بغداد ... بوجهها المنقب (٣-٤)

د.سعد العبيدي

بغداد ... بوجهها المنقب (٣-٤)

لبغداد وجوهٌ شتّى، يقبع بعضها خلف نقابٍ مخمليّ. شوارعُ أرهقها الزمن، تتناثر فيها حفرٌ لم تُردم، وأرصفةٌ اكتمل بعضها، فيما بقي بعضها الآخر معلّقًا بين وعدٍ وتأجيل، كأنها تنتظر مواسمَ انتخابٍ أخرى تُفتح فيها الخزائنُ الخفيّة، ويُعاد تشكيلُ الوعي باستدعاء الهواجس وإيقاظ الفتن. ولها أزقّةٌ يبدو الماضي فيها أكثر حضورًا، كأن الزمن ترك الأجمل وراءه ومضى.
غير أنّ ما يُدار في العمق لا يلبث أن ينعكس على السطح؛ فبمجرد الخروج إلى الشارع، يتبدّى الأثر في الإيقاع اليومي للمدينة. قريبًا من ساعات الذروة ونهاية الدوام يحلّ الزحام؛ زحامٌ لا يشبه مجرد تباطؤٍ عابر: سياراتٌ مصطفّة تبدو عالقةٌ في زمنٍ متوقّف، وتكاتك تتسلّل بين الفراغات، وأبواقٌ تتعالى بلا انقطاع. وجوهٌ متعبة تراقب الطريق بقلقٍ صامت، وسيرٌ لا يتمّ إلا على مهلٍ شاق، كأن المدينة تختبر صبر سالكيها عند كلّ منعطف. هناك في ذلك الاختناق شوهدت صبيةٌ بين الصفوف تمضي بخطواتٍ متردّدة، تمدّ يدًا خجلى، تطرق على النوافذ الموصدة. في ملامحها استسلامٌ صامتٌ فرضته الضرورة؛ عينان واسعتان تحملان بقايا حيرةٍ أكثر من رجاء، وثوبٌ باهتٌ يشهد على تعبٍ أطول من عمرها. تتحرّك بين السيارات كما لو أنها جزءٌ من المشهد اليومي، حضورٌ مألوف في مدينةٍ اعتادت أن ترى الفقر عابرًا بين إشارات المرور.
في هذه الساحة، وعلى امتداد شارع الجمهورية إلى الشورجة وما بعدها، بدا الزمن نفسه متثاقلًا، والدقائق تمتدّ على نحوٍ يرهق الإحساس، كما لو أن المدينة عالقةٌ في لحظةٍ لا تمضي سريعًا ولا تتراجع. ومع تراكم الصخب والتوتر، يتسلّل شعورٌ خفيّ بأن الفوضى في الشوارع تمتدّ ظلًا ثقيلًا إلى ما وراء هذا المشهد المتكرّر.
وفي ذلك البطء القسريّ، حين يُتاح للعين أن تتأمّل ما حولها، تتجاور المحالّ والوجوه العابرة والبسطيات إلى جوار المطاعم والكافيهات. تلوح معالمُ الثراء على نحوٍ لافت، يقابلها عوزٌ ثقيل يتجسّد في وجه طفلٍ حافي القدمين يدفع عربةً خشبية أكبر من قامته. يداه الصغيرتان تمسكان بالمقبض أو تمسكان بتلابيب اليوم كلَّه، وعيناه، اللتان كان يُفترض أن تنشغلا باللعب، تحملان جدّيةً مبكرة لا تليق بسنّه. لم يكن يدفع عربةً فحسب، بل يدفع زمنًا أثقل من عمره؛ عبءَ بيتٍ ينتظر ما يعود به، وأسرةً تتعلّق بخطواته المتعثّرة بين السيارات. ووسط هذا التباين المتجلّي في تفاصيل الحياة اليومية، تبدو مظاهرُ التديّن حاضرةً في عدد الجوامع وفخامتها، يقابلها ما يشي بتبدّلاتٍ واضحة في القيم والسلوك؛ تُمنع الخمور في العلن، وتُفتح منافذها في الخفاء، لتحرسها وجوهٌ ترفع شعارات التقوى، وإلى جانبها بيوتٌ تُدار للسمسرة وعقد الصفقات. تناقض صار جزءًا من الإيقاع العام، وكأن المدينة تمضي في جدلٍ صامت بين ما يُقال وما يُمارَس، بين الشعائر والسلوك، وبين الخطاب والواقع.
ويظلّ هذا التباين، بما يخلّفه من ضغطٍ خفيّ، حاضرًا في تفاصيل الحياة اليومية، يتسرّب إلى أحاديث المقاهي ونبرة المجالس. فما إن يجتمع الناس حتى ينزلق الكلام إلى شؤون البلاد؛ عدمُ رضا عن إدارةٍ مُرهِقة، ويأسٌ يتنامى من إمكان الإصلاح، وتعلّقٌ متردّد بأوهام تغييرٍ لا يُوثق به. ويتداخل ذلك مع ترقّبٍ قلقٍ لتطوّرات الحرب مع إيران، بين من يراها خلاصًا متوهّمًا، ومن يخشاها بابًا لمجهولٍ أثقل. وفي هذا الانقسام، يبدو المستقبل فضاءً مضطربًا، تحكمه الهواجس بقدر ما تحكمه الوقائع، فيما يقف المواطن حائرًا: يؤيّد اليوم ما ينتقده غدًا، وينتخب بلا يقين، كأن الوطن نفسه يتخبّط بين تحوّلاتٍ نفسية لم تستقرّ بعد، من استبداد الفرد إلى استبداد الطائفة، ومن ظلم القرابة الى ظلم المصالح...هكذا تمضي المدينة، أو وجهها المنقب، مثقلةً بشيءٍ غير مرئيّ لكنه محسوسٌ في الوجوه والنبرات، حتى غدت الطمأنينة مطلبًا مؤجّلًا.

 

  

إذاعة وتلفزيون‏



الساعة حسب توقيت مدينة بغداد

أفلام من الذاكرة

الطرب الأصيل

الأبراج وتفسير الأحلام

المتواجدون حاليا

609 زائر، ولايوجد أعضاء داخل الموقع