في الزهد والحب تولد الطمأنينة

ذكرى البياتي

في الزهد والحب تولد الطمأنينة

في هدوء الروح، حين تخفّ ضوضاء الدنيا، يبدأ القلب رحلته الخفيّة نحو الله… رحلة لا تُرى، لكنها تُحَسّ بكل تفاصيلها. هناك، حيث لا مال يُغني، ولا جاهٌ يُبقي، ولا وجوه تدوم، يبقى وجهه الكريم وحده، النور الذي لا يخبو.
الزهد ليس أن نترك الدنيا بأيدينا، بل أن نُخرجها من قلوبنا، أن نمرّ عليها مرور العابرين، نأخذ منها ما يكفينا، ونترك ما يُثقِل أرواحنا. هو أن نرضى بالقليل، وأن نجد الغنى في سجدةٍ خاشعة، لا في كثرةٍ زائلة.
فالركض خلف الدنيا يُشتّت القلب، ويُطيل الهمّ، ويُثقِل الروح، بينما الزهد يعيدها إلى سكونها الأول… إلى طمأنينتها.
أما الحبّ لله، فهو ذاك الشعور الذي لا يُشبه شيئًا؛ أن تشتاق إليه وأنت بين الناس، أن يحيَا قلبك كلما ذكرته، وأن تبكي في خلواتك لا حزنًا، بل شوقًا.
وهنا، في هذا السرّ الجميل، يلتقي الزهد بالحب، كأنهما جناحان لقلبٍ واحد؛ فالزهد يُفرغ القلب من ثقل الدنيا، والحبّ يملؤه نورًا، ومن بين هذا الفراغ والامتلاء تولد الطمأنينة.
ليس الزهد حرمانًا، بل اختيار نابع من حبّ أعظم؛ فمن أحبّ الله استصغر ما سواه، ومن ذاق قربه لم تعد الدنيا تُغريه، بل تمرّ عليه كغيمةٍ عابرة.
تصبح الأشياء بين يديه لا في قلبه، يأخذ منها بقدر الحاجة، ويتركها دون حسرة، كأنه يقول لها: لستِ موطني… موطني هناك.
يا رب، علّم قلوبنا أن تحبك حبًا يجعل الزهد طريقًا لا مشقّة، وأن نترك لأجلك، لا هروبًا من الحياة، بل شوقًا إليك. إن قلّ زادنا، فاجعل حبّك زادنا، وإن ضاقت بنا الدنيا، فاجعل قربك وطننا، وإن تعبنا، فخذ بأيدينا إليك، حيث لا وجع ولا فقد ولا انكسار.
فهنيئًا لقلبٍ زهد في الفاني، وتعلّق بالباقي… وهنيئًا لمن أحبّ الله، فصار كل شيءٍ بعده صغيرًا.

  

إذاعة وتلفزيون‏



الساعة حسب توقيت مدينة بغداد

الطرب الأصيل

الأبراج وتفسير الأحلام

المتواجدون حاليا

776 زائر، ولايوجد أعضاء داخل الموقع