
الأستاذ الدكتور باسل يونس ذنون الخياط
أستاذ مُتمرِّس/ جامعة الموصل

جامع النبي يونس يعود لأحضان الموصل - الجزء الأول
بعون من الله تعالى وتوفيقه، وبعد جهود طيبة ومباركة لجمعية (فعل الخيرات) ورئيسها الدكتور سعدالله توفيق سليمان والعاملين معه وعدد من المحسنين من أبناء محافظة نينوى الغيارى، تم إعادة إعمار وتأهيل مَعلم ديني وتاريخي بارز في الموصل، هو جامع النبي يونس عليه السلام.
ففي يوم الجمعة الماضي الموافق 3 / نيسان / 2026 تم افتتاح جامع النبي يونس عليه السلام، من قبل السيد محافظ نينوى وجمع غفير من المصلين والمدعوين قلَّ نظيره، علما أن هذا الجامع كان قد تم تفجيره سنة 2014 قبل 11 سنة خلال فترة سقوط الموصل 2014-2017.
لقد كشف التفجير عن أطلال قصرٍ آشوريّ تعود إلى القرن السادس قبل الميلاد، بحسب آثاريّين من جامعة هايدلبرج الألمانيّة تولّوا التنقيب في الموقع بعد التحرير. وأشاروا إلى أنّ موقع القبر يقع مباشرةً فوق غرفة العرش، فضلًا عن اكتشاف كنوزٍ أثريّة نادرة، من ضمنها نصوصٌ تذكر الملك أسرحدون.
وقد ضجّت وكالات أنباء محلّية وعربيّة بنبأ (اكتشاف أكبر ثور مجنّح في تاريخ الدولة الآشوريّة) داخل القاعة الملكيّة لقصر الملك أسرحدون، ليتبيّن لاحقًا أنّ حجم الثور المُكتَشَف لا يختلف عن سابقيه، بيد أنّه يتميّز بطريقة تنفيذه الفنّي كونه منحوتًا من قطعٍ متعدّدة رُكِّبت مع بعضها بعضًا لتشكّل قطعة واحدة.
لقد كان إعادة إفتاح جامع النبي يونس عيدا كبيرا للجميع بعد غياب تجاوز العقد، وقد فاضت قريحة الشعراء بالعديد من القصائد الفياضة بهذه المناسبة السعيدة.
وقد صاغ الدكتور عبد الوهاب العدواني بنفحاتٍ إيمانية في جداريةٍ رخامية، لتكون شاهداً للأجيال على أن الموصل التي أورقت بالصبر، تزهر اليوم بالحمدِ والثناء، فكتب الأبيات التالية على جدارية الجامع:
يا رب سـبح يـونسٌ في وقـتهِ ... واليوم نذكر حـالهُ ونـسـبحُ
فافتح لنا أبواب خيرك كُلهِ ... أنتَ الكريم ومن سواك سيفتحُ
https://www.youtube.com/watch?v=CxN67xNbDEg
يقع جامع النبي يونس عليه السلام على (تل التوبة) في الساحل الأيسر من مدينة الموصل، بجوار سور مدينة نينوى الآثارية. ويقال أن سبب تسمية هذا التل أن النبي يونس (ع) عندما ذهب مُغاضبا ورأى أهل نينوى علامات العقاب والعذاب قد ظهرت، تابوا إلى الله تعالى ووقفوا على هذا التل يتذرعون إلى الله تعالى ويطلبون عفوه ورحمته.
كما تعوّد أهل الموصل القُدامى الصعود على هذا التل والدعاء لقضاء الحاجة. وأذكر قصة سمعتها من المرحومة جدتي، حيث رُزقت بعدة أطفال وكانوا يموتون في أشهُرهم الأولى، وعندما ولد والدي أخذته أمه إلى تل التوبة ووقفت هناك ونادت: " يا يونس بن متى.. جيتك ومعي هذا الوليد وسميّته يونس على اسمك عسى الله أن يحفظه لي ويوفقه في حياته". وفعلا هكذا كان وعاش الوالد 82 سنة مُخلّفا ذرية طيبة مباركة ولله الحمد.

تذكر بعض المصادر أنه قبل جامع النبيّ يونس كان هناك كان ديرًا عامرًا معروفًا باسم (دير يونان)، لكنّ باحثين يعتقدون أنّ يونان صاحب الدير ليس (النبيّ يونان أو يونس) بل هو راهب عاش في أواخر القرن الرابع للميلاد وفيه قبر البطريرك القدّيس حنا نيشوع الأوّل المعروف بـ( حنا نيشوع الأعرج) (685700– م) والذي اكتُشف جثمانه سليمًا في قبره في منتصف القرن الرابع عشر الميلادي.
تذكر الباحثة د. وسن محيميد إلى أنّ يهود الموصل اعتادوا في الماضي زيارة الموقع خلال أيّام (عيد المظال) السبعة (عيد العُشّات)، لأنّ التقاليد اليهوديّة تقول إنّ النبيّ يونس توفّي في عيد المظال، لذلك عمل اليهود في هذا العيد مظلّة يجلسون تحتها.
كما أتذكر في القرن الماضي كان الحجاج الأتراك ينزلون ويزورون جامع النبي يونس قبل الحج وبعده، كذلك كان يفعل باقي الحجاج من الموصل وشمال العراق.
يُرجح العلماء أن أصل النبي يونس (ع) ينحدر لجده التاسع النبي إسحاق ابن النبي إبراهيم (ع)، الذي عاش في أرض كنعان، وهي فلسطين ولبنان وأجزاء من الأردن وسوريا حاليا.
وقيل أن يونس (ع) كان من اليهود الذين جيء بهم أسرى إلى بابل في السبي البابلي سنة 586ق.م؛ أي: قبل وجود النبي يونس لعشرين سنة تقريبًا.
لقد عاش يونس (ع) في عصر تلا النبي موسى (ع)، وسبق عصر النبي عيسى (ع)، وقيل أن الفترة التقريبية لعصر يونس(ع) هي سنة 565 قبل ميلاد السيد المسيح (ع)، ولعله عاصر الملك البابلي نبوخذ نصر الذي حكم للفترة 605-562 ق. م.
يحظى النبي يونس (ع) بقدسية لدى الديانات الرئيسية الثلاث: اليهودية والمسيحية والإسلام، ويرد ذكره في الكتاب المقدس باسم (يونان)، وهو مذكور في (سفر يونان)، حيث يصف الربُّ نينوى بالمدينة العظيمة ويدعو نبيَّه لينطلق إليها ويحضّ أهلها على التوبة.
وذُكر اسم نبي الله يونس (ع) صراحة في القرآن الكريم 4 مرات، كما يوجد سورة في القرآن الكريم هي، سُورَةُ يُونُسَ، وهي السورة السابعة من السبع الطوال، وترتيبها في المصحف العاشرة، وذُكر فيها قصص الأنبياء ومنها قصة قوم يونس حيث كشف الله عنهم العذاب بإيمانهم، وسُميت السورة باسمه.
(يونس) و (نينوى):
لقد ارتبط اسم (يونس) باسم (نينوى) في قصة هجرة النبي الأكرم (ﷺ) إلى الطائف. فلما توفي عم النبي أبو طالب، نالت قريش من رسول الله (ﷺ) ما لم تكن تنال منه في حياته، فخرج إلى الطائف يلتمس النصرة من ثقيف والمنعة بهم من قومه، ورجاء أن يقبلوا منه ما جاءهم به من الله تعالى.
لم يلقى النبي الكريم أذنا صاغية له ولدعوته، بل بالعكس أغروا به سفاءهم وعبيدهم يسبونه ويصيحون به، حتى اجتمع عليه الناس ورموه بالحجارة حتى أدموا رجليه.
ثم خلص منهم ورجلاه تسيلان دمًا، فعمد إلى حائط من حوائطهم، فاستظل في ظل وهو مكروب موجع. وإذا في الحائط عتبة وشيبة ابنا ربيعة، فلما رآهما كره مكانهما لما يعلم من عداوتهما لله ورسوله.
فلما رآه ابنا ربيعة وما لقي تحركت له رحمهما، فدعوا غلامًا لهما نصرانًياّ يقال له (عدّاس)، فقالا له: خذ قطفًا من هذا العنب فضعه في هذا الطبق، ثم اذهب به إلى ذلك الرجل فقل له يأكل منه، ففعل عدّاس.
أقبل عدّاس بالطبق وضعه بين يدي رسول الله (ﷺ) ثم قال له: كل، فلما وضع رسول الله (ﷺ) يده قال (بسم الله) ثم أكل.
استغراب عدّاس ونظر في وجهه (ﷺ)، ثم قال: والله إن هذا لكلام ما يقوله أهل هذه البلاد. فقال له رسول الله (ﷺ): "ومن أي البلاد أنت يا عدّاس، وما دينك"؟ قال عدّاس: نصراني، وأنا من أهل نينوى. فقال له رسول الله (ﷺ): من أهل قرية الرجل الصالح يونس بن متى. قال له عدّاس: وما يدريك ما يونس بن متى؟! قال رسول اللهّٰ (ﷺ): ذاك أخي كان نبيًاّ، وأنا نبي. فأكب عدّاس على رسول الله (ﷺ) يُقبل رأسه ويديه وقدميه.
وللحديث بقية إن شاء الله تعالى.

822 زائر، ولايوجد أعضاء داخل الموقع