
نزار جاف
عندما تدخل الدکتاتورية مرحلة السقوط
عبد التأريخ، لم تسقط الانظمة الاستبدادية من تلقاء ذاتها أو بمحض الصدفة وإنما کانت هناك دائما أسباب وعوامل ذاتية وموضوعية مهدت لذلك وبصورة خاص الانظمة التي تمادت في غلواء إستبدادها وتجاوز الحدود وصارت مثالا ونموذجا يشار إليه بالبنان.
الانظمة الاستبدادية المبنية على أساس حکم فردي والتي تقوم بمنح مسألة بقائها الاولوية، فإن هذه الاولوية ليست أمرا خارج القوانين والسنن التأريخية وبعيدة عن التأثر والخضوع لها، لذلك فهي وتبعا لإملاءات هذه السنن والقوانين تتغير، وتبدأ القبضة الحديدية المحکمة لها بالتراخي رويدا رويدا حتى لا تجد في النهاية القوة الکافية للإمساك بزمام الامور فتصبح الاوضاع خارج سيطرتها ويتم وفق ذلك تحديد نهايتها بالانهيار أو الاسقاط.
النظام الديني الاستبدادي في إيران والذي يحکم بالحديد والنار منذ 47 عاما، قام إضافة الى إستخدام العامل الديني، بتوظيف جل مقدرات وإمکانيات إيران من أجل ضمان بقائه وعدم سقوطه وهو ما يدل ويثبت عدم ثقته بالعامل الديني کأساس يعتد به لبقاء النظام، ولذلك فقد بادر الى إضافة عوامل أخرى لضمان البقاء، ولعل قمع وترهيب الشعب الايراني والتمادي في إستخدام العنف والقسوة المفرطة وحتى جعل الخط للقوانين مبنية على أساس العقوبات القاسية من إعدامات وأحکام بالسجن المٶبد الى جانب إستخدام أساليب التعذيب الوحشية بحق السجناء وبشکل خاص السياسيين منهم، واحدا من هذه العوامل التي عول عليها النظام کثيرا.
کما لا يمکن تجاهل عامل تدخلاته في بلدان المنطقة وفرض نفوذه وهيمنته عليها من خلال أحزاب وميليشيات عميلة باعت شعوبها وأوطانها بأبخس الاثمان لصالحه، وذلك من أجل إظهار قوته أمام الشعب وإثبات کونه قد أصبح أمرا واقعا ليس على الشعب الايراني وإنما على شعوب المنطقة والعالم أيضا، ولکي يضمن بقائه ويصبح أمرا واقعا بصورة فعلية فقد سعى من أجل إمتلاك السلاح النووي لکن مشکلته إن مسعاه هذا إصطدم برفض دولي وإقليمي واضح ولاسيما بعدما فضع سجل 47 عاما من تصرفاته وأفعاله المشبوهة ماهيته العدوانية الشريرة.
لکن، وعلى الرغم من القمع والترهيب المفرط للشعب والتمادي الى أبعد حد في مواجهته، إلا أن ذلك لم يتمکن أبدا من ضبط بوصلته في إتجاه واحد وعدم تغييره، وهذا ما قد تبين في 5 إنتفاضات شعبية کانت الاخيرة منها في يناير 2026، نموذجا ومثالا نوعيا على إن جدار الخوف والرهبة الذي عمل کل ما بوسعه من أجل جعله منيعا قد سقط وإنهار أمام نضال الشعب الايراني من أجل الحرية والتغيير.
أجواء القمع والترهيب لا يمکن أبدا أن تتمکن من محو إرداة الشعب ومصادرته، إذ قد ينجح في ذلك ولکن لفترة محددة ذلك إن الحرية مزروعة في فطرة الانسان ولن يتخلى عنها إطلاقا ولذلك فقد إنقلب السحر على الساحر، وحتى إن إيغاله في القمع والترهيب ضد الشعب في ظروف الحرب وتماديه في ذلك ولاسيما ضد السجناء السياسيين قد بين وکشف عن خوفه البالغ من الشعب الايراني وقوته المنظمة المتمثلة في منظمة مجاهدي خلق وذلك على أمل أن يحول دون إندلاع الانتفاضة مجددا والتي من المٶکد إنها قادمة لا محال وبهذا الصدد فقد صار واضحا لکل متابع ومتعمق في الشأن الايراني أن هذا النظام قد دخل وبصورة فعلية في مرحلة التآکل حيث يصبح النظام في حالة جمود ولا يتمکن من التقدم خطوة الى الامام وهذا ما قد أکدته زعيمة المعارضة الايرانية، السيدة مريم رجوي عندما قالت أن نظام الکهنوت الدکتاتوري في طهران قد:" وقع في فخ وضع لا يمكنه فيه العودة إلى ما قبل الانتفاضة ومجازر شهر يناير، ولا يمتلك طريقا للمضي قدما"، ولذلك فإن أيامه باتت معدودة ولا محال من ذلك أبدا.

759 زائر، ولايوجد أعضاء داخل الموقع