
بقلم ( ذو النورين ناصري زاده)
حين يفرح المظلوم: سنّة الغلبة وانكسار الطغيان بين التاريخ والحاضر.
من تجليات قوله تعالى: ﴿غُلِبَتِ الرُّومُ * فِي أَدْنَى الْأَرْضِ * وَهُم مِّن بَعْدِ غَلَبِهِمْ سَيَغْلِبُونَ * وَيَوْمَئِذٍ يَفْرَحُ الْمُؤْمِنُونَ﴾، تتجلّى إحدى السنن الكبرى التي تحكم حركة التاريخ: أن الغلبة ليست حالة أبدية، وأن موازين القوة لا تستقر على حال، وأن الفرح – حين يقع – لا يكون دائمًا وليد التشفي، بل قد يكون تنفيسًا أخيرًا عن قهرٍ طويل، وكشفًا نفسيًا عن جراحٍ ظلّت صامتة تحت ركام الخوف.
لقد استعاد كثير من العراقيين، وهم يتابعون تداعيات الهزيمة والانكسار التي لحقت بإيران جرّاء ضربها من قبل حلف تقوده الولايات المتحدة، هذا المعنى القرآني العميق؛ ليس بوصفه إسقاطًا حرفيًا على واقعة سياسية معاصرة، بل بوصفه رمزًا متجددًا لفكرة العدالة التاريخية المؤجلة. فالفرح الذي شاع في وجدان شرائح واسعة من المجتمع العراقي لم يكن احتفالًا بالقوة المجردة، ولا انحيازًا أخلاقيًا للضربة ذاتها، بقدر ما كان تعبيرًا صارخًا – ومكتومًا في آن – عن سنوات من القهر والظلم والتدخل السافر الذي مارسه نظام إيران على العراق، أرضًا وإنسانًا وسيادة.
إن هذا الفرح، على تناقضه الظاهري مع خطاب الأخلاق السياسية، يحمل في داخله بنية نفسية واجتماعية معقّدة. فهو ليس فرح المنتصر، بل فرح المظلوم حين يرى جلّاده يتعثّر، ولو لمرّة. هو انفعال جمعي ناتج عن تراكم طويل من الإذلال، من اغتيال القرار الوطني، ومن تحويل الجغرافيا العراقية إلى ساحة تصفية حسابات إقليمية، ومن استباحة الدم والذاكرة والهوية باسم شعارات لم تكن يومًا سوى غطاء أيديولوجي للهيمنة.
ومن هنا، لا يمكن قراءة هذا التحول في المزاج العام العراقي قراءة سطحية أو أخلاقوية معزولة عن سياقها التاريخي. فالشعوب التي ذاقت طعم الظلم طويلًا، لا تُطالَب بأن تحزن على اهتزاز صورة من ظلمها، ولا أن تتقمّص فجأة حيادًا باردًا يتجاهل الذاكرة الجمعية. إن ما حدث هو لحظة كاشفة، لحظة انكسر فيها حاجز الصمت، وطفا إلى السطح وعيٌ شعبيٌّ يقول: إن القوة التي بدت مطلقة ليست كذلك، وإن اليد التي بطشت بلا حساب يمكن أن تُكسر، وإن التاريخ – مهما بدا منحازًا – لا يُقفل صفحاته على ظلمٍ بلا نهاية.
سياسيًا، تشير هذه اللحظة إلى تحوّل أعمق في إدراك الشعوب لطبيعة الصراعات في المنطقة. فالعراقي الذي فرح لم يكن يراهن على مشروع أمريكي، ولا يعقد آماله على تحالفات كبرى، بل كان يعبّر عن رفضٍ داخليٍّ لواقعٍ فُرض عليه بالقوة، وعن توقٍ دفين لاستعادة الكرامة والقرار. وهنا تتلاقى السياسة مع الأخلاق، لا في تبرير العنف، بل في فهم جذوره: فالظلم حين يطول، يُنتج لحظات انفجار وجداني لا تخضع دائمًا لمنطق النخب ولا لخطابات التوازن.
أما الدرس الأعمق، فهو ما تقوله الآية نفسها عبر التاريخ: إن للغلبة زمنًا، وللهزيمة زمنًا، وإن الظلم – مهما امتد – يحمل في داخله بذور فنائه. قد يتأخر الحساب، وقد يبدو الجلاد في أوج سطوته، لكن يومًا ما تتبدّل المعادلات، لا انتقامًا أعمى، بل ثأرًا معنويًا للمظلومين، وردًّا اعتبارياً للكرامة الإنسانية.
وهكذا، فإن فرح العراقيين، بكل ما فيه من مرارة وتناقض، ليس خروجًا عن القيم، بل شهادة حيّة على أن الظلم لا يُنسى، وأن الشعوب – وإن صبرت – لا تُسقِط حقها في انتظار اليوم الذي ينكسر فيه القهر، ولو لبرهة. ذلك اليوم ليس نهاية الصراع، لكنه علامة فارقة تقول: إن التاريخ لا يخذل المظلوم إلى الأبد، وإن للظلم يومًا… ينتهي.
ولعلّ ما يبرز ويبعث هذه الحالة الان ويمنحها معناها الأعمق، هو العودة إلى سياق الآية نفسها التي استُحضرت في الوجدان الجمعي: ﴿غُلِبَتِ الرُّومُ * فِي أَدْنَى الْأَرْضِ * وَهُم مِّن بَعْدِ غَلَبِهِمْ سَيَغْلِبُونَ * وَيَوْمَئِذٍ يَفْرَحُ الْمُؤْمِنُونَ﴾.
فالمؤمنون الأوائل، وهم يشهدون انتصار الروم على الفرس، لم يكونوا يحتفلون بكفر الروم ولا يناصرون عقيدتهم، بل كانوا يعبّرون – على مستوى الشعور الإنساني والتاريخي – عن فرحٍ ممزوجٍ بالتشفّي المشروع مما عانوه من ظلم الفرس، الذين كانوا جاثمين على مصائر الناس وبلادهم سنينَ طوالًا، قبل أن يشرق نور الإسلام ويكسر تلك الهيمنة الثقيلة. كان فرحهم، في جوهره، فرح المقهور حين يرى قبضة الجبروت التي خنقته تضعف، لا فرحًا بانتصار الكفر، بل انحيازًا فطريًا لكسْر الظلم.
ومن هذا المعنى العميق، يمكن فهم الفرح المعاصر بوصفه صدىً تاريخيًا لا يخرج عن هذه السنّة؛ فالشعوب لا تفرح بالقوة لذاتها، بل بانكسار الظلم حين يطول، وباهتزاز صورة الطاغية حين يظنّ نفسه خالدًا. وهكذا، فإن الآية لا تحكي حدثًا من الماضي فحسب، بل تضع قانونًا أخلاقيًا للتاريخ: أن الغلبة تتداول، وأن الطغيان – مهما طال – ليس قدرًا أبديًا، وأن للمظلوم لحظة، قد تأتي متأخرة، لكنها لا تغيب.
في هذا الضوء، يصبح الفرح علامة وعي، لا سقوطًا أخلاقيًا؛ ويغدو التاريخ شاهدًا على أن الشعوب، وإن صمتت طويلًا، لا تنسى، وإن صبرت، لا تستسلم، وإن بدت مهزومة، فإن في داخلها يقينًا راسخًا: أن للظلم يومًا… ينتهي، وأن الفرح حينذاك ليس نشوة عدوان، بل شهادة عدلٍ مؤجلة.

894 زائر، ولايوجد أعضاء داخل الموقع