
اللواء الطيار الركن دكتور
علوان حسون العبوسي
21 / 4 / 2026
ألقوة الجوية: الذكرى الحزينة


يوم غداً الأربعاء 22 نيسان 2026 تمر علينا الذكرى 95 لتأسيس قوتنا الجوية ودفاعنا الجوي ، في هذه الذكرى نقول ، هل نحن نعيش في عراق 1931 – 2003 ، عندما كنا نفتخر بأن لنا قوة جوية كفؤة متطورة تتماشى مع تطور أساليب علم الحرب قادرة على حماية العراق ضد التهديدات المعادية ، أم نحن في المجهول وأصبحت القوة الجوية سلاحاً كمالياً وغير مهم كما يدعي البعض .
لقد أدرك قادة العراق منذ تأسيس الدولة العراقية عند بناء قواته المسلحة أهمية تأسيس قوة جوية كمعين قوي لهذه القوات ،وكانت البشرى السعيدة في بداية طريق هذا السلاح بعد إكمال طياري الدورة الأولى تدريبهم للطيران في إنجلترا ، ثم هبوط رف من طائراتهم ( جبسي موث) في 22 نيسان / أبريل 1931 ، في معسكر الوشاش ، وتشكيل الرف الأول وعُين الملازم الأول الطيار محمد علي جواد آمراً لهذا الرف واتخذ مقره في وزارة الدفاع ، وهكذا بدأ تاريخ سلاحنا الجوي مسيرته المهنية من حيث الإعداد والتطوير ومستواه القتالي والفني.


الدورة الأولى – كلية القوة الجوية العراقية الملكية
في عام 1952 تأسست كلية القوة الجوية الملكية بعد إدراك أهمية هذا السلاح في الدفاع عن العراق تجاه التهديدات المعادية بدعم مطلق من القيادات السياسية المتعاقبة المتفهمة أهمية هذا السلاح ، حتى وصلت أقصاها في عهد الرئيس أحمد حسن البكر ومن بعده عندما تسلم الفريق الأول الركن الطيار عدنان خير الله وزارة الدفاع ، حيث جرى تطويره ليصبح من أقوى القوات الجوية العربية في ميزان القوى العسكرية ، رافق عملية التطوير الاهتمام بمنظومات إعداد الضباط الطيارين والمهندسين والفنيين للمناصب المختلفة في القوة الجوية والدفاع الجوي ، بالإضافة إلى الاختصاصات الأخرى العاملة فيها ، إذ لا يمكن لمنظومة جوية معقدة أن تعمل بكفاءة في غياب التأهيل المهني والعلمي والانضباط الصارم.

الأدوار القتالية لسلاحنا الجوي
شارك سلاحنا الجوي مع باقي قواتنا المسلحة في العديد من الأدوار المهمة جعلته في مقدمة هذه القوات من خلال حركات الأمن الداخلي ومساهماته القومية ضد الكيان الصهيوني ( 1948 ، 1967 ، 1973) والحرب مع إيران (1980 – 1988) ، وحرب احتلال الكويت ، وضد قوات التحالف لحين أفول دوره بعد احتلال العراق في 2003، في كل هذه الأدوار كان هذا السلاح يحظى بقيادات كفؤة وفق التسلسل الهرمي للقيادة طيارين وملاحين وفنيين وإداريين ضباطاً ومراتباً ، يتمتعون بكفاءة وخبرة مهنية عالية استطاعوا منذ التأسيس القيام بواجباتهم الوطنية على أكمل وجه . سأذكر بهذه المناسبة نبذة بسيطة لبعض أدوار قوتنا الجوية .
مساهمة القوة الجوية العراقية في الحرب العربية الإسرائيلية 1948
عندما بدأت مرحلة الحرب المعلنة في أيار/مايو 1948م كان حجم القوات الجوية العربية التي تقرر دفعها إلى فلسطين يقدر بحوالي خمسة أسراب منها سربان ورف من الطائرات المتصدية وطائرات التدريب المجهزة للقتال وطائرات قاصفة وسرب نقل جُهزت طائراته لإلقاء القنابل .
مساهمة السلاح الجوي الملكي العراقي
السرب الأول .المؤلف من طائرات ( الفيوري) المقاتلة القاذفة ، اعتباراً من تشرين الأول /أكتوبر1948 ،أُرسل هذا السرب للدفاع عن الأجواء السورية ، لكون القوة الجوية السورية كانت لاتزال في طور الإنشاء ولم يكن لديها سوى عدد محدود من طائرات التدريب نوع ( تايكر موث) و (هارفرد)، وقد تمركز السرب في مطار المزة بدمشق ، وفي 12 تشرين الثاني/ نوفمبر1948 ،أرسل الرف الثاني من هذا السرب إلى مصر لتعزيز القوة الجوية المصرية ،وفي آب/أغسطس1948شارك رف من السرب بطائرات الأنسن من مطار المفرق في الأردن(1)
السرب الرابع .أسهم السرب الرابع المؤلف من طائرات ( الكلاديتر) برفوف متناوبة من مطار المفرق بالأردن اعتباراً من 20 أيار/ مايو 1948 ولغاية 30 نيسان / أبريل 1949. (2)
السرب السابع. المؤلف من طائرات ( أنسن) القاصفة اعتباراً من 13 أيار /مايو 1948 ولغاية آذار 1949 حيث جرى إيقاف طيران هذه الطائرة عن العمل لعدم صلاحيتها للطيران، شارك العراق في بداية هذه الحرب بخمس عشرة طائرة مقاتلة قاذفة من مطار المفرق بالأردن.
دور القوة الجوية العراقية في إسناد سوريا في أزمة بحيرة الحولة
من الأدوار المهمة لمواقف العراق تجاه قضايا الأمة العربية بعد الحرب العربية الإسرائيلية الأولى 1948 وتلبيةً لطلب الحكومة السورية تحسباً لما قد يحدث من جراء قيام العدو الصهيوني بتجفيف مياه مستنقعات سهل الحولة لاستخدامها لأغراضه الزراعية والسكن وبالتالي تهديد سوريا عسكرياً ،وقد بادرت الحكومة العراقية بالاستجابة الفورية في أيار /مايو 1951 بإرسال معونة عسكرية لنجدة القوات السورية وأرسلت من أيار 1951 ولغاية 4 تشرين الأول 1951 وقوة من مدفعية مقاومة الطائرات ، بعدها أخذ موضوع التجفيف طابعاً دولياً عند إحالته إلى هيئة الأمم المتحدة مما أدى لاستبعاد قيام سوريا بعمل عسكري ضد إسرائيل لذلك تم الإيعاز للقوات العراقية بمغادرة سوريا والعودة إلى العراق في الموعد المشار إليه آنفاً (3).
دور القوة الجوية العراقية في الحرب العربية الإسرائيلية 1967
كان دور القوة الجوية العراقية في هذه الحرب مشرفاً بالرغم من عدم وجود خطة عمليات مشتركة مع القوات الجوية العربية ، ومع ذلك استطاعت هذه القوة تنفيذ العديد من الواجبات في العمق الإسرائيلي من قاعدتي الوليد والحبانية ضد ( تل أبيب ونتانيا وكفر سركين ) وأحدثت بهما خسائر فادحة ، مما أثار حفيظة القوات الجوية الإسرائيلية وقامت طائراتها بشن هجماتها على هاتين القاعدتين محدثة خسائر بعدد من المباني والطائرات والأشخاص وحدثت معارك جوية عنيفة أُسقطت فيها خمس طائرات إسرائيلية من طراز فوتور وميراج/3 وأُسر عدد من طياريها ( يقول النقيب الطيار داوود جدعون الذي أُسقطت طائرته الميراج في سماء قاعدة الوليد الجوية لقد كان النشاط الجوي داخل إسرائيل يتمثل بالقوة الجوية العراقية والأردنية فقط )، أما النقيب الطيار إسحق كولان أحد طياري الفوتور الذي أُسقطت طائرته فوق قاعدة الوليد الجوية يقول لم نجد أشجع وأحسن فناً في القتال الجوي من الطيارين العراقيين والأردنيين (4).
استمرت فعاليات القوة الجوية العراقية بطائراتها( القاصفة Tu16 ، وطائرة الهجوم الأرضي هوكر هنتر ، والمتصدية الميج 21 للفترة من الخامس من حزيران إلى السابع منه 1967 ).
خسائرنا في هذه الحرب
الرائد الطيار حسين محمد حسين، النقيب الطيار فائق علوان ،النقيب الملاح غازي رشيد ،الملازم الأول الملاح صبيح عبد الكريم ،رئيس عرفاء أسلحة مقاتل رشيد اعدامة ، نائب عريف لاسلكي مقاتل غني يحيى ، الملازم الأول الطيار غالب عبد الحميد القيسي.

شهداء الطائرة القاصفة( Tu 16)

شهيد طائرة الهنتر
الملازم الأول الطيار غالب عبد الحميد القيسي

السيد رئيس الجمهورية عبد الرحمن عارف يودع طياري السرب السادس/ هوكر هنتر قبل مغادرتهم إلى قاعدة الوليد الجوية للمساهمة في حرب 5 حزيران 1967
دور القوة الجوية العراقية في حرب 6 تشرين الأول / أكتوبر 1973 .
القوة الجوية العراقية في جمهورية مصر العربية
كان هناك اتفاق مسبق بين الحكومة المصرية والعراقية على استضافة سرب أو سربين من طائرات (هوكر هنتر) في مصر كنوع من التعاون الجوي ما بين الدولتين وهي بادرة جيدة كانت قيادة القوة الجوية العراقية تسعى إليها لكسب الخبرة والتعرف على ظروف الطيران الحربي لكلا البلدين وهذا في حقيقة الأمر أحد أهداف معاهدة الدفاع المشترك والتعاون الاقتصادي لجامعة الدول العربية غير المعمول بها في العمل العربي المشترك . في أوائل آذار (مارس) 1973 زار السيد رئيس جمهورية العراق أحمد حسن البكر ومعه وزير الدفاع حمادي شهاب وآمر قاعدة الحبانية ، السرب السادس المجهز بطائرات ( هوكر هنتر) وأبلغ آمر السرب الرائد الطيار الركن يوسف رسول وطياري السرب قرار الحكومة العراقية إرسالهم مع السرب التاسع والعشرين المجهز بنفس نوع الطائرات إلى جمهورية مصر العربية بناءً لطلب قائد القوة الجوية اللواء الطيار أركان حرب حسني مبارك.
انطلقت طائرات السربين بتشكيلين تباعاً ، يوم الجمعة 6 نيسان / أبريل 1973 باتباع خط الرحلة ( الحبانية – مطار النظائم الثانوي – قاعدة تبوك في السعودية – جزيرة النعمان – عبور البحر الأحمر- ميناء القصير – مطار الأقصر- مطار قويسنا ) ، وهبط الجميع في مطار النظائم الثانوي( غرب العراق) ، وفي اليوم التالي أكملت التشكيلات رحلتها إلى مطار قويسنا في دلتا مصر واستقر السربان فيه حتى عودتها إلى أرض الوطن بعد إيقاف إطلاق النار (5) .
أطلقت مصر على السرب العراقي تسمية (السرب 66) وقد خُصص له ضمن الخطة الجوية الشاملة المصرية العديد من المهام التعرضية والإسناد القريب للأهداف في سيناء ، استمرت لحين إيقاف إطلاق النار وفق القرار الأممي الرقم 338 في 22 أيلول 1973 ،.
كانت حصيلة خسائر السرب 66 العراقي مع العدو الإسرائيلي كما يلي(ثلاثة شهداء هم النقيب الطيار وليد عبد اللطيف السامرائي ، الملازم الأول الطيار سامي فاضل ، الملازم الطيار عامر أحمد القيسي ،ثلاثة طيارين أسرى هم النقيب الطيار عماد أحمد عزت ، الملازم الأول الطيار عبد القادر خضر ، الملازم الأول الطيار دريد عبد القادر، اثنان قذفوا من الطائرة وعادوا للسرب هم الرائد الطيار ناطق محمد علي، الملازم الأول ضياء صالح ) أما خسائر السرب من الطائرات بلغت ثماني طائرات من مجموع عشرين طائرة هنتر.

القوة الجوية العراقية في الجمهورية العربية السورية
عندما بدأ القتال على الجبهة المصرية والسورية في 6 تشرين الأول /أكتوبر 1973 عُبئت القوات العراقية المسلحة بنسبة 100% واتُخذ في مساء نفس اليوم القرار بإسناد الجبهة السورية وعرضت القيادة السياسية العراقية على القيادة السورية استعدادها للمشاركة في القتال . وعلى الفور تم الإيعاز لسربي المتصديات التاسع والحادي عشر ميج/ 21 التحرك صباح يوم 7 تشرين الأول إلى سوريا واشتركت في القتال في نفس اليوم ، كما استكملت الوحدات الجوية العراقية من طائرات الهجوم الأرضي سوخوي/7 والميج 17 ( الأسراب الأول والخامس والثامن ، والسابع ) وطائرات النقل ووسائل الدفاع الجوي انتقالها إلى سوريا في الساعة 1000 يوم 8 تشرين الأول / أكتوبر 1973 وشاركت في القتال يوم 9 منه حتى نهاية الحرب في 22 تشرين الأول / أكتوبر 1973 ،كما شاركت القوات البرية من الفرقة الثالثة والسادسة المدرعة ولواء المشاة الخامس من فرقة المشاة الرابعة ، والفوج الثاني قوات خاصة بالإضافة إلى صنوف الفرق الأخرى كالمغاوير والمدفعية والدفاع الجوي والهندسة العسكرية والصنوف الإدارية والفنية بإجمالي فيلق تقريباً . وكبادرة حسن نية أعاد العراق العلاقات الدبلوماسية مع إيران ودعوتها إلى حل المشاكل القائمة بين البلدين بالطرق السلمية وعن طريق المفاوضات ، وذلك لتأمين الجبهة الشرقية للعراق .
خسائر القوة الجوية العراقية في سوريا . بلغ إجمالي خسائر القوة الجوية العراقية في سوريا فقط عشرة طيارين وأسير واحد و 15 طائرة سوخوي 7 ، وطائرتان ميج 17 و5 طائرات ميج 21 ، كما بلغ عدد الطلعات المنفذة بطائرات الهجوم الأرضي حوالي 200 طلعة وضعف هذا العدد بالنسبة للطائرات المتصدية.
وهكذا أُسدل الستار على دور الجيش العراقي في حرب أكتوبر 1973 الذي أعطى درساً لكل الأعداء أن الوطن العربي وطن واحد مهما حدث من مشاكل بين الإخوة ، وأن العراق يجب أن يبقى عصياً على الأعداء قوياً على مدى العصور ومهما حصل ولكل جواد كبوة ، رحم الله شهداء القوة الجوية العراقية الأبطال في سوريا ( الرائد الطيار نامق سعد الله ، النقيب الطيار كامل سلطان الخفاجي ، الملازم الطيار متعب علي الزوبعي ، الملازم الأول الطيار سلام محمود أيوب ، الملازم الأول الطيار عصام جانكير ، الملازم الأول الطيار رضا جميل ، الملازم الأول الطيار قيس عبد الرحمن ، الملازم الطيار إبراهيم كاظم والملازم الطيار إسماعيل ) وشهداء وجرحى القوات البرية العراقية الأبطال( 323 شهيد وجريح ) الذين أبلوا بلاءً حسناً في هذه المعركة ، كان لنا أسير واحد في سوريا هو الملازم الطيار سعد الأعظمي من السرب الخامس وطيار آخر قذف من السرب السابع وعاد إلى سربه سالماً قبل أسره هو النقيب الطيار حسين علي .كما أسقط كلاً من المقدم الطيار الركن محمد سلمان حمد والنقيب الطيار شهاب أحمد طائرتين إسرائيليتين .

سلاح الجو العراقي في تعزيز الأمن الداخلي
تتلخص مهام القوة الجوية لتأمين الأمن الداخلي وفق العناوين التالية:
* ثورة الثامن من شباط / فبراير 1963.
* حركات التمرد شمال العراق لفترة 1931 – 1975.
سلاح الجو العراقي في الحرب العراقية الإيرانية 1980 -1988
بكل فخر استطاعت قوتنا الجوية وسلاحنا الجوي الصمود والتطور لمدى ثماني سنوات وتحقيق النصر في الحرب مع إيران بقيادة الفريق الطيار الركن محمد جسام الجبوري( منذ بداية الحرب- 1984) والفريق الأول الطيار حميد شعبان خضير منذ 1984 – 1989) . من المهم ذكره عندما ابتدأت الحرب بضربتها الجوية الشاملة في 22 أيلول / سبتمبر 1980 ، كانت معدلات الكفاءة النوعية لقوتنا الجوية ، ( 1 : 0.28 لصالح إيران أي ثلث القوة الجوية والدفاع الجوي الإيراني ) ومع ذلك حققت نصراً ناجزاً أولياً في شل القوة الجوية الإيرانية ومنعها من الرد المباشر مما مكن القوات البرية من استعادة الأراضي العراقية المستولى عليها من قبل إيران. ثم انتهت أعمالها القتالية بعد إيقاف القتال في 8 آب / أغسطس 1988 محققة مئات الآلاف من الطلعات الجوية( جو – جو ، جو– بر ، جو – بحر )، ثم خرجت بمعدلات كفاءة تعادل(1 : 3) لصالح قوتنا الجوية محققة الهدف النهائي للحرب بتدمير الاقتصاد الإيراني وكافة قواته المسلحة، ولم يبقَ لدى إيران أي رد فعل للمواجهة ، وقد وصف السيد رئيس الدولة نتيجة القوة الجوية والدفاع الجوي في هذه الحرب نسبة لباقي القوات المسلحة ، بأنها حققت 50% منها .
وقد بلغت خسائر قوتنا الجوية بهذه الحرب بمعدلات تقريبية من الطيارين والطائرات كما يأتي:
الطيارين حوالي 110 طيار شهيد و61 طيار أسير.
الطائرات بإجمالي 250 طائرة لمختلف الأنواع ( المتصدية والقاصفة والهجوم الأرضي).

التهديدات الإسرائيلية
في 2 نيسان/ أبريل 1990 بدأت التهديدات الإسرائيلية المستمرة للعراق (6) ذات العلاقة بقصف منشآت التصنيع العسكري ، وقد ألقى السيد رئيس الجمهورية خطابه التاريخي الذي أوضح فيه المؤامرات التي تحاك ضد العراق بعد انتصاره في الحرب مع إيران.
بعد 18 آذار/مارس 1990 وعند تصعيد التهديد الإسرائيلي للعراق أصبحت مهمة قيادة القوة الجوية والدفاع الجوي التخطيط لضربة جوية شاملة بكافة الجهد الجوي المتيسر من الطائرات المقاتلة القاذفة والمتصديات (الميراج/ ف1 ، السوخوي/ 24 ،السوخوي/ 22 ) ، لمعالجة أقصى ما يمكن من المدن الكبيرة والمستعمرات ذات الكثافة السكانية العالية بالأسلحة التقليدية وغير التقليدية على أن يكون الرد فورياً وبأسرع وقت (36 ساعة) ويتم الرد مباشرةً دون الرجوع للقيادة العامة للقوات المسلحة ،( هكذا كان أمر السيد رئيس الجمهورية) .
من جراء ذلك أُعد تقدير موقف جوي استراتيجي مع عدد من الخطط التعرضية الدفاعية بأسلوب ضربة جوية شاملة جرى على ضوئها انفتاح للطائرات المقاتلة القاذفة والمتصديات ووسائل الدفاع الجوي على عموم مسرح عمليات القوة الجوية والدفاع الجوي، ولضمان التنفيذ، أجري ثلاثون تمريناً تعبوياً بمشاركة كافة طائرات الضربة الجوية الشاملة باستخدام الأسلحة الحية وبحدود مقاربة للحالة الحقيقية (ومن القواعد المقررة لانطلاق هذه الضربة )ومنه تم ضمان التنفيذ بدرجة عالية من الدقة ، استمرت القوة الجوية في حالة من التحسب والإنذار بانتظار تنفيذ إسرائيل لتهديدها ولكن ذلك لم يتم ، وعليه أُلغيت كافة الإجراءات المتخذة استعداداً لمواجهة التحالف الأمريكي الإسرائيلي على العراق بعد اجتياح العراق للكويت في المراحل اللاحقة .
حرب احتلال الكويت
في حرب الخليج الثانية ( عاصفة الصحراء ) 16 / 17 كانون الثاني – 28 شباط 1991 ،استطاعت قوتنا الجوية ودفاعنا الجوي إسقاط 75 طائرة مقاتلة وسمتية منها 63 طائرة أمريكية ،بالإضافة إلى أعداد أخرى من صواريخ كروز ليبلغ المجموع الكلي 180 طائرة وصاروخ كروز ،وأسر 43 طياراً أمريكياً وملاحاً ، أهداف التحالف كانت أولوياتها تدمير مسارح عمليات قوتنا الجوية ( القواعد الجوية والمطارات الثانوية )، ودفاعنا الجوي المنتشرة في عموم العراق ، بضمنها الطائرات ومواقع الإدامة والتصنيع ، وملاجئ الأشخاص والطائرات ، بعد تيقنها بكفاءة وأهمية هذا السلاح من خلال أدواره الاستراتيجية والتعبوية المشهودة ، مما دعا القيادة العراقية اضطراراً ، لنقل حوالي 137 طائرة مقاتلة وطائرات نقل إلى إيران، بعد الاتفاق معها للحفاظ عليها فترة الحرب . في هذه الفترة كانت خسائر سلاحنا الجوي 43 ضابط طيار و77 ضابط باختصاصات مختلفة وحوالي 243 طائرة مقاتلة و95 متضررة استهدفتها قوات التحالف على الأرض، عشرات من أسلحة الدفاع الجوي المختلفة ، نتج عنه خسائر 50% من قواته (7).أدى ذلك لإلغاء العديد من الأسراب والقواعد الجوية والمطارات الثانوية وبالتالي تقلص حجم القوة الجوية والدفاع الجوي إلى أقل من 50% تقريباً .
بلغت أسلحة الجو العراقية أقصى كفاءتها وقدراتها بعد انتهاء الحرب العراقية الإيرانية وأصبحت موازين قواها العددية والنوعية تضاهي القوى الجوية الإقليمية الكبرى مثل تركيا وإسرائيل وكل دول الخليج العربي ، أما إيران فالفرق شاسع جداً ، وكان هناك عدد من الاتفاقيات مع روسيا وفرنسا لتزويد العراق بطائرات متطورة مثل ميراج 2000 والهوك الفرنسية وطائرات سوخوي 27 وميج 31 الروسية بالإضافة إلى سعي العراق في مشروع صناعة الطائرات ، وكان لهذا التطور أن يرتفع بمستوى القوة الجوية كثيراً ، هذه الأمور لم ترق لأعداء العراق ، ففسروها بأنها ستخل في ميزان القوى بمنطقة الشرق الأوسط ،من هنا بدأ التآمر لجر العراق إلى مسائل سياسية الغرض منها إشغاله عن بناء مقومات أمنه القومي وإعادة إعمار ما خلفته حرب طالت ثماني سنوات مع إيران ، ومع شديد الأسف شاركهم في ذلك قادة دول الخليج العربي وبعض الدول العربية ، وكان فخ الكويت الذي يعتبر بداية النهاية للقوة الجوية والدفاع الجوي العراقي وباقي أسلحة الجو ومن ثم كل قواتنا المسلحة .
الحرب الأمريكية/ البريطانية 2003
القوة الجوية
حسمت الولايات المتحدة الأمريكية أمرها بالهجوم على العراق بعد حصار شامل استمر ثلاثة عشر عاماً دمر وشل كافة القدرات والإمكانيات السياسية والعسكرية والاقتصادية وحتى الاجتماعية ، القوة الجوية هذه القوة العظيمة في تنظيمها وكفاءتها وتراكم خبرتها أصبحت منتهية أُخرجت من الحسابات الاستراتيجية المعول عليها ، رغم متابعتها شخصياً من قبل السيد رئيس الجمهورية بتقارير ربع سنوية ترفع له ، تتضمن الأعداد والصلاحيات والمتبقي من الأعمار التقويمية والزمنية وهي في تناقص مستمر حتى باتت منتهية عملياً في عام 2000 سوى عدد قليل من الطائرات المقاتلة تحاول مديرية الهندسة الجوية تمديد أعمارها بالحدود القصوى المسموح بها وأحياناً تتجاوز عليها حتى باتت هذه القوة كالرجل المريض بمرض عضال لا شفاء منه لعدم توفر أبسط المواد الاحتياطية ، أما الطيارين فالقسم الأعظم منهم أُحيل على التقاعد والباقون كُلفوا بمهام إدارية وهناك نسبة قليلة منتخبة من الطيارين تمارس الطيران بعدد ساعات قليلة للحفاظ على لياقتهم الجوية لاحتمال تكليفهم ببعض المهام الدفاعية على طائرات كان قد احتُفظ بساعات طيرانها لهذا الغرض ، على العموم أصبحت القوة الجوية عملياً خارج العمل القتالي .
القوة الجوية بعد الاحتلال الأمريكي للعراق
بعد النبذة البسيطة العامة عن تاريخ سلاحنا الجوي منذ التأسيس وحتى الأفول بات واضحاً أهداف الولايات المتحدة وبريطانيا وحلفائهم في تدمير قوى الدفاع الوطني العراقي ، ولم يكن حال القوة الجوية أفضل من حال باقي القدرات العسكرية الوطنية ، ففي منتصف أيار/ مايس 2003 نسب الرئيس الأمريكي بوش السفير (بول بريمر) حاكماً مدنياً لسلطة الاحتلال ، الذي أصدر في 23أيار / مايو 2003 الأمر رقم (2) لإدارة التحالف تحت عنوان (حل مؤسسات) والذي شمل وزارة الدفاع وكل الهيئات التابعة أو المرتبطة بها وكل التشكيلات العسكرية بضمنها القوة الجوية والدفاع الجوي .
من هنا بدأ مشروع تدمير العراق من قبل القوات الأمريكية ساندهم بذلك التدخل الإيراني السافر بالشأن العراقي وبات ضباط القوة الجوية مشاريع للملاحقة والقتل بحجة اشتراكهم بالحرب على إيران ، كما أصبحت مسارح سلاحنا الجوي في عموم العراق من القواعد الجوية والمطارات الثانوية وشقق النزول مع مرافقها السكنية ومعداتها الفنية والإدارية وملحقاتها الثمينة عرضة للتدمير والسرقة المبرمجة والمقصودة دون التحسب للاستفادة منها عند إعادة البناء ، بعض هذه المواقع أصبحت ملاذاً للعوائل التي كانت تأمل امتلاكها سكناً لهم بسبب الفوضى وعدم استدراك ما قد يحدث في المستقبل .
المشكلة التي ظهرت كيف يمكن إعادة بناء هذه القوة واختيار العناصر القادرة على التأسيس الجديد دون الاستفادة مما بقي من هذه القوة من الطيارين والفنيين والمراتب والطائرات الموجودة في إيران بالإضافة إلى المواد الفنية ،ولكن واجه مرحلة التأسيس موضوع المحاصصة الطائفية الذي اعتُبر الأساس في الاختيار كنهج اتُبع منذ الاحتلال شمل كل مؤسسات الدولة دون اعتبار لجوانب الكفاءة المهنية والتخصص ، بالمختصر في هذا المبدأ لم يكن اهتمام الحكومات العراقية بعد الاحتلال في استعادة بناء سلاحنا الجوي وعدم إدراك أهميته فنحن اليوم في العام 23 بعد الاحتلال ولن ندرك أو نستشعر أن لنا سلاح جوي قادر بأبسط مهامه لحماية أجوائنا العراقية ، ذكر لي أحد الإخوة الذين عملوا في القوة الجوية الحالية موضوع مؤلم دلالة على ضحالة التفكير والسخرية بأهمية هذا السلاح كما يأتي ..(كان البعض من قادة القوة الجوية المنسَبين بعد الاحتلال جاداً وحريصاً لإعادة بناء القوة الجوية مستفيداً من خبرته السابقة ومساندة الأمريكان له ، لكن وزارة الدفاع وقيادة القوات البرية كان رأيها السائد بعيداً كل البعد عن الواقع والطموح ، في أحد الاجتماعات أحدهم قال علينا بالقوات البرية أما القوة الجوية فتعتبر شيئاً كمالياً !!! ، مما دعاني أن أقول في الاجتماع سيأتي يوم تتمنون الغراب الأسود أن يكون طائرة ،ومع الأسف البعض من ضباط القوة الجوية المنسَبين كانوا بكفاءات متدنية يجاملون لمصالحهم الخاصة على حساب القوة الجوية ) .
في الختام
أن إعادة بناء وتأهيل القوة الجوية لا يمكن أن يكون في اقتناء طائرات حديثة أو عقد صفقات تسليح، بل هي عملية مركبة تتطلب إعادة تأسيس شاملة لمنظومة عسكرية معقدة تقوم على عدد من المرتكزات منها الكفاءة والعقيدة القتالية التي ستتبعها هذه القوة ضمن المنظومة السياسية للدولة، ثم المواطنة . وقد أثبتت التجربة أن أي خلل في هذه الركائز، سواء نتيجة قرارات غير مدروسة أو تأثيرات خارج الإطار المهني، يؤدي بالضرورة إلى إضعاف هذا السلاح وتحجيم دوره الحيوي.
إن المعالجة الحقيقية لهذا الواقع في إعادة البناء يجب أن يكون بعيداً عن موضوع المحاصصة الطائفية الذي أُشيع هذا المبدأ بعد الاحتلال لتدمير وشق اللحمة الوطنية وإنما الارتكاز على الكفاءة والمواطنة الحقيقية وتبنّي رؤية استراتيجية واضحة من خلال نظام تأهيل وتدريب متدرج ومتقدم، وترسيخ معايير مهنية صارمة في القيادة والإدارة، بما يضمن استقلال القرار العسكري وفاعليته.
كما القوة الجوية تمثل أحد أهم أعمدة السيادة الوطنية، وأي تفريط بفاعليتها ينعكس مباشرة على قدرة الدولة في حماية مجالها الحيوي، عليه فإن المستقبل يفرض خياراً واضحاً في إعادة تأسيس حقيقية تقوم على أسس علمية ومهنية راسخة، تعيد لهذا السلاح مكانته الطبيعية، فالقوة الجوية سلاح ذو حدين، فهو سلاح استراتيجي حاسم عندما يُدار بعقيدة قتالية رصينة ومهنية ، لكنه قد يتحول إلى عبء استراتيجي خطير إذا أُسيء استخدامه أو غُيبت ركائزه الفنية والبشرية.
رحم الله شهداء سلاحنا الجوي الأبطال من الضباط الطيارين والملاحين والمقاتلين العاملين في الطائرات القاصفة، والضباط المهندسين والفنيين، والمراتب من كافة الاختصاصات المهنية في عليين بجنات النعيم وإنا لله وإنا إليه راجعون.
المراجع
1.) ).تاريخ القوات العراقية المسلحة:الجزء17 ص120 .
2.). تاريخ القوات العراقية المسلحة: الجزء 17 :ص142.
3.). لواء طيار ركن دكتور علوان حسون العبوسي : الجيش العراقي مواقف ومبادئ (دراسة):بغداد 2005 :ص4-5 :من تاريخ القوات العراقية المسلحة :الجزء الثالث:ص250: والجزء السابع عشر :ص 165 .
4.). لواء طيار ركن دكتور علوان حسون العبوسي: الجيش العراقي مواقف ومبادئ : مصدر سابق :ص6 من شعبة التاريخ العسكري في وزارة الدفاع خلال مقابلة شخصية مع العميد الطيار صادق العزاوي في عام 1982.
5.) اللواء الطيار الركن سالم أحمد ناجي ، أحد منتسبي السرب 66 العراقي في مصر: ( دور القوة الجوية العراقية المشاركة من مصر في حرب تشرين الأول ( أكتوبر) 1973) : لقاء شخصي مع موقع 73 مؤرخين عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته.: القاهرة 2010: .
6.). وجاء خطاب الرئيس العراقي بعد ساعات من إعلان (رفائيل إيتان)رئيس الأركان الإسرائيلي السابق أن إسرائيل قد تشن هجوماً جديداً على المنشآت الاستراتيجية العراقية لمنعه من امتلاك أسلحة نووية : من موقع جمهورية العراق :موسوعة ويكيبيديا : الصحف.
7.). عرض موجز للأعمال التي قامت بها القوة الجوية والدفاع الجوي للفترة ما قبل 2 آب 1990 وفي أم المعارك وحتى القضاء على أحداث الشغب مرفوع للسيد رئيس الجمهورية : سري للغاية وشخصي.

764 زائر، ولايوجد أعضاء داخل الموقع