحساسية الأوروبية العالية تجاه أي خرق محتمل لقواعد الحظر المفروضة على الشركات المدرجة ضمن القائمة السوداء.
المشكلة الحقيقية هنا لا تتعلق فقط بطريقة نقل بعثة رياضية بل بما يكشفه هذا الملف من استمرار الفجوة بين الخطاب الإعلامي الرسمي وبين التعقيدات التنظيمية الفعلية التي تحكم صناعة النقل الجوي الدولي فملف الحظر الأوروبي على الطيران العراقي لم يعد منذ سنوات مجرد قضية تشغيلية عابرة بل تحول إلى اختبار مستمر لمدى قدرة مؤسسات الطيران المدني العراقية على استعادة ثقة الهيئات الرقابية الدولية سواء على مستوى أنظمة السلامة أو آليات التفتيش والرقابة أو استقلالية الإجراءات الفنية عن الضغوط الإدارية والسياسية كما أن أي محاولة لتقديم الأمر للرأي العام بوصفه “اختراقاً” للحظر الأوروبي من دون توضيح قانوني دقيق قد تخلق انطباعات مضللة لدى الجمهور خصوصاً أن قواعد الطيران المدني الدولي تُبنى أساساً على الامتثال والشفافية وليس على الاجتهادات الإعلامية أو التفسيرات الفضفاضة فوكالات السلامة الأوروبية لا تتعامل مع الرحلات وفق الاعتبارات الرمزية أو الوطنية بل وفق معايير تقنية صارمة تتعلق بهوية المشغل الجوي وشهادة المشغل (AOC) وأنظمة الصيانة، وسجلات السلامة، وكفاءة الرقابة الحكومية، ومدى التزام سلطة الطيران المدني في الدولة المعنية بمعايير منظمة الطيران المدني الدولي.

  

إذاعة وتلفزيون‏



الساعة حسب توقيت مدينة بغداد

الأبراج وتفسير الأحلام

المتواجدون حاليا

725 زائر، ولايوجد أعضاء داخل الموقع