ماذا فعلت١٢ ألف طن من قشور البرتقال في أرض ميتة؟

البيان الأماراتية/رضا أبوالعينين:في تجربة بيئية لافتة وغير مألوفة، تحوّلت منطقة متدهورة في كوستاريكا إلى غابة استوائية كثيفة بعد استخدام نحو 12 ألف طن من قشور البرتقال الناتجة عن صناعة العصير، في مشروع علمي بدأ خلال منتصف تسعينات القرن الماضي داخل محمية "غواناكاستي" للحفاظ على الطبيعة شمال غرب البلاد، ليصبح لاحقا أحد أبرز الأمثلة الموثقة على قدرة النظم البيئية على التعافي عند تزويدها بكميات كبيرة من المادة العضوية.

تعود تفاصيل التجربة إلى الفترة بين عامي 1996 و1998، حين تم نقل ما يقارب 1,000 شاحنة محمّلة بقشور ولبّ البرتقال إلى مساحة تبلغ حوالي 3 هكتارات(30 ألف متر مربع)، كانت قد تعرضت لتدهور شديد نتيجة الرعي المكثف وإزالة الغابات والحرائق وتعرية التربة، لتصبح أشبه بأرض ميتة بيئيا.

وقد جاءت الفكرة في إطار تعاون بين علماء بيئة مرتبطين بمنطقة غواناكاستي وشركة إنتاج عصير البرتقال "ديل أورو"، بهدف اختبار إمكانية استخدام المخلفات العضوية الصناعية لتسريع استعادة الأراضي المتدهورة.

لكن المشروع لم يكتمل كما خُطط له، إذ واجه اعتراضا قانونيا من شركة منافسة تُدعى "تيكو فروت"، التي رفعت دعوى قضائية بدعوى أن إلقاء المخلفات في المنطقة المحمية يمثل تلوثا بيئيا، وهو ما أدى إلى وصول القضية إلى المحكمة العليا في كوستاريكا التي قررت وقف الاتفاق ومنع استمرار التجربة، تاركة الموقع دون متابعة علمية أو تدخل مباشر لسنوات طويلة امتدت لما يقارب 15 عاما، خلال فترة تحوّل خلالها الموقع إلى مساحة مهملة لم يُلتفت إليها علميا.

وفي عام 2013، عاد الباحث تيموثي تروير من جامعة برينستون الأمريكية إلى الموقع ضمن دراسة تقييمية لاحقة، ليجد تحولا بيئيا غير متوقع، إذ أصبحت المنطقة مغطاة بنباتات كثيفة وأشجار متنامية وغطاء نباتي متشابك إلى درجة جعلت العثور على اللوحة الصفراء الأصلية التي وُضعت لتحديد موقع التجربة أمرا صعبا، وهو ما دفع الفريق العلمي إلى إجراء مقارنة دقيقة بين الموقع المعالج بمخلفات البرتقال ومنطقة مجاورة لم تتعرض لأي تدخل.

وأظهرت النتائج التي نُشرت في مجلة Restoration Ecology أن الكتلة الحيوية فوق سطح الأرض في المنطقة التي تلقت المخلفات العضوية ارتفعت بنسبة 176% مقارنة بالمنطقة المرجعية، كما سجلت المنطقة زيادة ملحوظة في تنوع الأنواع النباتية، وتحسنا كبيرا في خصوبة التربة، وارتفاعا في كثافة الغطاء الشجري، إضافة إلى تسارع واضح في نمو النباتات الخشبية، في حين ظلت المنطقة المجاورة تعاني من تربة مكشوفة ونمو نباتي ضعيف وتعرية مستمرة.

ووفق تفسير الباحثين، فإن قشور البرتقال ولبّها عملت ككتلة عضوية ضخمة أدت إلى تحسين خصائص التربة بشكل جذري، إذ ساهم تحللها في زيادة المواد العضوية، وتحسين قدرة التربة على الاحتفاظ بالرطوبة، ورفع مستويات العناصر الغذائية، وتقليل التعرية، إلى جانب دعم نمو النباتات الرائدة التي تمهد لعودة الغطاء الغابي، كما ساعدت في كبح الأعشاب الغازية التي كانت تعيق عمليات التجدد الطبيعي، ما أتاح بيئة مناسبة لعودة الغابة بشكل أسرع وأكثر كثافة.

وقد اعتبر الباحثون أن هذه النتائج تقدم نموذجا مهما لما يمكن أن تقوم به المخلفات الزراعية عندما تُستخدم بطريقة مدروسة في إعادة تأهيل النظم البيئية، حيث أشار البروفيسور ديفيد ويلكوف من جامعة برينستون، أحد المشاركين في الدراسة، إلى أن التجربة تُظهر كيف يمكن لبقايا الصناعات الغذائية أن تتحول إلى أداة فعالة في استعادة الغابات الاستوائية المتدهورة، خاصة في ظل انخفاض تكلفتها مقارنة بالحلول التقليدية.

ورغم النتائج الإيجابية، بقي المشروع مثار جدل بسبب إيقافه المبكر بقرار قضائي إثر دعوى قانونية من شركة منافسة، وهو ما حرم الباحثين من متابعة تطور التجربة بشكل مستمر، وأبقى الكثير من أسئلتها العلمية مفتوحة حول مدى إمكانية تعميم هذا النموذج على نطاق واسع، إلا أن ما وثقته الدراسات لاحقا جعل من هذه الحالة مثالا بارزا على التداخل بين العلم والسياسة والاقتصاد في قضايا البيئة.

وبينما كانت تلك الكميات الضخمة من قشور البرتقال تُعامل في البداية كمجرد نفايات صناعية مخصصة للتخلص منها، انتهى بها المطاف إلى أن تصبح عاملا حاسما في إعادة إحياء نظام بيئي كامل، في قصة تُبرز كيف يمكن لمادة عضوية بسيطة، عندما تُستخدم على نطاق واسع وتحت ظروف مناسبة، أن تُسهم في تسريع عودة الغابات وتحويل أرض متدهورة إلى نظام بيئي نابض بالحياة من جديد.

  

إذاعة وتلفزيون‏



الساعة حسب توقيت مدينة بغداد

الطرب الأصيل

الأبراج وتفسير الأحلام

المتواجدون حاليا

490 زائر، ولايوجد أعضاء داخل الموقع